نووي إيران تحت الأرض.. موقع نووي غامض يثير قلق المجتمع الدولي

في قلب الجدل الدولي حول البرنامج النووي الإيراني، تبرز طموحات إيران المستمرة لتطوير قدراتها النووية رغم الضغوط والعقوبات الغربية والأمريكية، فمن منشآت تحت الأرض في جبال زاغروس إلى اتفاقيات تعاون مع روسيا لإنشاء محطات نووية جديدة، تؤكد طهران تمسكها بحقها في التخصيب وتطوير البرنامج النووي كرمز للسيادة الوطنية والمشروع القومي. في الوقت نفسه، تتصاعد المخاوف الدولية حول مدى عمق هذه المنشآت واستمرار الأعمال الإنشائية فيها، ما يجعل مستقبل الملف النووي الإيراني محور مراقبة دقيقة وحوار مستمر بين طهران والمجتمع الدولي.

لاريجاني: لم نترك أيا من المواقع النووية

فخلال مقابلة مع فريق فرانت لاين التابع لشبكة PBS الأمريكية، والذي سافر إلى إيران لإنتاج وثائقي عن الأهداف والشخصيات التي استهدفت في الحرب الأخيرة، في 22 سبتمبر/ أيلول 2025، صرح علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، حول مشكلة إيران مع دول الترويكا “في السادس من شهر سبتمبر/أيلول 2025، أرسلت الدول الأوروبية الثلاث العضو في الاتفاق النووي، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، رسالة إلى مجلس الأمن، زاعمة عدم التزام إيران بتعهداتها في الاتفاق وعدم تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومهدت لبدء تفعيل آلية الزناد وإعادة فرض قرارات مجلس الأمن ضد إيران، والتي كانت قد أُلغيت عام 2015 بموجب القرار 2231 والاتفاق النووي، حيث إذا تم تنفيذها، ستُعاد فرض عقوبات الأمم المتحدة تلقائيًا ضد إيران خلال أيام، ومن جهتنا، فقد تابعنا جميع الخيارات والآليات الممكنة لحل هذه الأزمة بطريقة سلمية، ولكن الغرب خلف بتعهداته مرة أخرى”.

Image

وخلال حديثه، حذر لاريجاني الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من أي عمل عسكري ضد إيران، مؤكدا أن إيران لن تستسلم أبدا.

 كما صرح لاريجاني بأنه ليس لديه معلومات دقيقة لتقديمها حول حجم الأضرار التي لحقت بالمواقع النووية الإيرانية نتيجة الهجمات الأمريكية الأخيرة أو مدى تأخير هذه الهجمات للبرنامج النووي، وأضاف: “من وجهة نظري، البرنامج النووي الإيراني لا يمكن تدميره أبدا، لأنه عندما تصل إلى معرفة معينة، لا يستطيع أحد أن يسلبك إياها، كأن تكون مخترعا لآلة ما ويتم سرقة الآلة منك، ما زلت قادرا على صنعها مرة أخرى”.

Image

وفيما يخص الشأن النووي، فقد عرضت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، خلال تقرير لها، تقديرات حول نشاط في موقع تحت الأرض جنوب نطنز يعرف باسم جبل كلنك، وعن سؤال لاريجاني عن الأمر وحول ما إذا كانت هذه الأنشطة نتيجة للهجمات المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وما إذا كان يمكنه الإفصاح عن شيء عن هذا الموقع، قال: “لا، لا شيء، لم نترك أيا من هذه المواقع، لكن في المستقبل قد تستمر كما هي الآن أو تتوقف”.

إيران والملف النووي.. سعي لم يتوقف رغم العقوبات

احتل الملف النووي المساحة الأكبر من التداول خلال الأيام القليلة الماضية، ومنذ خطاب المرشد الأعلى الإيراني، على خامنئي، في 23 سبتمبر/أيلول 2025، والذي أوضح فيه أن إيران لن تتخلى عن تخصيب اليورانيوم، والذي يمثل مشروعا قوميا بالنسبة لإيران، وإنها لن تنصاع للضغوط الغربية والأمريكية بهذا الشأن.

Image

كذلك، وفي خطوات سريعة، تقدم 70 من نواب البرلمان الإيراني، برسالة إلى الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية، محسني ايجي، يطالبونهم فيها بتغيير العقيدة النووية الإيرانية، وأن الوقت قد حان لتعديل فتوى المرشد حول حرمة امتلاك سلاح نووي، وأن هذا سيمثل خطوة كبيرة في تطوير العقيدة الدفاعية الإيرانية.

Image

في الوقت نفسه، أعلن محمد إسلامي، رئيس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية، من موسكو الإثنين 22 سبتمبر/أيلول 2025، أن اتفاقا تم إبرامه بين حكومتي إيران وروسيا يتضمن إنشاء ثماني محطات نووية بواسطة روسيا، أربع منها في بوشهر، في خطوة واضحة لعزم طهران على استكمال حلمها النووي رغم ضغط العقوبات.

Image

جبل كلنك.. الموقع النووي الإيراني الغامض

لم تكن تلك المرة الأولى التي يذكر فيها أسم ذلك الموقع النووي، فخلال السنوات الأخيرة تصدرت أخبار موقع جبل كلنك النووي في إيران اهتمام المراقبين الدوليين، نظرا لموقعه الاستراتيجي وغموض أنشطته.

يقع هذا الموقع في قلب سلسلة جبال زاغروس، على بعد نحو كيلومترين تقريبا من منشآت نطنز النووية في وسط إيران، وقد بدأ بناؤه منذ عام 2020. يتميز الموقع بكونه مدفونا بعمق تحت الأرض، ما جعل مراقبته والتحقق من نشاطاته مهمة صعبة للغاية للخبراء الدوليين. ومنذ الإعلان عنه، ظل الهدف الفعلي لإنشائه غامضا، مما أثار العديد من التساؤلات حول دوره الحقيقي في البرنامج النووي الإيراني.

Image

وفقا لتقارير صحيفة واشنطن بوست والصور الفضائية التي حصلت عليها وكالة أسوشيتد برس، شهد الموقع زيادة كبيرة في الأعمال الإنشائية بعد هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل في يونيو/حزيران 2025، التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية في فردو ونطنز وأصفهان، فيما تشير الصور إلى أن إيران لم توقف مشروعها تحت الأرض، بل تعمل على تعزيز الموقع وتوسيع قدراته، وهو ما اعتبره الخبراء محاولة لحماية أجزاء حساسة من البرنامج النووي وإعادة بناء المنشآت المتضررة.

البنية التحتية والأعمال الإنشائية

يتضمن موقع جبل كلنك شبكة من الأنفاق والطرقات تحت الأرض، حيث أظهرت الصور الفضائية وجود أربعة مداخل محفورة على جانبي الجبل، اثنان باتجاه الشرق واثنان في الغرب، كل مدخل بعرض 6 أمتار وارتفاع 8 أمتار، وقد تم استخدام أكوام كبيرة من التراب والصخور لتغطية بعض المداخل، لتعزيز مقاومتها ضد الهجمات الجوية المحتملة، ويشير خبراء مركز جيمس مارتن لدراسات منع انتشار الأسلحة النووية إلى أن المنشآت تمتد على عمق يتراوح بين 80 إلى 100 متر تحت الأرض، أي ما يعادل 260 إلى 328 قدما، وهو أكبر بكثير من عمق منشآت فردو التي أثارت القلق الغربي منذ كشفها في 2009.

تقدر مساحة الجزء السطحي من الموقع بحوالي 2.7 كيلومتر مربع، وتشمل مدخلين رئيسيين على الجانبين الشرقي والغربي. وتوضح الصور الحديثة وجود معدات ثقيلة وشاحنات ترحيل كبيرة، ما يدل على استمرار أعمال الحفر وبناء شبكة واسعة من الأنفاق. وقد أكد الخبراء، ومن بينهم سارا بوركهارد من معهد العلوم والأمن الدولي، أن الأدلة تشير بوضوح إلى استمرار حفر الأنفاق، وهو مؤشر على أن المشروع لم يتوقف منذ تأسيسه.

Image

وقال جيفري لويس، الخبير في الشؤون النووية بمنع الانتشار في مركز جيمس مارتن: “من الممكن أن تكون إيران قد قررت بعد الهجوم توسيع هذه المنشآت لنقل مزيد من الأنشطة إلى تحت الأرض”، كما نقلت واشنطن بوست عن ثلاثة متخصصين أن ثلاثة تغييرات كبيرة ظهرت في هذه المنشآت بعد هجمات يونيو/حزيران، وهي: اكتمال السور الأمني، تقوية مدخل أحد الأنفاق، وزيادة كميات التراب والصخور المكدسة نتيجة الحفر، مما يدل على استمرار عمليات البناء تحت الأرض.

ومنذ نهاية يونيو/حزيران وحتى الآن، تم بناء نحو 1,200 متر من الجدار الأمني في الجهة الغربية، وتم تمهيد طريق موازٍ لهذا السور، كما غُطي الإطار الخرساني لأحد المداخل الشرقية للنفق بالتراب والصخور، بما يتناسب مع خلق مسار بديل للولوج إلى المنشآت تحت الأرض.

هدف الموقع النووي

أعلنت إيران في البداية أن الهدف من الموقع هو إنشاء مصنع لتجميع أجهزة الطرد المركزي، وهو ما كان من المفترض أن يعوض عن منشآت نطنز السطحية التي تعرضت لهجوم في يوليو/تموز 2020، حيث اندلع حريق بسبب انفجار وصفته إيران بالإرهاب النووي والعمل التخريبي واتهمت إسرائيل بالضلوع فيه.

لكن عمق المنشآت وضخامتها يشير إلى أن الهدف قد لا يقتصر على تجميع أجهزة الطرد المركزي فقط، بل قد يشمل إنشاء مركز مخفي لتخصيب اليورانيوم أو مخزن آمن لليورانيوم المخصب بدرجة عالية تصل إلى مستويات قريبة من السلاح النووي. وتتزامن أعمال البناء في الموقع مع إنتاج إيران لليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، وهو أعلى بكثير من الحد المسموح به في الاتفاق النووي السابق، ما يزيد من مخاوف المجتمع الدولي حول الطموحات النووية الإيرانية.

التحديات العسكرية والتقنية

يشكل عمق منشآت جبل كلنك تحديا كبيرا للولايات المتحدة وحلفائها، إذ إن استخدام الأسلحة التقليدية لتدمير هذه الأنفاق يعد صعبًا للغاية. وقد دفع هذا الواقع الولايات المتحدة لتطوير قنابل نفاذة مثل GBU-57 القادرة على اختراق عشرات الأمتار من الأرض قبل الانفجار، كما ناقش المسؤولون استخدام قنبلتين متتاليتين لضمان تدمير المنشآت. ويأتي تطوير مثل هذه الأسلحة نتيجة الرغبة في مواجهة البرنامج النووي الإيراني العميق والمحمول تحت الأرض، خاصة بعد الكشف عن منشآت فردو والمخاطر المرتبطة بحمايتها من الهجمات الجوية.

تمثل منشآت جبل كلنك أيضا تحديا استراتيجيا جديدا للغرب، إذ تتيح لإيران حماية برنامجها النووي من الضربات المباشرة، وفي الوقت ذاته تعزيز قدرتها على مواصلة تخصيب اليورانيوم بدرجات عالية. وتعد هذه المنشآت جزءًا من مساعي إيران لتعويض الخسائر التي لحقت ببرنامجها النووي إثر التفجيرات والهجمات السابقة، كما ترمز إلى استمرار الطموحات النووية الإيرانية رغم الضغوط والعقوبات الدولية.

تثير المنشآت الجديدة تساؤلات حول المستقبل النووي لإيران، خاصة فيما يتعلق بالمخزون الحالي من اليورانيوم المخصب، والذي كان قبل الهجمات يصل إلى أكثر من 400 كجم بنسبة 60%، مع تقديرات بأن كميات كبيرة منه ربما تكون مدفونة تحت الأرض في مواقع مثل جبل كلنك وفردو، وتضع هذه الظروف المجتمع الدولي أمام تحد حقيقي في متابعة الأنشطة النووية الإيرانية وضمان عدم استخدامها لأغراض عسكرية.