- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 387 Views
في خضم حالة القلق المتصاعدة التي يعيشها الداخل الإيراني، تتزايد التحذيرات من مسارات قد تحمل للبلاد أثمانا باهظة إذا لم تجر مراجعة عاجلة للنهج السياسي والاقتصادي القائم، فالمشهد العام بات يشير إلى تزايد الضغوط على بنية الدولة والمجتمع معا، وسط تراجع الثقة الشعبية وتنامي الشعور بانسداد الأفق.
وبينما تعكس المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية حجم التآكل الذي أصاب القدرة المعيشية للمواطنين، تتواصل النقاشات داخل الأوساط السياسية والإعلامية حول مستقبل البلاد وإمكان تجنب مزيد من التدهور، وفي هذا السياق، تتخذ الأصوات التحذيرية طابعا أكثر حدة، باعتبار أن استمرار الوضع الراهن من دون تغيير جذري قد يضع إيران أمام استحقاقات صعبة لم تعد بعيدة.
عواقب وخيمة حال استمرار الوضع على ما هو عليه
كتب بابك زنجاني، رجل الأعمال الإيراني الشهير، تغريدة على حسابه عبر منصة إكس، الإثنين 8 ديسمبر/ كانون الأول 2025، وجهها للرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، قال فيها” سيادة الرئيس، إن الوضع النقدي والمالي المتأزم في البلاد خطير للغاية ومبعث قلق كبير، وفي حال عدم إدارة وحل مسألة تأمين السلع الأساسية، بما في ذلك الزيت والدجاج والمواد الأولية للمصانع، وكذلك الحفاظ على قيمة العملة الوطنية، وهي مهام تقع مباشرة ضمن نطاق مسؤوليات الحكومة، فإن العواقب الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة ستكون حتمية”.

وتابع” لا شك في أن مسؤولية أي تداعيات أمنية ناتجة عن هذا القصور ستقع على عاتقكم شخصيا، إذ إن صلاحية التغيير، وإصلاح الهيكل، واستبدال المديرين غير الأكفاء هي بيد الحكومة، إن التأخر في اتخاذ القرار سيحمّل البلاد تكلفة باهظة”.
جديرا بالذكر أن زنجاني كان قد واجه أحكاما قضائية وصلت للإعدام، والتي تمت تسويتها لاحقا، على خلفية واحدة من أكبر قضايا الفساد الاقتصادي في إيران، بعد اتهامه باختلاس مليارات الدولارات من عائدات النفط خلال فترة العقوبات الدولية، وتشير التحقيقات إلى أنه استخدم شبكة معقدة من الشركات والحسابات الخارجية لتمرير الأموال وعدم تحويلها إلى الخزانة العامة، رغم تكليفه رسميا ببيع النفط لصالح الدولة، وقد أحدثت تلك القضية صدى واسعا بسبب ضخامتها وتشعب الأطراف المتورطة فيها وتأثيرها العميق على الاقتصاد.

على أن جمهوري إسلامي، الصحيفة الأصولية، لم تدع تغريدة زنجاني تمر بسلام، حيث استغلت الفرصة لشن هجوما على الحكومة وزنجاني على حد سواء، فذكرت في تقرير بعددها الصادر الأربعاء 10 ديسمبر/ كانون الأول 2025، قولها” إن بابك زنجاني، رغم كل ذلك الفساد المالي، يسخر اليوم من الشعب”، وعلقت على تغريدة زنجاني فكتبت” إذا كنا نؤمن بأن الدين والحكومة والقانون جميعها وجدت من أجل أن يعيش الناس حياة طيبة، وأن محور كل شيء هو الناس، فعلينا أن نقبل أيضا بأن الحكام ملزمون بتوفير كل ما يلزم لحياة وسعادة الناس في دنياهم وآخرتهم، والالتزام بهذه المسؤولية، إلى جانب ما يحققه من فائدة للشعب، فإنه يصب في مصلحة الحكام أيضا، كما أنه يلعب دورا مهما في صيانة البلاد وحماية استقلالها ووحدة أراضيها ومنع أطماع الأعداء الخارجيين”.

وتتابع” واستنادا إلى هذه القاعدة التي لا جدال فيها، يجب أن نعلن بصراحة أن حال المواطنين الإيرانيين اليوم سيء، فارتفاع الأسعار بلا ضوابط أنهك الناس، والأغلبية الضعيفة لم تعد قادرة على التخطيط لحياتها، لقد أصبح الزواج حلما بعيد المنال للشباب، وتحول امتلاك منزل إلى أمر شبه مستحيل لمعظم الناس، كما بات توفير المواد الغذائية الأساسية مثل اللحوم والأرز والألبان والفواكه صعبا على كثير من الأسر، أما شراء الأجهزة المنزلية أو حتى إصلاحها فأصبح غير ممكن لشريحة واسعة من المجتمع، فيما تحولت تكاليف العلاج إلى عبء يستحيل تحمله، حتى إن كثيرا من الناس يفضلون تحمل المرض بدلا من زيارة الطبيب وشراء الدواء”.
وتضيف” إن مطالبة الناس بالوحدة والصمود أمام الأعداء أمر صحيح تماما، لكن تحقيق هذا التوقع مرهون بتوفير ظروف حياة مناسبة تتيح لهم التركيز على واجباتهم المعنوية والأخلاقية والوطنية بعيدا عن الهموم المعيشية، كما أن على الحكام أن يقدّموا إجابات واضحة وشفافة ومقنعة عن الأسئلة الكبرى التي تتداولها عقول المواطنين”.

وعن زنجاني فذكرت” أما بابك زنجاني، الذي ارتكب ذلك الكم الهائل من الفساد في اقتصاد البلاد وحكم عليه بالإعدام بصفته مفسدا في الأرض، فلماذا نال العفو؟ وكيف أصبح اليوم من أثرياء المجتمع؟ وكيف ينتظر من الناس أن يصدقوا أن شخصا مدانا برد مليارات الدولارات، استطاع، رغم سجنه، أن يسدد الغرامات، وفي الوقت نفسه يصبح أكبر رجل أعمال في البلاد، يسيطر على قطاعات السكك الحديدية، النقل بالحافلات، سيارات الأجرة، الطيران، التصدير والاستيراد؟، أي قاعدة اقتصادية تسمح لسجين بأن يحتفظ بالأموال التي سرقها من الخزينة العامة في الخارج، ثم يسدد جزءا ضئيلا من أرباحها وفق أسعار قبل 15 عاما على أنها رد مال، ويحتفظ بأضعاف أضعافها لنفسه؟ وكيف يسمح له أن يصبح من كبار المستثمرين ويسخر من الناس؟”.
عبدي… لن نصل إلى العام المقبل بهذا الوضع
هذا ولم يكن زنجاني الوحيد الذي دق ناقوس الخطر بالنسبة للواقع والمستقبل في إيران، فخلال لقاء له مع موقع أكو إيران التحليلي، في الأول من ديسمبر/ كانون الأول 2025، قال عباس عبدي، الصحفي الإصلاحي، إنه ليس لديه أي أمل في أن تتمكن البلاد من دخول عام 1405، العام الإيراني الجديد ما يوافق مارس/ آذار 2026، بسهولة وبشكل طبيعي، محذرا من أن استمرار النهج القائم سيقود لا محالة إلى تحولات واضطرابات قد تخرج عن سيطرة النظام السياسي.

وخلال حديثه، أوضح عبدي أنه لا يتحدث من موقع المعارض الذي يتمنى الانهيار، بل من موقع الطبيب الذي يقرأ المؤشرات الموضوعية ويقدم تشخيصا قاسيا على أمل أن يساعد ذلك في إنقاذ المريض، أي الدولة والمجتمع، فهو يؤكد أن تحليلاته لا تقوم على الشائعات أو معلومات ما وراء الكواليس، التي يصفها بأنها عديمة القيمة في إيران، بل على مؤشرات ملموسة مثل مستوى رضا الناس، وتآكل الأمل بالمستقبل، وغياب أي أفق إيجابي في الأنظمة المالية والمصرفية والنقدية، وفي مالية الدولة، والبنية الاجتماعية، والمجالين الثقافي والإعلامي، وصولا إلى قلب النظام السياسي ذاته.
ويرى عبدي أن البلاد تعيش حالة تعليق شاملة، فلا يوجد نظام واضح لصنع السياسات، ولا جهة تتحمل مسؤولية الإصغاء لصوت الشارع واتخاذ القرار، بل إن مؤسسات الحكم تتحرك غالبا بردود فعل ظرفية وليست نابعة من رؤية استراتيجية متماسكة، وفي قراءته للمخاطر المقبلة، يتحدث عبدي عن ثلاثة سيناريوهات كبرى، إما استمرار الوضع دون إصلاح داخلي ودون انزلاق مباشر إلى الحرب، وهو ما يعني برأيه عودة موجات الاحتجاج بشكل أوسع وأشد تعقيدا يصعب التحكم بها، أو انخراط البلاد في حرب جديدة، يرجح أن تكون الولايات المتحدة طرفا بادئا فيها أكثر من إسرائيل، بما يحمله ذلك من كلفة مدمرة واحتمال أن تنتهي أيضا إلى شكل من أشكال التسليم ولكن بعد فوات الأوان، أما السيناريو الأفضل في نظره، فهو الوصول إلى توافق داخلي حقيقي يفتح الباب أمام إصلاحات جدية في بنية الحكم.

ويصرح عبدي بأن الرئيس بزشكيان هو أفضل شخص يمكن أن يقود مثل هذا التفاهم إذا أُتيحت له الصلاحيات والغطاء السياسي اللازم، ومع ذلك، يشدد على أن مجرد وصول شخصية إصلاحية أو معتدلة إلى الرئاسة لا يكفي، ما لم يلتزم النظام بتحمل تبعات هذا الخيار والسماح للحكومة بتنفيذ برنامج فعلي، بدل الاكتفاء بتغيير الوجوه مع استمرار السياسات ذاتها.
هذا فيما عاد عبدي مرارا إلى فكرة أن النظام السياسي صار يرى كلفة الإصلاح فورية ومؤكدة، بينما يتعامل مع كلفة استمرار الوضع الراهن كأمر مؤجل يمكن تأجيل مواجهته إلى الغد، وهو تشخيص يراه جوهر المأزق الحالي، فعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، يربط عبدي بين الأزمات اليومية، من البنزين إلى المياه والبيئة، وبين نمط حكم غير قابل للمساءلة، مستحضرا مثال أزمة البنزين التي شبّهها بمريض مصاب بالسرطان يحاولون علاجه بالأسبرين، في إشارة إلى أن الحلول المؤقتة لم تعد تجدي.

وفي ملف المياه والجفاف، ينتقد الإصلاحي الأشهر غياب التخطيط والتسعير الواقعي، ويتساءل عن الجهات التي سمحت بزيادة السحب من السدود بما يفوق التعليمات بنسبة تصل إلى 25٪ من دون أن يسأل أحد أو يحاسب، معتبرا أن مصير الموارد المائية والتربة يختزل قصة عقود من سوء الإدارة واللامبالاة.

