لماذا ترددت الصين في حرب الـ12 يوما بين إسرائيل وإيران؟

كتب: ربيع السعدني 

في قلب قمة البريكس الأخيرة التي عُقدت في ريو دي جانيرو يومي 6 و7 يوليو/تموز 2025، برزت الصين كصوت بارز يندد بالهجمات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية على إيران. لكن، ورغم لهجتها الحادة، بدت بكين مترددة في تجاوز الخطابات السياسية إلى تقديم دعم عملي لطهران. 

هذا الموقف، الذي يعكس توازنات دقيقة بين المصالح الاقتصادية والطموحات الجيوسياسية، يكشف عن تحديات الصين في ترجمة قوتها الاقتصادية إلى نفوذ سياسي في الشرق الأوسط، فهل تستطيع الصين استعادة مكانتها كقوة عظمى في المنطقة، أم أنها ستظل رهينة قيودها الاستراتيجية؟

الصين وصراعات الشرق الأوسط: موقف حذر أم تخاذل استراتيجي؟

شهدت قمة البريكس نقاشات مكثفة حول التوترات في الشرق الأوسط، حيث أصدرت الكتلة بيانا مشتركا يدعو إلى إنهاء “دائرة العنف” ويدين الهجمات العسكرية على إيران، دون تسمية إسرائيل أو الولايات المتحدة صراحة ومع ذلك، كان موقف الصين واضحا في إدانة التدخلات الخارجية. 

في تصريح سابق تحدث حسين قاهري، رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية الصينية، عن تأثير المواجهة بين إيران وإسرائيل على العلاقات الصينية-الإيرانية، وأوضح أن الصراع، المتجذر في عقود من التوترات، يعكس تنافسات جيوسياسية عالمية ويرى أن الاضطرابات الإقليمية تهدد دور إيران في مبادرة الحزام والطريق الصينية، التي تعد إيران محورا رئيسيا فيها، هذه الأزمات قد تعرقل مسارات المشروع، الذي يُعد أداة لاحتواء الصين من وجهة نظر أمريكية.

وأشار قاهري إلى أن حرب الـ12 يوما قد تدفع إيران لتعزيز توجّهها شرقا، مع دور مركزي محتمل للصين وفي سياق إمدادات الطاقة، أكد أن الصين تعتمد على النفط الوارد بحرا عبر مضيق ملقا، الخاضع لسيطرة أمريكية، أي أزمة في الخليج أو مضيق هرمز قد تعرض إمدادات الطاقة الصينية للخطر، مما يدفع بكين للبحث عن بدائل عبر آسيا الوسطى، الممر الصيني-الباكستاني، وإيران، التي تُعد شريكا استراتيجيا حيويا.

بكين تدعم حق طهران النووي

فقد أعرب فو كونغ، الممثل الدائم للصين لدى الأمم المتحدة، في 14 يونيو/حزيران 2025، عن رفض بلاده انتهاك إسرائيل سيادة إيران، مؤكدا دعم بكين لحق طهران في تطوير برنامجها النووي السلمي، لكن خلف هذه التصريحات القوية، تكمن مخاوف الصين الاقتصادية، فبعد الهجوم الأمريكي على المنشآت النووية الإيرانية الثلاثة “نطنز، وفوردو، أصفهان”، في 22 يونيو/ حزيران 2025 شاركت الصين مع روسيا وباكستان في تقديم مشروع قرار لمجلس الأمن يطالب بوقف إطلاق النار. 

هذا التحرك، رغم دلالته السياسية، لم يتجاوز حدود الدبلوماسية اللفظية، مما يعكس نهج بكين الحذر في التعامل مع الصراعات الإقليمية. يقول صموئيل راماني، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة أكسفورد: “إن تردد الصين يعكس رغبتها في الحفاظ على توازن دقيق بين دعم حلفائها وحماية مصالحها الاقتصادية، خاصة في مجال الطاقة”.

مخاوف الطاقة: شبح أزمة اقتصادية

تعتمد الصين بشكل كبير على استيراد النفط عبر مضيق هرمز، حيث تستورد 5.4 مليون برميل يوميا، أي أن اضطراب في هذا الممر الحيوي، كإغلاقه من قبل طهران كرد فعل على الهجمات الإسرائيلية- الأمريكية، قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية هائلة، هذا القلق تفاقم مع الهجمات البحرية التي شنها الحوثيون في اليمن أواخر 2023، والتي رفعت تكلفة شحن الحاويات من الصين إلى أوروبا من 1500 دولار إلى 4000 دولار للحاوية الواحدة ووصف متحدث باسم منصة “كونتينر إكستشينج” اللوجستية الإلكترونية الارتفاع الأخير في أسعار الحاويات في الصين بأنه “فقاعة أسعار”.

ومع سعي الاتحاد الأوروبي لتقليل اعتماده على الصين، فإن أي تصعيد إضافي قد يعيق تجارة بكين ويعزز من عزلتها الاقتصادية، كما حذر لين جيان، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، في 13 يونيو/حزيران 2025، من أن “تصعيد التوترات في المنطقة يهدد الأمن الدولي ولا يخدم مصلحة أي طرف”.

هذا التصريح يعكس نهج الصين الذي يعطي الأولوية للاستقرار الاقتصادي على المغامرات الجيوسياسية.

الدعاية الصينية: استغلال الصراع لتعزيز الصورة

لم تكتفِ الصين بالإدانات الدبلوماسية، بل استخدمت منابرها الإعلامية، مثل صحيفة غلوبال تايمز، للترويج لرواية تنتقد السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، فقد وصفت الصحيفة إدارة دونالد ترامب بأنها “عاجزة” عن كبح جماح إسرائيل، مقدمة الصين كبديل أكثر مسؤولية. 

كما أشار ليو تشونغ مين، الأستاذ بجامعة شنغهاي، إلى تناقضات السياسة الأمريكية، مشيدا بدعم الصين الثابت للوكالة الدولية للطاقة الذرية في مراقبة البرنامج النووي الإيراني.

هذا الخطاب يتماشى مع استراتيجية الصين طويلة الأمد في معارضة التدخلات الغربية، كما فعلت في ليبيا عام 2011 وسوريا لاحقا، مستندة إلى مبدأ احترام سيادة الدول. كما دعمت الصين باستمرار وقف إطلاق النار في غزة وإقامة دولة فلسطينية، مما يعزز صورتها كمدافعة عن العدالة الدولية.

لماذا تتردد الصين في دعم إيران؟

على الرغم من إدانتها الحادة، رفضت الصين تقديم دعم عسكري أو اقتصادي مباشر لإيران، مكتفية بمواقف سياسية، يعكس هذا النهج سياسة بكين المعروفة بـ”الصداقة مع الجميع، والتحالف مع أحد”، التي مكنتها من تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط دون الانخراط في صراعات مباشرة. لكن هذا الحذر خيّب آمال طهران، التي توقعت دعما أكثر فاعلية. 

يقول علي أكبر داريني، المحلل الإيراني وفقا لـ”فرارو“: “كان بإمكان الصين استغلال ثقلها الدبلوماسي لزيادة تكلفة الحرب على إسرائيل والولايات المتحدة، لكنها اختارت التراجع”. ومع ذلك، بدأت بعض الأصوات في إيران تعبر عن ثقة متزايدة في قدرة بلادهم على الصمود، خاصة بعد توقعات هوانغ جينغ، الأستاذ الصيني، بسقوط حكومة نتنياهو، لكن هذه الثقة لم تدفع إيران للمطالبة بدعم صيني مباشر، إذ ترى بكين أن التدخل لن يغير مسار الصراع بشكل كبير.

هل تستطيع الصين استعادة زمام المبادرة؟

رغم الشائعات حول احتمال نقل الصين لمقاتلات J-10C أو أنظمة دفاع صاروخي إلى إيران، يبقى هذا السيناريو غير مرجح، يؤكد ناصر التميمي، الخبير في العلاقات الصينية-الشرق أوسطية، أن آخر صفقة أسلحة كبرى بين البلدين تعود إلى 2005، وأن أي دعم مستقبلي قد يقتصر على تقنيات مزدوجة الاستخدام عبر وسطاء.

هذا الحذر يعكس رغبة الصين في تجنب الصدام المباشر مع الولايات المتحدة، التي عززت وجودها في المنطقة بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

إلى أين تتجه العلاقات الصينية الإيرانية بعد حرب الـ12 يوما؟

نشر تقرير للإذاعة الوطنية العامة (NPR) قبل إعلان وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، بعنوان “لماذا تشعر الصين بقلق بالغ إزاء التوترات بين إيران وإسرائيل”، تناول اعتماد الصين الكبير على النفط الإيراني. 

الصين، أكبر مستورد للنفط الإيراني، تستحوذ على 90% من صادراته رغم العقوبات الأمريكية، مستفيدة من خصم 8% عن أسعار السوق، وفق المحلل الصيني مويو شو. يُعزى ذلك لتوسع العقوبات الأمريكية عام 2019، مع تتبع الصادرات عبر صور الأقمار الصناعية ومصادر أرضية، إذ تتكتم الدولتان عن تفاصيل التجارة.

الصين لا تقتصر على دور المستورد، بل تبرز كوسيط محتمل، تداولت شائعات عن وساطتها بدلا من عُمان في المحادثات النووية، لكن إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، نفى ذلك، واصفا إياها بـ”تكهنات إعلامية”، وأشار إلى استعداد الصين وروسيا لدعم حل القضية النووية دون تقديم مقترحات محددة حديثا.

بعد الحرب، تتصاعد التساؤلات حول دور الصين في تعزيز الدفاعات الإيرانية المتضررة العقوبات الغربية تحد من قدرة إيران على استيراد أسلحة متطورة، بينما كشفت حرب الاثني عشر يوما عن ثغرات في دفاعاتها الجوية، خاصة نقص المقاتلات المتقدمة، كما زعم موقع “ميدل إيست آي” أن إيران استلمت بطاريات صواريخ أرض-جو من الصين لإعادة بناء دفاعاتها، لكن بكين نفت ذلك بشدة،  وأكدت السفارة الصينية في إسرائيل، عبر صحيفة “إسرائيل اليوم”، أن الصين لا تصدر أسلحة لدول في حالة حرب، مع رقابة صارمة على المواد ذات الاستخدام المزدوج، وفق “ساوث تشاينا مورنينج بوست”.

الصين، إذن، لاعب رئيسي في الاقتصاد والسياسة الإيرانية، لكنها تحرص على نفي أي تورط عسكري مباشر، مفضلة الحفاظ على توازن دبلوماسي في منطقة مضطربة، ووفقا لموقع “فرارو” الإيراني يقول عبد الخالق عبد الله، المفكر الإماراتي: “أمريكا عادت بقوة إلى الشرق الأوسط، بينما خسرت الصين وروسيا نفوذهما الاستراتيجي”.. هذا التحول الهائل يضع الصين أمام تحدٍ كبير: إما تعزيز دورها كوسيط دبلوماسي، كما فعلت في اتفاق السعودية وإيران عام 2023، وإما المخاطرة بفقدان مكانتها لصالح واشنطن.

مستقبل غامض للصين في الشرق الأوسط

كشفت الأزمة الأخيرة حدود طموحات الصين الجيوسياسية في الشرق الأوسط. فعلى الرغم من قوتها الاقتصادية، تواجه بكين صعوبات في تحويل هذا النفوذ إلى تأثير سياسي مستدام.

قرارها البقاء على الحياد، مع الإبقاء على خطاب مناهض للغرب، قد يحافظ على مصالحها الاقتصادية في المدى القصير، لكنه يعرضها لخطر فقدان الثقة كقوة عظمى موثوقة.

ومع استمرار التوترات الإقليمية، تبقى الصين أمام خيار صعب: إما المخاطرة بالتدخل النشط، وإما القبول بدور هامشي في منطقة تتزايد فيها المنافسة الجيوسياسية.