- زاد إيران - المحرر
- 45 Views
لازالت الجولة الأولى من المفاوضات الماضية تكشف عن كواليس جديدة، مع تتابع التسريبات والتصريحات التي تعيد رسم صورة أكثر تعقيدا لما جرى خلف الأبواب المغلقة. فكلما هدأت الضجة الإعلامية، ظهرت تفاصيل إضافية تعكس حجم التباينات، وتكشف عن طبيعة الأجواء التي أحاطت بالمحادثات، سواء من حيث مستوى التوتر أو تداخل الحسابات السياسية. وبين الروايات المتباينة والتحليلات المتضاربة، يتضح أن ما جرى لم يكن مجرد جولة تفاوض عادية، بل محطة مفصلية ضمن مسار أطول من التفاعلات السياسية والدبلوماسية التي لا تزال تداعياتها تتكشف حتى الآن.
كواليس مفاوضات إسلام آباد.. جولة متعثرة بين التصعيد والتكتيك السياسي
شهدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد واحدة من أكثر جولات التفاوض تعقيدا بين إيران والولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة، حيث لم تقتصر الخلافات على الملف النووي فحسب، بل امتدت إلى قضايا أمنية وإقليمية وسياسية، ما جعل هذه الجولة تنتهي دون اتفاق، وسط مؤشرات متباينة بين الفشل الظاهري واستمرار المسار التفاوضي بشكل غير مباشر. وتكشف المعطيات المتداولة من مصادر إعلامية وتصريحات رسمية وشبه رسمية عن صورة مركبة لمفاوضات اتسمت بارتفاع مستوى التوتر، وتعدد الملفات، وتداخل الحسابات الداخلية والخارجية.

فمنذ انطلاق المفاوضات، بدا واضحا أن الطرفين يدخلان إلى طاولة الحوار من موقع يعتبر نفسه فيه صاحب اليد العليا، حيث اعتبرت طهران أنها نجحت في تجاوز مرحلة الضغوط دون تقديم تنازلات جوهرية، مع الحفاظ على برنامجها النووي واستمرار نفوذها الإقليمي، فضلا عن إظهار قدرة على الصمود في مواجهة الضغوط الاقتصادية والسياسية. في المقابل، رأت واشنطن أنها استطاعت فرض معادلات جديدة عبر الضغوط السياسية والعسكرية، إلى جانب ما تعتبره نجاحا في استهداف بنى تحتية إيرانية، وهو ما منحها، من وجهة نظرها، موقعا تفاوضيا متقدما.
هذا التناقض في تصور ميزان القوى لم يكن مجرد اختلاف في الرؤية، بل انعكس بشكل مباشر على سلوك الطرفين خلال المفاوضات، حيث دخل كل منهما وهو يسعى لتكريس انتصاره بدلا من البحث عن تسوية وسط، ما جعل فرص التوافق أكثر صعوبة منذ البداية.
ملف التخصيب في قلب الأزمة
رغم تعدد القضايا المطروحة، ظل ملف تخصيب اليورانيوم النقطة الأكثر حساسية وتعقيدا في المفاوضات، فقد كشفت تقارير إعلامية، من بينها تقرير لموقع أكسيوس، أن الولايات المتحدة قدمت مقترحا يقضي بوقف تخصيب اليورانيوم لمدة تصل إلى عشرين عاما، إلى جانب فرض قيود إضافية، من بينها إخراج مخزون اليورانيوم عالي التخصيب من إيران.

هذا الطرح قوبل برفض واضح من الجانب الإيراني، الذي اعتبر أن التخصيب يمثل مسألة سيادية وقضية حيثية لا يمكن التنازل عنها بسهولة، خاصة في ظل التجارب السابقة التي شهدت تعثر الاتفاقات وعدم الالتزام بها. في المقابل، قدمت طهران مقترحا بديلا يقوم على تعليق التخصيب لفترة أقصر، ضمن نطاق أحادي الرقم من السنوات، مع إمكانية معالجة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب عبر عمليات تخفيف تحت إشراف دولي، بدلا من إخراجه من البلاد.
هذا الخلاف لم يكن تقنيا بحتا، بل حمل أبعادا سياسية ورمزية عميقة، إذ ترى إيران أن القبول بتجميد طويل الأمد قد يفسر داخليا على أنه تراجع عن حقوقها، في حين ترى واشنطن أن أي اتفاق لا يتضمن قيودا صارمة وطويلة الأمد لن يكون كافيا لضمان أهدافها الاستراتيجية.
تشابك الأجندة وتوسع الملفات
إلى جانب الملف النووي، شهدت المفاوضات توسعا في جدول الأعمال ليشمل قضايا إقليمية حساسة، كان أبرزها الملف اللبناني. فقد سعت إيران إلى إدراج هذا الملف ضمن إطار التفاوض، مطالبة بوقف إطلاق النار، بينما حاولت الولايات المتحدة، تحت ضغط حلفائها، إبقاء هذا الملف خارج المفاوضات الأساسية.
هذا التباين في الأولويات أضاف طبقة جديدة من التعقيد، إذ لم تعد المفاوضات تدور حول ملف واحد يمكن التوصل إلى حلول تقنية بشأنه، بل تحولت إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية أوسع، ما جعل أي اتفاق محتمل أكثر تعقيدا وصعوبة.
كما برزت قضايا أخرى مثل آليات رفع العقوبات، وضمانات عدم التعرض، وهي ملفات ترتبط بشكل مباشر بمستوى الثقة بين الطرفين، وهو عامل ظل ضعيفا طوال مسار المفاوضات.
توتر داخل قاعات التفاوض وانفجار الخلافات
لم تكن أجواء المفاوضات هادئة، بل شهدت لحظات توتر واضحة، خصوصا عند مناقشة مسألة الضمانات. فقد أفادت تقارير، من بينها ما نقلته وكالة رويترز، أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، المعروف عادة بهدوئه، أبدى غضبا خلال النقاشات، ورفع من حدة لهجته تجاه الجانب الأمريكي.

وبحسب ما نقلته مصادر مطلعة، تساءل عراقجي بشكل مباشر “كيف يمكننا أن نثق بكم، في حين أنكم في الاجتماع الأخير في جنيف قلتم إن الولايات المتحدة لن تهاجم طالما أن المسار الدبلوماسي مستمر؟”، في إشارة واضحة إلى فجوة الثقة العميقة بين الطرفين.
كما ساهمت التصريحات العلنية في تعقيد الأجواء، حيث أثار المؤتمر الصحفي لنائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس استياء شديدا لدى الوفد الإيراني، بعدما حمل طهران مسؤولية تعثر المفاوضات دون الإشارة إلى أي تقدم، وأعلن مغادرة الوفد الأمريكي من إسلام آباد، وهو ما اعتبر خطوة تصعيدية في توقيت حساس.

أبعاد أمنية خطيرة… تهديد استهداف طائرة الوفد
إلى جانب التعقيدات السياسية، برزت تطورات أمنية لافتة أضفت بعدا خطيرا على هذه الجولة من المفاوضات. فقد كشف محمد مرندي، عضو الفريق الإيراني المفاوض، عن تلقي معلومات تفيد بوجود تهديدات تستهدف طائرة الوفد الإيراني أثناء عودته من إسلام آباد.

وبحسب تصريحاته، فإن هذه المعلومات دفعت إلى تغيير مسار الطائرة بشكل عاجل، حيث هبطت في مدينة مشهد بدلا من مواصلة رحلتها إلى طهران، قبل أن يستكمل أعضاء الوفد طريقهم برا عبر القطار والسيارات.
وأشار مرندي إلى أن هذه التهديدات قد تكون مرتبطة بأجواء التحريض الإعلامي، معتبرا أن ما نشرته بعض وسائل الإعلام الغربية يحمل رسائل تتجاوز الإطار الإعلامي، وهو ما يعكس حجم التوتر المحيط بالمفاوضات.
هذه الحادثة، سواء تم تأكيد تفاصيلها أو لا، تعكس مستوى التصعيد الذي رافق هذه الجولة، وتؤكد أن المفاوضات لم تكن محصورة داخل غرف مغلقة، بل كانت محاطة بضغوط ومخاطر أمنية حقيقية.
ضغوط سياسية ومناورات ميدانية
بالتوازي مع المفاوضات، استمرت الضغوط السياسية والعسكرية كأدوات لتعزيز المواقف التفاوضية. فقد سعت الولايات المتحدة إلى زيادة الضغط على طهران عبر خطوات وتصريحات تهدف إلى تقوية أوراقها، في حين حاولت إيران بدورها التأكيد على قدرتها على الصمود وعدم الخضوع للضغوط.
كما لعبت التصريحات الإعلامية دورا مهما في تشكيل أجواء المفاوضات، حيث ساهمت بعض المقالات والتصريحات الغربية، التي تضمنت مواقف متشددة تجاه إيران، في زيادة حدة التوتر، وقوبلت بردود فعل غاضبة من الجانب الإيراني.
في الوقت ذاته، لم تغب الحسابات الداخلية عن المشهد، خصوصا في الولايات المتحدة، حيث يبدو أن تعقيدات الملف الإيراني، إلى جانب الحسابات المرتبطة بالانتخابات المقبلة، جعلت من الصعب على الإدارة الأمريكية تقديم تنازلات كبيرة أو استثمار رأس مال سياسي كبير في اتفاق غير مضمون.
دور الوسطاء ومحاولات إنقاذ المسار
رغم كل هذه التحديات، لم تتوقف الجهود الدبلوماسية لإنقاذ المفاوضات. فقد لعبت دول مثل باكستان ومصر وتركيا دورا مهما في محاولة تقريب وجهات النظر، حيث سعت إلى تقديم مقترحات تساعد على تجاوز نقاط الخلاف.

وأكد مسؤولون من هذه الدول أن المواقف الأولية غالبا ما تكون متشددة، وأن هناك دائما مجالا للتحرك نحو حلول وسط، خاصة إذا توفرت الإرادة السياسية لدى الطرفين.
كما برزت مؤشرات على استمرار قنوات الاتصال بين واشنطن وطهران، رغم فشل الجولة الحالية، حيث تحدث مسؤولون أمريكيون عن وجود تقدم نسبي، وإمكانية استئناف المفاوضات في وقت لاحق.
في هذا السياق، طرحت فكرة تمديد فترات التهدئة لإتاحة المجال أمام جولات جديدة من الحوار، في محاولة لمنع التصعيد والحفاظ على المسار الدبلوماسي.
فشل مرحلي أم تكتيك تفاوضي؟
في ضوء ما سبق، يبدو أن مفاوضات إسلام آباد قد وصلت إلى مرحلة فشل مؤقت، لكنها لم تصل إلى طريق مسدود بشكل كامل، فالتباينات العميقة في المواقف، وتعدد الملفات، وضعف الثقة، كلها عوامل تجعل من الصعب التوصل إلى اتفاق سريع.
ومع ذلك، فإن استمرار الاتصالات، ودور الوسطاء، وغياب إعلان قطيعة كاملة، كلها مؤشرات على أن هذا الفشل قد يكون جزءا من تكتيك تفاوضي أوسع، يهدف إلى تحسين شروط التفاوض في الجولات المقبلة.
وبين التصعيد والتهدئة، يبقى مستقبل هذه المفاوضات مفتوحا على عدة احتمالات، تتراوح بين العودة إلى طاولة الحوار بصيغة جديدة، أو الدخول في مرحلة أطول من الجمود، في انتظار تغيير المعطيات السياسية والإقليمية التي قد تفتح الباب أمام تسوية ممكنة.

