“بيت خامنئي” ورحيل الرّهبر

بقلم رئيس التحرير/ محمود شعبان

استطاعت إيران أن تمتص آثار الحرب الإسرائيلية التي اندلعت ضدها في يونيو/حزيران الماضي، على الرغم من شدتها وما رافقها من صدمات مدوية أصابت بنية الدولة الأمنية والعسكرية في الصميم. فقد كان الأسبوعان اللذان شهدا المواجهة من أكثر الفصول دموية في تاريخ الصراع غير المعلن بين تل أبيب وطهران، إذ نجحت إسرائيل في توجيه سلسلة ضربات دقيقة أودت بحياة عدد كبير من القادة العسكريين الإيرانيين، وعلى رأسهم شخصيات نافذة في الحرس الثوري، إلى جانب نخبة من علماء المشروع النووي الذين كانوا يشكّلون العمود الفقري للبرنامج النووي الإيراني.

غير أن الهدف الأسمى لإسرائيل لم يكن مجرد إضعاف القدرات الإيرانية أو إحداث فوضى في مؤسساتها الدفاعية، بل كان اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي نفسه، في عملية كانت ستشكّل- لو نجحت- نقطة تحول تاريخية في مسار النظام الإيراني وربما في معادلة الشرق الأوسط برمته. على مدار اثني عشر يومًا من الحرب الضروس، وضعت الاستخبارات الإسرائيلية خامنئي على رأس بنك أهدافها، وحاولت رصد تحركاته عبر الأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، وعمليات الاختراق الإلكتروني لشبكات الاتصالات الإيرانية.

لكن على الرغم من كثافة الهجمات الجوية التي استهدفت مواقع قيادية في طهران وقم وأصفهان، لم تتمكن إسرائيل من الوصول إلى “الرهبر”. وفي اليوم الأول للحرب، حين استُهدفت مقرات الحرس الثوري وقتل عدد من كبار قادته إلى جانب شخصيات بارزة في الجيش، عاشت طهران حالة من الذهول غير المسبوق، إذ بدا وكأن رأس النظام بات على وشك السقوط. عندها تحركت أجهزة الاستخبارات الإيرانية والحرس الثوري بسرعة، واتخذت قرارا استراتيجيا بإخفاء خامنئي في ملجأ عسكري محصن تحت الأرض، بُني خصيصًا لمثل هذه السيناريوهات، وفي موقع لا يعرفه سوى قلة قليلة من المقربين من الدائرة الأمنية الأضيق حول المرشد.

وقد صُوِّر نقل خامنئي إلى هذا الملجأ كعملية استخباراتية بالغة السرية، إذ جرى التمويه عبر تحركات روتينية في موكبه الرسمي، بينما كان يُنقل في الوقت نفسه عبر ممرات محمية ومركبات لا تحمل أي إشارات رسمية. وأُخضع المكان الجديد لتأمين متعدد المستويات: حراسة بشرية من وحدات خاصة للحرس الثوري، أنظمة مراقبة إلكترونية متطورة، وإجراءات مشددة لعزل أي احتمال لاختراق خارجي.

إسرائيل من جانبها اعتبرت أن فشلها في الوصول إلى خامنئي، رغم نجاحها في تصفية الصف الأول من قادة المشروع النووي والعسكري، يُعد نكسة استخباراتية وسياسية، إذ كانت تراهن على أن اغتياله سيُحدث انهيارًا داخليًا للنظام الإيراني أو على الأقل شلّ قدرته على الرد. أما في طهران، فرغم الخسائر الثقيلة والصدمة العميقة، فقد رُوّج إعلاميًا لنجاة خامنئي باعتبارها “نصرًا إلهيًا” وصمودًا أمام أعتى آلة عسكرية في المنطقة، ما ساعد النظام على ترميم معنويات قاعدته الشعبية والعسكرية.

إلى جانب البعد العسكري، حملت محاولة اغتيال خامنئي دلالات سياسية أوسع؛ إذ كشفت أن إسرائيل باتت ترى في شخص المرشد مركز الثقل الذي يختصر كل أركان القوة الإيرانية: من المشروع النووي إلى شبكة النفوذ الإقليمي في العراق وسوريا ولبنان واليمن. في المقابل، رسّخت الأحداث في أذهان القيادة الإيرانية قناعة بأن المواجهة مع إسرائيل لم تعد تدور في ساحات الوكلاء فقط، بل أصبحت مواجهة مباشرة تستهدف بقاء النظام ذاته.

ومع “فشل” أمريكا في “تدمير” البنية الهيكلية للمشروع النووي الإيراني، عاد النقاش لدى صانع القرار الإيراني مرة أخرى حول الترتيب لجولة جديدة من الحرب الإسرائيلية على إيران، وقد تزامن ذلك مع تهديدات إسرائيلية بخصوص معاودة استهداف إيران، في المقابل عملت إيران في الأسابيع الماضية على ترميم ما طالها من آثار الحرب الإسرائيلية، وقامت بتغيير كافة القيادات التي اغتيلت، وجهزت بدائل متعددة لكل قيادي في منصب حساس سواء في الجيش أو الحرس الثوري استعدادًا لجولة “حاسمة” من الحرب مع إسرائيل مرة أخرى.

تهمس أصوات قريبة من “بيت خامنئي”، إن إسرائيل تعمل بقوة في الفترة الحالية على معرفة مكان استقرار خامنئي حاليًا، حيث يقضي يومه بعيدًا عن أعين الموساد الإسرائيلي، وتتوقع هذه الأصوات التي تتحدث بصوت منخفض، وإن علا بعضها في الساعات القليلة الماضية، إن إسرائيل لن تبدأ الحرب على إيران إلا بافتتاحية اغتيال خامنئي.

وترى هذه الأصوات اللصيقة بـ”بيت خامنئي” أنه حتى “رهبر” إيران نفسه يتوقع اغتياله، ويرى أن “الشهادة” على يد الكيان، يجب أن تكون ختام مسار حياته السياسية والعسكرية التي عاشها، ورغم أن النقاش ربما ينطوي على نبرة “عاطفية”، فإنه في الحقيقة، الجانب الإيراني بات يتعامل مع فقد قياداته على أنه أمر اعتيادي. إذ يرى أن الصراع مع إسرائيل صراع عقائدي صفري، ومن ثم فقتل أو اغتيال القادة الإيرانيين أمر مسلّم به “لا يقلق أو يفزع” الإيرانيين، هكذا يقولون.

لكن وللحقيقة، فإن اغتيال خامنئي سوف يتسبب في “ربكة” كبيرة لصانع القرار ودوائر الحكم في إيران، فالرجل له تاريخ كبير ويجلس على كرسي الإرشاد في إيران منذ عقود، ومن ثم فوجود بديل له يتمتع بنفس صفاته أو مقومات شخصيته، هو ما يناقشه الإيرانيون الآن على موائد النقاش، سواء في المراكز البحثية أو الصحف أو حتى في مقاهي شمال طهران أو في الجامعات أو حتى بين صفوف التيار العلماني في إيران.

وللحقيقة أيضا، فبعد اغتيال حسن نصر الله، زعيم حزب الله والذي بكى عليه خامنئي، بحثت دوائر الحكم في إيران، ومن ضمنها مجلس خبراء القيادة، البديل المرتقب الذي يُرجّح أن يتولى منصب المرشد في إيران في حال قُتل خامنئي على يد إسرائيل أو حتى في حال وفاته العادية. وسبق أن انبثقت لجنة من مجلس خبراء القيادة لـ”فلترة” كل الأسماء التي يُرجّح طرحها للتصويت في مجلس خبراء القيادة لكي يتم اختيار أحدها كبديل لخامنئي بعد رحيله، وقد توقفت اللجنة عند 10 شخصيات يتم الاختيار منها، لكن اللجنة عاودت وقامت بـ”فلترة” العشرة أسماء ليستقر الأمر على ثلاثة فقط.

ومما يُشار إليه، وفق ما يحكيه مصدر إيراني مقرّب من “بيت خامنئي”، أن أحد هؤلاء الثلاثة قد تم النقاش حوله بعد اغتيال نصر الله، مع ترسخ القناعة لدى خامنئي ومن حوله أن إسرائيل سوف تغتاله في وقت قريب إذا ما استطاعت الوصول إليه، وأن هذه الشخصية يُرجّح أن تتولى المنصب بعد رحيل خامنئي، وبعد أن يتم التصويت عليها في مجلس خبراء القيادة.

الهمس في دوائر الحكم الإيراني حول رحيل خامنئي، لم يستمر طويلًا، حتى خرج إلى الإعلام وفي العلن، حتى من أقرب الدوائر المقربة من خامنئي، فهذا حمزة صفوي، نجل يحيى رحيم صفوي (المستشار العسكري الأعلى والمساعد العسكري للمرشد الإيراني)، يطالب في تصريحات متلفزة في الإعلام الإيراني، وفي خطاب لكل الشعب الإيراني، بضرورة الاستعداد لاحتمال اغتيال المرشد الأعلى من قبل إسرائيل، مؤكدًا أن سيناريو مقتل خامنئي أمر محتمل.

حيث كرر حمزة صفوي مرارًا الحديث عن إمكانية اغتيال خامنئي وقدرة إسرائيل على تنفيذ ذلك، واصفًا هذه الخطط المحتملة بـ”سيناريوهات تخريبية واستنزافية”. وأضاف أن إيران يجب أن تستعد لها حتى لو نُفّذت من جانب إسرائيل دون موافقة أمريكية.

بقيت الإشارة إلى أنه توجد قناعة كبيرة لدى الإيرانيين بأن من سيخلف خامنئي لن يكون مثله ولن يستطيع أن يكون مثله، خاصة في ظرف تاريخي تمر به إيران، سواء على مستوى السياسة الداخلية، حيث التراجع الاقتصادي الكبير وبدء بروز جيل جديد داخل إيران “لا يريد استمرار الحكم الديني”، أو على مستوى الخارج، في ظل تراجع نفوذ إيران بعد خسارتها الكبيرة في سوريا برحيل نظام بشار الأسد، وكذلك ما طال حزب الله من أضرار ضخمة.