- زاد إيران - المحرر
- 302 Views
مرة أخرى، يشهد المشهد السياسي والإعلامي في إيران جدلا واسعا بعد طرح مشروع قانون جديد يمس بشكل مباشر البنية الرقمية والفضاء الإعلامي في البلاد، فقد أثار المشروع موجة من النقاشات داخل البرلمان وخارجه، وسط مخاوف متزايدة من تأثيره على مستقبل الإنترنت والإعلام المستقل في إيران، وبينما يتابع الرأي العام تفاصيل المشروع بتوجس، تبرز تساؤلات جدية حول نطاق الصلاحيات المقترحة، والجهات المستفيدة منه، ومدى توافقه مع الاحتياجات المجتمعية ومعايير حرية التعبير. يأتي هذا الجدل في توقيت حساس يعيد إلى الواجهة مفاهيم التنظيم والرقابة ودور المؤسسات الإعلامية الرسمية.
الأصوليين من جديد… إعادة لمشروع قانون سابق
يعود مشروع القانون الجديد في البرلمان الإيراني ليشكل حلقة أخرى في سلسلة طويلة من المحاولات الرامية إلى فرض سيطرة مركزية على الفضاء الرقمي، حيث أعلن البرلمان الإيراني تلقي مشروع قانون بعنوان حماية ومعالجة المخالفات في مجال المحتوى المرئي الشامل في الفضاء الرقمي، وهو المشروع الذي كشفته مصادر عدة باعتباره النسخة الثالثة من مشروع صيانة الفضاء الرقمي الذي أثار اعتراضات شعبية واسعة في السنوات الماضية.

هذا ويتبنى التيار الأصولي، ولا سيما جناحه البرلمان جبهة بايداري، هذا المشروع بشكل مباشر،إذ يتصدر قائمة الموقعين كل من حميد رسائي، ومرتضى آقا طهراني، ونصرالله بزمان فر، ومجتبی ذو النوری، وكامران غضنفری، وهم برلمانيين لهم تاريخ واضح في دعم مشاريع تضييق الفضاء الرقمي والتشديد على موضوعات مثل قانون الحجاب والعفاف، ذلك باعتباره أداة استراتيجية لإعادة ضبط المجال الإعلامي والرقمي في إيران بما يتوافق مع رؤيته، فيما يصف الإعلام الإصلاحي المشروع بمحاولة جديدة للالتفاف على النقد الشعبي الذي أفشل النسختين السابقتين، ذلك عبر صياغة جديدة تحاول التخفيف من حدة المصطلحات، لكنها تبقي على جوهر الفكرة المتمثلة في فرض رقابة واسعة.

ويرى مراقبون أن هذا الحراك التشريعي يعكس محاولة واضحة من التيار الأصولي لاستعادة السيطرة على واحدة من أكثر الساحات تأثيرا في المجتمع الإيراني، وهي فضاء الإنترنت الذي بات ملاذا للأصوات المستقلة والناقدة، فتشير تحليلات عدة إلى أن المشروع يأتي كرد فعل مباشر على سلسلة من الإخفاقات التي تعرض لها التيار المتشدد، بدءا من الهزيمة في الانتخابات الرئاسية، مرورا بتعثر تطبيق قانون الحجاب، ووصولا إلى الاشتباكات السياسية اليومية مع حكومة الرئيس مسعود بزشكيان، وفي ظل هذه التوترات، يبدو أن الأصوليين، حسب القراءات السياسية، يسعون لتحويل البرلمان إلى ساحة مواجهة جديدة، عبر استخدام مشروع القانون كأداة تحدّ من قدرة الحكومة على تنفيذ وعودها المتعلقة برفع الحجب وتحسين جودة الإنترنت، بما قد ينعكس سلبا على شعبيتها ويمنح التيار المتشدد ورقة ضغط فاعلة في المرحلة المقبلة.


تفاصيل مشروع القانون…هيمنة الإذاعة والتلفزيون على الفضاء الرقمي
يعتبر جوهر المشروع الجديد يكمن في منح هيئة الإذاعة والتلفزيون صلاحيات واسعة للغاية، تشمل الترخيص والتنظيم والمراقبة وإنفاذ العقوبات، حيث يتم تقديم الهيئة في المشروع باعتبارها الجهة التنظيمية الرسمية للمحتوى الصوتي والمرئي في الفضاء الافتراضي، ما يجعلها عمليا صاحبة القرار الأول والأخير في شؤون الإعلام الرقمي في البلاد.

وتبدأ مشكلة المشروع من تعريفه الفضفاض لمفهوم الإعلام والمنصة الإعلامية، فهو لا يميز بين المواقع الإخبارية والمنصات التجارية وشبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الفيديو، بل يضعها كلها تحت مسمى واحد هو الراديو والتلفزيون الشامل في الفضاء المجازي، ما يتيح للجهة التنظيمية مساحة واسعة لتفسير القانون بما يخدم مصالحها.
ويشمل القانون كل محتوى مرئي أو صوتي يتم بثه أو مشاركته عبر الإنترنت، بما في ذلك المحتوى الذي ينتجه المستخدمون على منصات مثل إنستغرام ويوتيوب وتلجرام وتيك توك وحتى المحتويات المنتجة داخل بعض الألعاب الإلكترونية.
ويتحول المشروع إلى أداة رقابية متكاملة حين يلزم كل مستخدم يرغب في نشر محتوى مرئي بالحصول على ترخيص مسبق من الإذاعة والتلفزيون، بل يتجاوز الأمر ذلك ليصل إلى إلزام الشركات العالمية المالكة للمنصات بالحصول على ترخيص من الحكومة الإيرانية لممارسة النشاط الإعلامي داخل البلاد، وهو شرط اعتبره الخبراء تعجيزيا بالنظر إلى أن هذه الشركات تعمل وفق قوانين دولية ولا تعترف بالولاية التنظيمية للدول إلا في نطاقات محدودة جدا.
كما يفرض المشروع على المنصات الرقمية المحلية التحقق الكامل من هوية المستخدمين قبل السماح لهم برفع أي محتوى، وتعد هذه الخطوة واحدة من أكثر النقاط إشكالية، لأنها تمس مباشرة خصوصية المستخدمين وتفتح الباب أمام مراقبة الدولة لسلوكهم الرقمي، وقد أثار هذا البند تحديدا ردود فعل حادة، إذ اعتبره خبراء التقنية والأمن الرقمي أخطر بنود المشروع، لأنه يؤدي إلى إنهاء مبدأ الهوية المجهولة الذي يعد أحد أسباب ازدهار الفضاء الرقمي.

كذلك، فتظهر خطورة المشروع في أنه يمنح الإذاعة والتلفزيون صلاحية تشكيل هيئة قضائية داخلية للنظر في المخالفات، على أن يتم تعيين جميع أعضائها من قبل رئيس الهيئة، وبذلك يصبح الجهاز الرقابي والقضائي والتنفيذي في يد جهة واحدة، دون وجود ضوابط تتيح للمؤسسات الإعلامية الاعتراض أو الطعن في القرارات، الأمر الذي اعتبر تغييرا جذريا في فلسفة التنظيم الإعلامي في إيران، إذ يجرد السلطة القضائية من أي دور في فض النزاعات المتعلقة بالمحتوى أو حقوق المستخدمين.
أما العقوبات الواردة في نص المشروع فهي شديدة ومتعددة المستويات، إذ يسمح القانون للإذاعة والتلفزيون بفرض غرامات مالية تتراوح بين واحد وخمسة في المئة من الدخل الإجمالي السنوي للمؤسسة المخالفة، وليس من أرباحها، ما يجعل العقوبات بمستوى قد يؤدي إلى الإفلاس، ويتيح المشروع أيضا فرض حظر على الإعلانات لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، وهي عقوبة تكاد تكون قاتلة للمؤسسات الخاصة التي تعتمد على الإعلانات كمصدر أساسي للدخل، كما ينص على إمكانية خفض سرعة الإنترنت للمؤسسة المخالفة لفترات طويلة، ما يعطل قدرتها على العمل في سوق يعتمد بشكل كامل على الاتصال السريع.
إلى جانب ذلك، تصل العقوبات في بعض الحالات إلى تعليق الترخيص أو إلغائه نهائيا، دون وجود أي آلية للطعن، وتمنح المواد التنفيذية للمشروع الهيئة صلاحية إصدار أوامر بحذف المحتوى أو إيقافه لمدة 48 ساعة حتى قبل النظر في طبيعة المخالفة، بل يمكن تنفيذ هذه الأوامر عبر مكالمة هاتفية أو رسالة نصية فقط، الأمر الذي يعتبر خروجا واضحا عن المبادئ القانونية المعتادة التي تقتضي وجود وثائق رسمية ومسار قضائي لضمان العدالة.
عواقب القانون على الإعلام وحرية التعبير
بهذا الشأن، يحذر المختصون من أن المشروع الجديد سيكون له آثار كارثية على الإعلام الرقمي والحرية الرقمية في البلاد، إذ سيؤدي التطبيق الكامل للقانون إلى إغلاق الباب أمام الإعلام المستقل، لأن كل مؤسسة إعلامية أو فرد يرغب في نشر محتوى يحتاج إلى موافقة مسبقة من جهة حكومية ذات توجه سياسي واضح، ويشير الخبراء إلى أن هذا النهج سينتج بيئة إعلامية أحادية الصوت، حيث يختفي التنوع، وتقصى الأصوات المعارضة أو المنتقدة.
وسيؤثر القانون بشكل مباشر على منصات البث الرقمي وشركات التكنولوجيا الناشئة التي تعتمد على حرية الوصول إلى الإنترنت، ومع فرض قيود على الإعلانات والغرامات العالية وخفض سرعة الإنترنت، ستجد هذه الشركات نفسها عاجزة عن الاستمرار في العمل، ويخشى كثيرون من أن يؤدي هذا الوضع إلى هجرة الشركات الناشئة من إيران، ما يضرب قطاع التكنولوجيا الحيوي ويقلص فرص العمل في واحدة من أكثر الصناعات نموا في البلاد.

ويتوقع المراقبون أن يؤدي إلزام المستخدمين بالحصول على ترخيص قبل نشر المحتوى إلى تراجع كبير في الإنتاج الرقمي للمواطنين، إذ سيتردد الكثيرون في تسجيل فيديوهات أو إنشاء بودكاست أو حتى نشر مقاطع قصيرة خوفا من الوقوع تحت طائلة القانون، وبالتالي سيختفي جزء كبير من النشاط الذي جعل من الفضاء الرقمي مساحة للإبداع والتعبير الحر خلال السنوات الماضية.
ويتابع المختصين بالشأن الرقمي أن إلزام المنصات بالتحقق من الهوية سيقضي تماما على مساحة التعبير الآمن التي يستخدمها الصحفيون والناشطون لنشر المعلومات الحساسة، إذ ستصبح الدولة قادرة على تتبع أي مستخدم وتحديد هويته بسهولة، التوجه الذي يتعارض بشكل صارخ مع المعايير الدولية لحماية حرية التعبير، التي تمنح المستخدمين حق الحفاظ على سرية هويتهم خصوصا في القضايا السياسية والاجتماعية الحساسة.
ومن جانب آخر، يرى اقتصاديون أن المشروع سيخلق حالة من عدم الثقة بين المستثمرين والقطاع الرقمي في إيران، إذ سيعتبر المستثمرون أن المناخ القانوني غير مستقر، ومليء بالمخاطر التنظيمية التي قد تؤدي إلى خسائر فادحة في أي لحظة، وقد تتضرر خدمات التوصيل والتجارة الإلكترونية والإعلان الرقمي والتعليم عبر الإنترنت، وهي قطاعات تعتمد على انسيابية الوصول إلى الإنترنت.
سنحتاج إلى سجن كبير……انتقادات وسخرية من مشروع القانون
على أن الداخل لم يكن بمعزل عن مشروع القرا، فقد أثار الأمر موجة واسعة من الانتقادات من قبل خبراء قانونيين وإعلاميين، إضافة إلى شخصيات كانت في صلب صنع السياسات الرقمية في البلاد، فيبرز في مقدمة الأصوات المنتقدة الحقوقي والإعلامي كامبیز نوروزي الذي وصف المشروع بأنه عودة مقنعة لمشروع الصيانة، مؤكدا أنه يمنح الإذاعة والتلفزيون سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية متداخلة، ويجعل أي مستخدم لمنصات التواصل بحاجة إلى ترخيص، وهو ما اعتبره اعتداء مباشرا على حقوق المستخدمين الأساسية واستحالة عملية لا يمكن تطبيقها في بيئة رقمية عالمية.

ولا تقف الانتقادات عند حدود المتخصصين في الإعلام، إذ انضم إليها مسؤولون سابقون شغلوا مناصب عليا في إدارة الإنترنت في إيران، ومن أبرزهم أبو الحسن فيروز آبادي، الأمين الأسبق للمجلس الأعلى للفضاء الافتراضي، الذي وجه نقدا لاذعا للحكومة وبرلمانها، حيث قال إن اللائحة الجديدة تعاني غيابا صارخا للشفافية في تحديد المسؤوليات والعقوبات، إذ لم يبين ما إذا كان العقاب سيقع على منتِج الخبر أو المنصة أو حتى من يعيد نشره، محذرا من أن ذلك قد يؤدي إلى تجريم جماعي للمستخدمين، وأضاف بسخرية لافتة أن المشروع، وفق صياغته الحالية، يحتاج إلى تخصيص سجون كبيرة إذا تقرر تطبيق العقوبات المقترحة على كل من يعيد نشر محتوى يعتبر مخالفا.

كما أشار فيروز آبادي إلى أن المشروع لا يراعي الفروق بين أنواع الأخبار، خصوصا الأخبار الاقتصادية التي تتطلب معالجة متناسبة مع حساسية تأثيرها، ويرى أن القانون يعالج مشكلات الحكومة في الفضاء الرقمي أكثر مما يخدم احتياجات المواطنين، منتقدا مطالبة بعض النواب بإعادة تفعيل الحجب على تطبيقات واسعة الاستخدام، ومعتبرا أن مستوى الحجب الحالي مرتفع وغير مناسب للوضع الأمني الحساس وأنه يؤدي إلى اتساع مخاطر الأمن الرقمي عبر استخدام وسائل كسر الحجب وما تتضمنه من برمجيات خبيثة.

