- زاد إيران - المحرر
- 480 Views
كتب: محمد فتحي النادي
مما هو مشهور أن الشيعة ليسوا مهتمين بالقرآن الكريم، لا سيما أنه ورد عن بعضهم ما يفيد بأن لهم مصحفا خاصا، وهو ما يسمى: مصحف فاطمة، وأن القرآن الكريم فيه تحريف.
لكن مسألة أن الشيعة غير مهتمين بالقرآن الكريم تحتاج إلى مراجعة.
ولسنا نتكلم في مسألة الاهتمام عن التفسير أو علوم القرآن أو تجويده، بل نتكلم عن الإقراء والقراءات.
1- أبان تلميذ عاصم
فهذا أبان بن تغلب، الذي وصفه الذهبي بأنه “الإمام المقرئ”()، وهو كوفي شيعي، ويعد من أسنان حمزة الزيات شيخ القراءة().
وأبان قد “أخذ القراءة عن طلحة بن مصرف، وعاصم بن أبي النجود، وتلقى الحفظ من الأعمش”().
وعاصم بن أبي النجود هو الذي أخذ عنه حفص، والذي تنتشر قراءته الآن في مصر والمشرق العربي والإسلامي.
وقد قال الذهبي عن أبان: “عالم كبير، وبدعته خفيفة، لا يتعرَّض للكبار”().
2- عبيد الله: الرأس في القرآن، العالم به
أما عبيد الله بن موسى الكوفي فهو الإمام الحافظ العابد، كان من حفاظ الحديث، مجودا للقرآن، تلا على حمزة الزيات، وعيسى بن عمر الهمداني، وعلي بن صالح بن حي، وتصدر للإقراء والتحديث.
وقد تلا عليه أقوام مثل: أحمد بن جبير الأنطاكي، وأيوب بن علي الأبزاري، ومحمد بن عبد الرحمن، وأبو حمدون الطيب، ومحمد بن علي بن عفان.
وحدث عنه: أحمد بن حنبل قليلا، وكان يكرهه لبدعة ما فيه.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي: ثقة، رأس في القرآن، عالم به.
وروى أبو عبيد الآجري عن أبي داود قال: كان شيعيّا محترقا، جاز حديثه.
ورغم هذه البدعة التي كان عليها، قال عنه الذهبي: “كان صاحب عبادة وليل، صحب حمزة، وتخلَّق بآدابه، إلا في التشيع المشؤوم، فإنه أخذه عن أهل بلده المؤسس على البدعة”.
وقد روى عبيد الله بن موسى، بسنده إلى الإمام علي أنه قال: “خيرنا بعد نبينا أبو بكر وعمر ”.
وهذا يدل -كما قال الذهبي- على تقديمه للشيخين، ولكنه كان ينال من خصوم علي.
وكُرْه الإمام أحمد له ولبدعته لم تمنعه من أن يدل الناس عليه للتحمل والرواية؛ فقال ابن منده: كان أحمد بن حنبل يدل الناس على عبيد الله.
ورغم ما سقناه من رواية عنه تؤكد تقديمه للشيخين، إلا أن الذهبي ذكر كذلك أنه كان معروفا بالرفض، وقد يكون هذا الاتهام له للتشنيع عليه، وتنفير الناس عنه.
ومن علامات الرفض فيه التي ساقها الذهبي أنه لم يدع أحدا اسمه معاوية يدخل داره.
فقيل: دخل عليه معاوية بن صالح الأشعري، فقال: ما اسمك؟
قال: معاوية.
قال: والله لا حدثتك، ولا حدثت قوما أنت فيهم().
وهذا لا يعني الرفض؛ لأن الرفض مرتبط بالشيخين والتحامل عليهما، أما أخذ موقف من سيدنا معاوية فلا يدخل في باب الرفض، وإن كان داخلا في باب التشيع والانتصار لسيدنا علي ضد سيدنا معاوية.
وعموما، فإن تشيعه لم يمنع القوم من الأخذ عنه القراءة والحديث، وكذلك تشيعه لم يمنعه من الاهتمام بالقرآن، أو دعاه للطعن فيه.
3- القلانسي شيخ القراء
أما القلانسي فهو الإمام الكبير، شيخ القراء، صاحب التصانيف في القراءات.
وقد تلا بالعشر على أبي علي غلام الهراس، وأخذ عن أبي القاسم الهذلي صاحب الكامل، وارتحل إلى بغداد سنة إحدى وستين، وسمع من أبي جعفر بن المسلمة، وعبد الصمد بن المأمون، وأبي الحسين بن المهتدي بالله، وعدة، وقرأ ختمة لأبي عمرو على الأواني صاحب أبي حفص الكتاني.
وهذا التمكن في القراءات جعل الناس يتزاحمون عليه، ويرحلون إليه؛ فقد قال السمعاني: قرأ عليه عالم من الناس، ورحل إليه من الأقطار.
فممن تلا عليه سبط الخياط، وأبو الفتح بن زريق الحداد، وأبو بكر بن الباقلاني، وعلي بن عساكر البطائحي، وعدد كثير، واشتهر ذكره().
وقد وصفه ابن الجزري بأنه “كان بصيرا بالقراءات وعللها وغوامضها، عارفا بطرقها، عالي الإسناد”().
وقال فيه خميس الحوزي: “هو أحد الأئمة الأعيان في علوم القرآن، برع في القراءات”().
أما عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي فقد كان يسيء الثناء عليه، وينسبه إلى الرفض.
والأنماطي “كان موصوفا بالحفظ والمعرفة، وحسن الطريقة والديانة، والعفة والنزاهة، والثقة والصدق والأمانة”().
لكن السمعاني حاول دفع تهمة الرفض عن أبي العز القلانسي فقال: وجدت لأبي العز أبياتا في فضيلة الصحابة والجماعة.
وحاول الحافظ ابن حجر العسقلاني رد تلك التهمة كذلك، لكنه لم يقطع تماما بنفيها؛ إذ قال: “أما الرفض فلا؛ فله أبيات في تعظيم الأربعة الراشدين، إن لم يكن نظمها تقية”().
ومما أخذه عليه البعض أنه كان يأخذ الذهب على إقراء العشرة، مما دفعهم إلى ترك القراءة عليه، وهذا مما لا يشين؛ إذ “نص الفقهاء على أن أخذ الأجرة على الإقراء لا يشين المقرئ”().
فهذه النماذج المذكورة تصنع ثُلمة في تلك التهم الجاهزة بأن الشيعة لم يهتموا بالقرآن الكريم قراءة وإقراءً، والتي تنم عن جهل بالتاريخ، أو محاولة مقصودة لطمس دور الشيعة في قراءة القرآن وإقرائه.

