- زاد إيران - المحرر
- 1039 Views
كتب: الترجمان
تشهد الساحة الإيرانية في الأسابيع الأخيرة موجة انتقادات غير مسبوقة موجّهة للرئيس مسعود بزشكيان وحكومته، تقودها صحف محسوبة على التيار الأصولي؛ في مقدمتها كيهان وهمشهري. ورغم اختلاف المدرستين الإعلاميتين لكلتا الصحيفتين، فإن زاوية الهجوم هذه المرة تلتقي عند نقطة واحدة: الرئيس لا يتحدث بلغة رجل الدولة، ويتصرّف – وفق وصفهما – كمدوّن غاضب أو ناشط إعلامي يصف الألم ولا يقدّم العلاج.
هذا الإجماع على نقد الرئيس من داخل المعسكر المحافظ نفسه يُعدّ تطورا لافتا، ويثير تساؤلات حول مستقبل علاقة الحكومة بالمؤسسات المؤثرة في الداخل، خصوصا في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية، وارتفاع منسوب التوتر الاجتماعي، وتراجع ثقة الشارع في الوعود الحكومية.
“أنا لا أستطيع”… الجملة التي فجّرت الغضب
صحيفة همشهري نشرت تقريرا كاملا للهجوم على الرئيس، مستشهدة بما قالت إنها عبارات «لا تليق بمقام رئيس الجمهورية»، في مقدمتها جملته الشهيرة:
“لا أستطيع؛ من يستطيع فليتفضل… هذه الساحة أمامه”.
ووفق همشهري، فإن هذه العبارة لم تمرّ كزلة لسان، بل أصبحت «منهجا» في خطاب الرئيس، الذي لا يتردد – بحسبها – في تصوير نفسه كضحية للظروف بدلا من كونه صاحب قرار. وتضيف الصحيفة مثالا آخر نقلا عن بزشكيان:
“الله يعين، نحن نمر بضيق من كل حدب وصوب.”
وترى الصحيفة أن مثل هذه اللغة «تفتح الباب واسعا أمام تفكك صورة الدولة»، وتبعث رسائل محبطة للرأي العام، خاصة عندما تتزامن مع شكاوى اقتصادية من وزراء ومسؤولين آخرين، مثل تصريح وزير الاقتصاد بأن «الوضع سيّئ جدا» وأن الحكومة لا تملك المال لسداد الرواتب والدعم في نهاية الشهر.
وتقول همشهري إن الحكومة الحالية تحوّلت – وفق وصفها – إلى «غرفة بثّ متواصل للأخبار السيئة»، معتبرة أن هذا ليس صدقا بل عجزا مُقنّعا.
الصدق… أم تبرير الفشل؟
توجّه همشهري خطابا شديد اللهجة للحكومة موضحة أن الصدق لا يعني كشف الغسيل المتسخ، ولا يعني الضغط على جراح الناس، ولا يعني الإعلان عن الألم وإخفاء العلاج.
وتؤكد الصحيفة أن مهمة المسؤول التنفيذي ليست وصف المشكلة بل طرح الحلول. وفي خطاب متصاعد النبرة تقول:
“ما يحدث ليس صدقا، بل تحويل المسؤول إلى مجرّد معلّق سياسي، يصرخ في وجه المشكلة دون أن يقترب من حلّها”.
وتضيف أن الشعب الإيراني يعيش ظروفا اقتصادية ضاغطة منذ سنوات، وأن تكرار الحديث السلبي من الرئاسة «لا يزيد المشهد إلا قتامة». ثم تعود لتذكّر الرئيس بأن «المسؤول التنفيذي ليس مدوّنا ولا ناشطا إعلاميا»، وأن المطلوب منه طمأنة الناس لا إحباطهم.

كيهان: الخطاب الحكومي يرفع التضخم
صحيفة كيهان– الأصولية المتشددة المعروفة بموقفها الحاد والداعم دوما للمؤسسات السيادية – ركّزت على الجانب الاقتصادي، وذهبت إلى أبعد مما قالته همشهري، إذ نقلت عن الخبير الاقتصادي كامران ندري قوله إن طريقة بزشكيان في التواصل «تغذّي التوقعات التضخمية» وتخلق حالة قلق لدى المستثمرين والأسواق.
وتؤكد كيهان أن «الرسائل المرتبكة» الصادرة عن الرئيس وبعض وزراء حكومته كفيلة بإحداث اضطراب في سوق الصرف، لا سيّما أن الاقتصاد الإيراني يعاني بطبيعته من حساسية مفرطة تجاه الأجواء النفسية.
ويحذر ندري من أن تصريحات الرئيس – التي وصفها بأنها «غامضة، انفعالية، وغير مدروسة» – قد تجعل الوضع يبدو أسوأ مما هو عليه، وهو ما ينعكس فورا على الأسعار.
كما تنتقد الصحيفة المتحدثة باسم الحكومة، معتبرة أنها تشارك في «بثّ أحكام سلبية» في كل مؤتمر صحفي، دون تقديم رؤية اقتصادية واضحة.
تساؤلات حول التناقض الحكومي
وتخوض كيهان في تفاصيل أخرى، فتتحدث عن «التناقض» بين الخطاب والممارسة. فبينما يقول الرئيس إن «الاقتصاد لا يُدار بالأوامر»، تتهم الصحيفة الجهات التنفيذية بإصدار قرارات ورفع أسعار في معظم القطاعات، بدءا من العملة والخبز والسيارات، وصولا إلى الدواء والغاز والكهرباء وتذاكر السفر.
وتتهم كيهان الحكومة بعدم التعامل بجدية مع ملف 96 مليار دولار من عائدات الصادرات التي لم تعد إلى إيران، مؤكدة أن جزءا كبيرا منها مرتبط بشركات حكومية أو شبه حكومية.
وتسأل الصحيفة:
“إذا كانت الحكومة تبحث عن حلول مالية، فلماذا لا تبدأ بمساءلة من لم يُعد هذه الأموال؟”
الأعلاف… نموذج لفشل الإدارة
وتقدّم كيهان مثالا عمليا على ما تسميه «ضعف الإدارة»، وهو ملف الأعلاف والدواجن. وتقول إن التحذيرات تكررت منذ أشهر بشأن نقص الأعلاف وارتفاع الأسعار، لكن الحكومة «لم تحرّك ساكنًا»، ما أدى إلى ارتفاع سعر الدجاج وسعر الأرز.
وتحمّل الصحيفة وزير الزراعة مسؤولية مباشرة عن «تفلت السوق»، وتصف أداءه بأنه متأخر ومربك.

ننام على الذهب ونحن جياع… أخطر رسائل الرئيس
ومن بين أكثر الجمل التي أثارت جدلا تلك التي قال فيها بزشكيان: “ننام على الذهب ونحن جياع”
ووفق الصحف المنتقدة، فإن هذه العبارة – رغم تلخيصها للواقع الاقتصادي لإيران الغنية بالموارد – تُعد «رسالة خطيرة» لأنها تضع الرئيس في موقع المتفرج، وكأنه غير قادر على تحريك أدوات الدولة للاستفادة من هذه الثروة النائمة.
وتنقل كذلك عنه قوله إنه «لم يكن يسعى أصلا لأن يصبح رئيسا»، وإن «المصائب تنهال عليه منذ أول يوم في المنصب». وتطرح سؤالا لاذعا: “إذا لم يكن الرئيس مستعدًا لحمل هذا العبء، فكيف ينتظر من الشعب أن يتحمّل النتائج؟”.
يُجمع الهجوم الصحفي على نقطة أساسية: غياب القيادة الخطابية لدى بزشكيان.
فالرئيس – وفق النقد الأصولي – لا يرسم أفقا، ولا يحدّد خارطة طريق، ولا يقدّم إجراءات، بل يكتفي بالحديث عن المشكلة نفسها كل يوم بشكل مختلف.
وترى كيهان أن هذا الأسلوب «يستبدل العمل التنفيذي بالوعظ والعتاب»، فيما ترى همشهري أن الحكومة «تتقمص دور المعارضة» وكأنها ليست الطرف المسؤول عن اتخاذ القرار.
ماذا تريد الصحف من بزشكيان؟
رغم شدّة الانتقادات، فإن الصحيفتين تقدّمان – بشكل ضمني – تصورا لما ينبغي أن يكون عليه دور الرئيس وهو إعلان حلول واضحة لا مجرد توصيف للمشكلات، وتهدئة الأسواق بخطاب عقلاني منضبط، وتقديم خطط زمنية قابلة للتنفيذ، ونشر الأمل بدلًا من نشر الإحباط، تحمّل المسؤولية بدل إلقائها على الماضي أو الآخرين، ومواجهة مراكز الفساد وملفات الأموال العالقة بالخارج.
بين سطور الهجوم الإعلامي تبدو الرسالة واضحة: الرئيس بزشكيان في أزمة قيادة داخلية، وصورته أمام المؤسسات التقليدية تتآكل بسرعة.
فالتيار الأصولي – الذي كان يُفترض أنه الأقرب إلى الإمساك بمفاصل السلطة – يوجّه اليوم أعنف نقد لحكومة جاءت بشعار «الإصلاح بالتوافق»، لكنها – وفق منتقديها – لا تملك خطابا اقتصاديا مطمئنا ولا رؤية تنفيذية قادرة على إعادة الثقة إلى الشارع.
وينتهي الجدل عند سؤال أكبر: هل يستطيع بزشكيان تغيير نهج خطابه واستعادة زمام المبادرة، أم أن النقد المتصاعد يمثل بداية أزمة سياسية أعمق داخل الدولة الإيرانية؟

