- زاد إيران - المحرر
- 719 Views
كتبت: سارا حسني زادة
في أغسطس/آب 2025، تحولت مدينة دايغو في كوريا الجنوبية إلى منصة عالمية لاستعراض مستقبل التكنولوجيا، حيث استضاف مركز المعارض الدولي EXCO فعاليات الدورة الثلاثين من المسابقات العالمية للروبوتات والذكاء الاصطناعي «فيرا». وقد امتلأت القاعات بأصوات الحماس والابتكار، مع مشاركة مئات التلاميذ والطلاب والباحثين من 17 دولة، قدموا إلى هذا المحفل العلمي لعرض مهاراتهم في واحدة من أرقى المنافسات على مستوى العالم.
على مدى خمسة أيام، من 11 إلى 15 أغسطس/آب، شهدت القاعات عروضا مبهرة لروبوتات لاعبي كرة القدم، وطائرات مسيّرة فائقة السرعة، وسيارات ذاتية القيادة، وابتكارات علمية رائدة، وفي هذا المشهد الاستثنائي، نجح الوفد الإيراني المكوّن من 21 فريقا و83 مشاركا في حصد خمسة ألقاب للبطولة، وأربعة مراكز للوصافة، ومركزين ثالثين، ليؤكد مرة أخرى، الحضور العلمي المتميز لإيران في الساحة الدولية.

من فكرة رياضية إلى منصة علمية كبرى
تعود بدايات «فيرا» إلى عام 1996 حين أطلقها البروفيسور جونغ-هوان كيم في جامعة KAIST بسيول، كفكرة بسيطة تقوم على استخدام منافسات مستوحاة من الرياضة، مثل كرة القدم الروبوتية، لدفع عجلة تطوير تقنيات الروبوتات والذكاء الاصطناعي، غير أن هذه الفكرة سرعان ما تطورت، وخلال ثلاثة عقود فقط، تحولت «فيرا» إلى واحد من أكبر وأهم الملتقيات العلمية على مستوى العالم.
اليوم لم تعد «فيرا» مجرد بطولة، بل أصبحت منصة للتبادل العلمي واستعراض الابتكارات وتأسيس تعاون دولي واسع، ففي نسخة 2025 شارك أكثر من 900 متسابق من 17 دولة في 46 فعالية توزعت على أربع دوريات رئيسية: الرياضي، والتحدي، والطيران، والطلاب.
شملت المنافسات مجالات متطورة مثل أولمبياد الروبوتات البشرية، السيارات ذاتية القيادة، الروبوتات الطائرة السريعة، روبوتات الإنقاذ، إضافة إلى دوري الابتكار والأعمال، ما أتاح للمشاركين فرصة استعراض قدراتهم التقنية وخيالهم الإبداعي.
لم تقتصر الفعاليات على المباريات، بل تزامنت مع انعقاد المؤتمر الدولي لفيرا، حيث قدّم الباحثون من مختلف أنحاء العالم أوراقهم العلمية وأحدث إنجازاتهم، هذا المزج بين المنافسة الأكاديمية والبحثية جعل «فيرا» حدثا علميا متفرّدا في مجال الروبوتات عالميا.
رؤية إيرانية
وفي تعليق على أهمية هذه الفعالية، قال سروش صادق نجاد، رئيس اللجنة الوطنية للروبوتات في إيران ونائب رئيس الاتحاد العالمي لفيرا:
“فيرا ليست مجرد ساحة للتنافس، بل هي فرصة لتبادل المعرفة وبناء شبكات علمية وصناعية. هذا الحدث يدفع الشباب نحو الابتكار والمشاركة الفاعلة في تقنيات المستقبل”.
وبفضل إنجازات هذا العام، رسخت إيران موقعها كلاعب أساسي في مسيرة تطوير الروبوتات والذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي، لتؤكد أن العلم والابتكار باتا من أهم أدوات حضورها الدولي.

إنجازات بارزة للفرق الإيرانية في “فيرا 2025”
شارك الوفد الإيراني للروبوتات في مسابقات «فيرا 2025» بمدينة دايغو الكورية الجنوبية بـ 21 فريقا ضمّ 83 طالبا وطالبة من مختلف المراحل الدراسية والجامعية، وذلك بدعم من معاونتَي العلوم والتكنولوجيا في رئاسة الجمهورية، وقد خاضت الفرق الإيرانية منافسات متنوعة شملت الروبوتات الطائرة، السيارات ذاتية القيادة، الروبوتات الرياضية، إضافة إلى دوري الابتكار والأعمال، لتنجح في حصد 11 مركزا متقدما، مؤكدة تفوقها العلمي والتقني.
- فريق “نكرش رستاجو” أحرز المركز الأول في دوري الطلاب للروبوتات الطائرة السريعة عبر تصميم طائرة مسيّرة خفيفة وسريعة اعتمدت على خوارزميات محلية للتحكم بالطيران. الطائرة، التي صُنعت في ورشة صغيرة بطهران، أثارت الإعجاب بفضل خفتها ودقتها وتفوقت على جميع المنافسين.
- فريق “سلام ديباجي” تحت 19 عاما توج ببطولة دوري الروبوتات الرياضية عبر روبوتات كروية قادرة على تحديد موقع الكرة والتحرك بانسجام داخل الملعب، مستخدمين برمجة معقدة وتصميما مبتكرا تحدى المعايير العالمية.
- فريق “هیدِس” لفئة الكبار نال المركز الأول في دوري السيارات ذاتية القيادة بعد أن نجح نموذجه المطور في اجتياز مسارات حضرية معقدة بكفاءة عالية، مستعرضا خوارزميات متقدمة في الملاحة وإدارة المرور أثارت إعجاب لجنة التحكيم.
- في دوري الابتكار والأعمال، أحرزت الفرق الإيرانية في كلتا الفئتين العمريتين (الكبار وتحت 14 عاما) المركز الأول، مؤكدة قدرتها على الدمج بين الابتكار التقني وقابلية التسويق التجاري.
- كما حقق إنجازا لافتا الروبوت الذكي لجمع النفط المتسرب، الذي طُوِّر بدعم من شركة بتروكيميا نوري ومعهد روبوتيك “ویرا افرند سیراف” بوشهر، حيث حصد المركز الأول في قسم الاختراعات والتجاريّة.
بهذا الرصيد من النجاحات، أثبتت إيران أن حضورها في «فيرا» لا يقتصر على المنافسة فقط، بل يمتد ليعكس إبداعا علميا قادرا على مواجهة التحديات التقنية وتحويل الأفكار إلى تطبيقات عملية ذات قيمة اقتصادية.

ما وراء الميداليات: رسالة «فيرا 2025» لإيران
إلى جانب ألقاب البطولة، حققت الفرق الإيرانية عدة مراكز ثانية وثالثة في دوريات السيارات ذاتية القيادة، والابتكار، والأقسام الطلابية، لتعود في المجمل إلى بلادها بـ 11 ميدالية ملوّنة.
غير أن هذا النجاح لم يكن سهلا؛ فقد واجهت الفرق الإيرانية عقبات جدّية، أبرزها القيود التي فرضتها العقوبات الدولية، والتي حدّت من إمكانية الحصول على قطع متطورة مثل المجسّات والمعالجات عالية القدرة. ورغم ذلك، واصلت الفرق العمل في ورش صغيرة بالمدارس أو مختبرات الجامعات، وبميزانيات محدودة للغاية.
لكن هذه التحديات لم تتحول إلى يأس، بل أطلقت موجة ابتكار محلي. على سبيل المثال، صنع فريق نكرش رستاجو طائرته المسيّرة باستخدام مواد متوافرة في السوق الداخلي، فيما طُوّرت خوارزميات التحكم بالطيران كاملة بأيدي الطلاب، لتجعل الطائرة واحدة من أسرع وأكثر الروبوتات دقة في المنافسة. يقول أحد أعضاء الفريق:
“لم يكن بإمكاننا شراء محركات باهظة الثمن، فقمنا بتحسين محركات أبسط وأخف، وضبطنا البرمجيات بحيث تعوض النقص في المكونات الصلبة”.
روح الابتكار ذاتها برزت أيضا لدى فريق هیدِس، بطل دوري السيارات ذاتية القيادة للكبار، حيث اعتمد على خوارزميات محلية للملاحة مكّنته من التعرف إلى العقبات المعقدة واختيار المسارات المثلى. ويؤكد أحد أعضاء الفريق أنهم قضوا أشهرا في عمليات المحاكاة الحاسوبية لضمان كفاءة الروبوتات في الظروف الواقعية:
“كان الأمر أشبه بحل لغز ضخم”.
العلم كجسر للدبلوماسية
بعيدا عن الميداليات، حملت مشاركة إيران في «فيرا 2025» رسالة أعمق. ففي عالم غالبا ما تُصوَّر فيه إيران في الإعلام الغربي من زاوية سياسية وأمنية، شكّلت هذه الإنجازات العلمية فرصة لإظهار وجه آخر للبلاد.
وترى فرناز عزيزي، الباحثة في «الدبلوماسية العلمية»، أن هذه النجاحات جزء من القوة الناعمة العلمية لإيران، وتقول:
“عندما يتنافس الشباب الإيراني إلى جانب نظرائهم من كوريا الجنوبية أو اليابان أو ألمانيا، ينشأ حوار يتجاوز السياسة. هذه الإنجازات تثبت أن إيران قادرة على أن تكون شريكا موثوقا في مسيرة التقدم العلمي العالمي”.

الابتكار وريادة الأعمال: بُعد جديد للإنجاز الإيراني
شكّلت مشاركة إيران في دوري الابتكار والأعمال – الذي حصدت فيه لقبين عالميين – نموذجا بارزا على قدراتها المتنامية، فهذا الدوري لا يكتفي بمطالبة الفرق بتقديم منتج تقني مبتكر، بل يفرض عليها أيضا إعداد خطة عمل واضحة وتحديد السوق المستهدف. وقد عكست نجاحات الفرق الإيرانية في هذا القسم تنامي ثقافة ريادة الأعمال بين جيل الشباب، إذ لم يقتصر دورهم على بناء روبوتات، بل قدّموا نماذج أعمال قادرة على جذب المستثمرين، وهو ما يعد خطوة كبيرة نحو ترسيخ اقتصاد المعرفة في إيران.
ومن الأمثلة اللافتة، الروبوت الذكي لجمع النفط الذي صُمم بدعم من شركة بتروكيميا نوري، والذي فاز بالمركز الأول في قسم الاختراعات والتجاريّة، وقد أظهر هذا الروبوت، الموجه أساسا للاستخدامات الصناعية، أن التكنولوجيا الإيرانية تمتلك القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
من أبرز ما ميّز بعثة إيران هو الحضور المشترك للطلاب والتلاميذ، بما يرسخ تكوين سلسلة متكاملة من المواهب العلمية داخل البلاد. تقول نرجس، وهي طالبة وعضو في فريق نكرش رستاجو:
“المنافسة إلى جانب طلاب الجامعات كانت صعبة لكنها مثيرة. رأيت كيف يحلون المشكلات، وهذا منحني الحافز لأن أصبح مهندسة روبوتات في المستقبل”.
ويرى مدربها أن هذا التفاعل بين الأجيال يمثل استثمارا في المستقبل:
“حين يشاهد طالب في المرحلة الثانوية كيف يكتب زميل له في الثانية والعشرين خوارزمية معقدة، ترتفع معاييره تلقائيا. هذه الخبرات هي التي تصوغ مستقبل إيران العلمي”.
هذا الترابط بين الأجيال يظهر أيضا في مسابقة “فيرا كاب” الحرة في إيران، وهو حدث وطني يقام سنويا بمشاركة مئات الفرق، ليكون منصة لاكتشاف المواهب وإعدادها لخوض المنافسات العالمية. ويؤكد سروش صادق نجاد، رئيس اللجنة الوطنية للروبوتات ونائب رئيس الاتحاد العالمي لفيرا:
“فيرا كاب الحر لا يرسخ فقط ثقافة المنافسة الداخلية، بل يساعد الفرق أيضا على التعرف إلى المعايير العالمية والاستعداد لها”.
التحديات والطريق إلى المستقبل
رغم النجاحات الكبيرة، فإن مسار الروبوتات في إيران لا يخلو من التحديات. فالوصول المحدود إلى المعدات المتقدمة يبقى أحد أبرز العوائق؛ إذ إن المجسّات والمعالجات المطلوبة لبناء الروبوتات المتطورة نادرة أو باهظة الثمن داخل البلاد، كما أن ميزانيات الفرق غالبا ما تكون محدودة وتعتمد على دعم متقطع، يقول أحد مديري الفرق:
“نحن نعمل أحيانا بميزانية لا تتجاوز عُشر ما يتوافر لدى الفرق الأخرى. كل انتصار نحققه هو ثمرة إبداع وإصرار الأفراد أنفسهم”.
تحدٍ آخر يتمثل في الفجوة بين الإنجازات التنافسية والتطبيقات الصناعية، فالروبوتات الكروية والطائرات المسيّرة فائقة السرعة التي أبهرت الحاضرين في دايغو، تمتلك إمكانات هائلة للتحول إلى منتجات تجارية، لكن ضعف الروابط بين الجامعات والصناعة يبطئ هذه العملية، ولذا، تحتاج إيران إلى بناء نظام متكامل (إيكوسيستم) قادر على تحويل الأفكار إلى مصانع وأسواق؛ وإلا فإن الإنجازات ستظل محصورة في إطار مشاريع أكاديمية.
وعندما ارتفع العلم الإيراني في حفل ختام «فيرا 2025» إلى جانب أعلام كوريا الجنوبية والصين وألمانيا، كان ذلك رسالة واضحة إلى العالم: رغم القيود، تستطيع إيران أن يكون لها موقع في مجال التكنولوجيا المتقدمة. بالنسبة للطلاب والتلاميذ الذين خاضوا غمار المنافسة، لم تكن المشاركة مجرد بطولة، بل كانت فرصة للتعلم من أفضل العقول عالميا، وبناء جسور مع الأقران الدوليين، وإثبات أن الموهبة الإيرانية قادرة على التألق في الساحة العالمية.
لقد أثبتت «فيرا 2025» أن إيران تسير في الاتجاه الصحيح، لكنها تحتاج إلى مزيد من الاستثمار في التعليم، والبنية التحتية، والربط بين البحث العلمي والصناعة للحفاظ على موقعها، فإذا توفرت هذه الدعائم، فإن تلاميذ اليوم يمكن أن يصبحوا مؤسسي شركات التكنولوجيا في الغد.
إن نجاح إيران في «فيرا 2025»، بحصادها 11 ميدالية، هو إشارة إلى الطاقات العلمية والبشرية الهائلة التي تمتلكها البلاد، لكنه قبل أن يكون أرقاما ومراكز، يروي قصة صمود وإبداع وطموح، قصة يمكن أن تلهم الجيل الجديد من المبتكرين الإيرانيين، وترفع مكانة بلادهم على خريطة التكنولوجيا العالمية.

