- زاد إيران - المحرر
- 47 Views
كتب: الترجمان
تثير الأزمات الكبرى دائما تساؤلات حتمية حول دور المؤسسات الإعلامية الوطنية في حماية الأمن القومي وتشكيل الوعي العام، خاصة في بلد يمتلك بنية إعلامية ضخمة مثل إيران. وفي ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة والقرع المستمر لطبول الحرب، يبرز جدل متجدد في الداخل الإيراني حول مدى كفاءة “هيئة الإذاعة والتلفزيون” (صدا وسيما) في القيام بدورها التقليدي والسيادي كحائط صد أمام الهجمات الإعلامية الخارجية.
فبينما تتسابق القنوات الناطقة بالفارسية والعابرة للحدود على استقطاب المشاهد الإيراني عبر استراتيجيات “تزييف الحقائق” أو “التوجيه النفسي”، يبدو أن الشاشات المحلية تواجه معضلة وجودية مزدوجة تتمثل في انحسار الثقة الشعبية وتراجع الجاذبية البصرية والتحليلية.
تجاوزت الانتقادات الموجهة للإعلام الرسمي، حدود الأداء لتطال فلسفته الاستراتيجية؛ حيث يرى النقاد أن نمطية الخطاب المحلي أحدثت فراغاً سمح للأجندات الخارجية باختراق الساحة، مما يهدد تماسك الجبهة الداخلية في توقيتٍ مفصلي من تاريخ إيران المعاصر.”
زید آبادی وقالیباف: نداء السيادة الإعلامية في زمن الصدام
خرج الناشط السياسي الإصلاحي البارز، أحمد زید آبادی، بموقف حاد ومباشر وجهه إلى محمد باقر قالیباف، بصفته أحد أعمدة نظام الحكم ورئيس البرلمان الذي يُنظر إليه حاليا كـ”رجل المرحلة” في ظل الظروف العسكرية الراهنة. تساؤل زید آبادی لم يكن مجرد عتاب عابر، بل كان تشريحا لواقع مرير؛ حيث اعتبر أن الدولة الإيرانية، عبر مؤسساتها الإعلامية، ترتكب خطأً استراتيجياً فادحاً بتسليم “مفاتيح العقول” في المجتمع الإيراني لشبكات إخبارية تعمل كأدوات دعائية لأطراف معادية، وعلى رأسها “باند نتنياهو” وحلفاؤه.
يرى زید آبادی أن هذه القنوات الخارجية تغلغلت في بيوت الإيرانيين من مختلف المشارب السياسية، ليس لأن الشعب يميل للخيانة، بل لأن “الشاشات الملونة” للإذاعة والتلفزيون الإيراني فشلت في إثارة أي رغبة في المشاهدة أو الاستماع. هذا الاستلاب الإعلامي يراه زید آبادی “فاجعة” وطنية لا يدرك أبعادها المسؤولون الذين يبدو أنهم “لا يشعرون بأي قلق” حيال هذا الفقدان للسيادة على الفضاء العام.
إن النقد هنا ينطلق من فرضية أن القوة الصلبة التي يمثلها قالیباف والتيار الأصولي تفتقر إلى “قوة ناعمة” توازيها، مما يجعل الدولة تستهلك موارد هائلة في محاولات بائسة لتكذيب الأخبار الخارجية بعد انتشارها، بدلاً من أن تكون هي المصدر الموثوق الأول.
ويؤكد زید آبادی بلهجة مشوبة بالمرارة أن إنشاء شبكة واحدة، تتسم بالاستقلال المهني والحد الأدنى من التعددية، كفيل بأن ينسف كل جهود التضليل الخارجي بـ”سهولة تامة”، لكن الإصرار على إيذاء الذات عبر التضييق الإعلامي هو ما يحول بين الدولة وبين حماية مجتمعها فكريا.

عزلة “النخبة الوطنية” وضجيج “الهواة”
في سياق التحليل البنيوي للأزمة، قدم حسام الدين آشنا، المستشار السابق للرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، تشخيصا دقيقا لما أسماه “الغرابة” في فضاء الإعلام الإيراني.
يشير آشنا إلى ظاهرة خطيرة تتمثل في “الإقصاء المتبادل”؛ حيث يجد المفكرون والخبراء الذين تمتلك كلماتهم وزنا وطنيا واستراتيجيا أنفسهم معزولين داخل “غرف مغلقة” في تطبيقات مثل تلجرام، يتحدثون إلى أنفسهم أو إلى جمهور محدود جدا من النخب المماثلة، وذلك بسبب إغلاق أبواب الإعلام الرسمي في وجوههم.
وفي المقابل، تفتح الشاشات الوطنية أبوابها وبرامجها “الذهبية” لأفراد يصفهم آشنا بأنهم لا يملكون أي ثقل علمي أو شعبي، لدرجة أنهم لو كتبوا في منصاتهم الخاصة (مثل تطبيق إيتا المحلي) لما وجدوا من يتابعهم. هذا الخلل في “اختيار المتحدثين” لا يؤدي فقط إلى ضعف المحتوى، بل إلى فقدان الثقة في المؤسسة ككل؛ فالمشاهد حين يرى الثرثرة في القنوات الرسمية من قِبل أشخاص غير مؤهلين، يتولد لديه انطباع بأن الدولة تفتقر إلى العقول، وهو انطباع خاطئ يعززه سوء الإدارة الإعلامية.
يرى آشنا أن هذه السياسة تخلق فراغا يتم ملؤه تلقائيا بصوت “الآخر” العابر للحدود، مما يجعل السياسة الإعلامية الوطنية تعمل “ضد نفسها” عبر تهميش الكفاءات التي يمكنها صياغة خطاب وطني مقنع وجاذب يتجاوز الشعارات التقليدية.

التوظيف السياسي وتصفية الحسابات مع “النخبة الثقافية”
لم تكتف المؤسسة الإعلامية بالانغلاق الفكري، بل امتدت ممارساتها لتشمل معارك جانبية مع “المشاهير” والشخصيات الثقافية، وهو ما تجلى في طريقة تعامل التلفزيون الرسمي مع مواقف الفنانين، مثل حالة الفنان أشکان خطیبي.
فبدلا من أن يكون الإعلام ساحة لاستيعاب القوى الناعمة للدولة، تحول إلى أداة لـ”رصد التناقضات” وتصفية الحسابات السياسية عبر عرض مقاطع تقارن بين مواقف الفنانين السابقة والحالية، ومحاولة إظهارهم بمظهر المتقلبين أو الانتهازيين.
هذا النوع من “الصحافة الهجومية” داخل المؤسسة الرسمية يبرز تحولا في العقيدة الإعلامية من “الاحتواء” إلى “الصدام”. إن التركيز على إحراج الشخصيات العامة التي كانت يوما ما جزءا من النسيج الثقافي الرسمي يعكس حالة من القلق العميق داخل أروقة المؤسسة من فقدان السيطرة على “الرموز”.
ومع ذلك، يرى المحللون أن هذا النهج يزيد من حدة “الاستقطاب المجتمعي”، حيث يشعر الجمهور الذي يحب هؤلاء الفنانين بأن التلفزيون الرسمي لم يعد “وطنيا” بل أصبح “فئويا”، مما يدفعهم أكثر نحو منصات التواصل الاجتماعي والقنوات الخارجية بحثاً عن صوت يمثلهم أو يحترم رموزهم الثقافية، بعيداً عن لغة “التخوين” أو “السخرية” التي قد تظهر في بعض البرامج.
صقور البرلمان والرسائل العسكرية: الشاشة كمنصة ردع
في ذروة الحديث عن الأزمات الهيكلية، تبرز وظيفة أخرى للشاشة المحلية كأداة “ردع سياسي وعسكري”، وهي الوظيفة التي يفضلها التيار الأصولي. برز ذلك بوضوح في حضور علي خضریان، عضو لجنة الأمن القومي البرلمانية، الذي استخدم الهواء المباشر لإطلاق تحذيرات شديدة اللهجة تتجاوز الحدود الجغرافية.
هذا التوظيف للإعلام كـ”منصة صواريخ كلامية” يهدف إلى طمأنة القاعدة الشعبية المؤيدة للنظام وإظهار القوة أمام الخصوم. ولكن، من منظور إعلامي ناقد، فإن هيمنة هذا الخطاب التعبوي “الأحادي” على فترات طويلة من البث يحول التلفزيون من “وسيلة إعلامية” إلى “نشرة عسكرية”، وهو ما قد يفسر عزوف الفئات الشابة أو الباحثة عن تحليل عميق ومتزن.
إن المشكلة لا تكمن في وجود خطاب الردع، فهو حق سيادي، بل في تحوله إلى “المادة الوحيدة” المتاحة، مما يفرغ الشاشة من دورها التعليمي والترفيهي والإخباري المتعدد الأبعاد، ويترك الجبهة “الفكرية” مكشوفة تماماً لأن المواطن لا يعيش بالخبز والردع وحدهما، بل يحتاج إلى إجابات عن تساؤلاته اليومية والمستقبلية.

صراع “الشهرة” والمزايدة على الوطنية
تجلت أزمة الثقة بوضوح في الهجوم العنيف الذي شنه المذيع محمد حسين ميثاقي على المشاهير الذين اتخذوا مواقف متأخرة حيال الصراعات الإقليمية. ميثاقي، الذي يمثل جيلا جديدا من المذيعين المتبنين للخط المتشدد داخل المؤسسة، استخدم لغة وصفها النقاد بـ”الإقصائية”، حيث اتهم الفنانين والرياضيين بأنهم “سكان غار” خرجوا بعد 40 يوما لركوب الموجة.
هذا الخطاب لا يهاجم المواقف فحسب، بل يهاجم “الأشخاص” ويحاول نزع صفة النجومية عنهم، مدعيا أن عصرهم قد انتهى وأن الشعب قد تجاوزهم. إن خطورة هذا المنطق تكمن في أنه يفترض أن “الوطنية” هي قالب جاهز يجب على الجميع القفز فيه في لحظة محددة يحددها المذيع أو المؤسسة، وإلا أصبح الشخص “خائناً” أو “أسود النية”.
هذا الطرح على الهواء مباشرة يعكس أزمة عميقة في فهم دور الإعلام؛ فبدلا من أن يسعى الإعلام الرسمي لجذب هؤلاء المشاهير واستثمار نفوذهم لخدمة القضايا الوطنية، فإنه يدفعهم دفعا نحو المعارضة أو الصمت السلبي. إن وصف النخب الثقافية بـ “تصوير الواقع بالأسود” هو سلاح ذو حدين؛ فهو قد يرضي الجمهور المتشدد، لكنه يبني جدارا عازلا بين المؤسسة وبين ملايين الشباب الذين يتابعون هؤلاء المشاهير، مما يعزز من نبوءة زید آبادی حول “الفاجعة الإعلامية”.

نحو ميثاق إعلامي جديد لاستعادة السيادة
استقراء مجمل هذه التطورات والمواقف المتباينة يشير إلى أن الإعلام الرسمي الإيراني يواجه “أزمة شرعية وتأثير” هي الأقسى منذ عقود. إن انتقادات شخصيات مثل زید آبادی وآشنا، وهجوم ميثاقي، ورسائل خضریان، ليست إلا أعراضا لمرض واحد: “غياب استراتيجية إعلامية وطنية شاملة” تتسم بالمرونة والاحترافية.
الخطر الحقيقي الذي يواجه إيران اليوم ليس في صواريخ الخصوم فحسب، بل في “الفراغ الذهني” الذي تتركه المؤسسات المحلية ليمتلئ بدعاية الخارج. والحل لا يكمن في مزيد من الانغلاق أو المزايدة على الوطنية، بل في التحول الجذري نحو “إعلام الخدمة العامة” الذي يعترف بالتعددية السياسية والاجتماعية داخل البلاد.
إن استعادة المشاهد الإيراني تتطلب شجاعة سياسية لفتح الاستوديوهات أمام المعارضين المسالمين والنقاد والمفكرين المستقلين، وإعادة الاعتبار للكفاءات التي همشها “الهواة”. وبدون ذلك، ستظل القنوات الخارجية هي “المصدر الأول” للخبر، وسيبقى الإعلام الرسمي يدور في حلقة مفرغة من “الوعظ الذاتي”، بينما يتشكل وعي الأجيال الجديدة في مطابخ إعلامية خارج الحدود.

