إيران والسعودية والصين… تثبيت مسار بكين في ظل توترات الشرق الأوسط

Image

تعيش المنطقة لحظة سياسية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها التحولات الإقليمية مع إعادة تشكيل موازين القوى الدولية، بينما تبحث الدول عن صيغ جديدة لإدارة خلافاتها وتعزيز حضورها في عالم سريع التبدل، وفي ظل تصاعد التوترات واتساع رقعة الأزمات، تبرز الحاجة المتزايدة إلى مسارات دبلوماسية أكثر مرونة، قادرة على احتواء النزاعات وفتح نوافذ للحوار بين الأطراف الفاعلة. وفي هذا السياق، تأتي التحركات السياسية الأخيرة كجزء من مشهد أوسع تتحرك فيه الدول لإعادة بناء جسور التواصل، وصياغة رؤى مشتركة تضمن الاستقرار وتؤسس لمرحلة جديدة من التفاهمات الإقليمية.

تفاصيل الاجتماع الثالث

شهدت طهران انعقاد الاجتماع الثالث للجنة الثلاثية المشتركة بين إيران والسعودية والصين في 9 ديسمبر/ كانون الأول 2025، والذي مثل خطوة جديدة نحو تثبيت الاتفاق الذي أعاد العلاقات بين طهران والرياض إلى مسارها الطبيعي بعد قطيعة استمرت سنوات، وقد اكتسب هذا الاجتماع أهمية خاصة حيث يأتي في لحظة إقليمية حساسة يشهد فيها الشرق الأوسط تصعيدا متسارعا، بينما تبحث القوى الإقليمية والدولية عن مسارات أكثر استقرارا للتعامل مع الأزمات الممتدة من غزة إلى لبنان وسوريا.

Image

هذا وقد انعقد الاجتماع في مقر وزارة الخارجية الإيرانية برئاسة مجيد تخت ‌روانجي، نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية، وبحضور وفد سعودي برئاسة وليد الخريجي، ووفد صيني برئاسة مياو ديو، في تمثيل دبلوماسي تلقته وسائل الإعلام كإشارة عن الإرادة السياسية لدى الدول الثلاث في تحويل هذا المسار إلى إطار ثابت يحكم العلاقات الإقليمية، وليس بوصفه لقاء عابر يعالج ملفات آنية، هذا وقد جاء الاجتماع امتدادا للجولتين السابقتين في بكين والرياض، لكنه حمل بعدا إضافيا يتمثل في التركيز على آليات التنفيذ، ومتابعة الالتزامات التي نصّ عليها اتفاق بكين، وتقييم التقدم المحقق على الأرض خلال الأشهر الماضية.

Image

وقد تضمن المحضر النهائي الذي وقعه نواب وزراء خارجية الدول الثلاث تجديد التزام إيران والسعودية بتطبيق جميع بنود اتفاق بكين، بما في ذلك احترام السيادة الوطنية ووحدة الأراضي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتعزيز مبدأ حسن الجوار، كما عبر الجانبان السعودي والإيراني عن تقديرهما للدور الإيجابي الذي تضطلع به الصين، معتبرين أن متابعة بكين لهذا المسار يوفر ضمانة سياسية لنجاحه، خصوصا في ظل التوترات الإقليمية التي قد تعرقل أي تقارب غير مدعوم دوليا.

كذلك تضمن المحضر إشارة واضحة إلى استعداد الصين لمواصلة دعم خطوات التقارب، وتشجيع التعاون الثنائي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، فيما أوضحت الدول الثلاث عن ارتياحها للتقدم المحقق في العلاقات القنصلية، والذي أتاح سهولة سفر أكثر من 85 ألف حاج إيراني إلى الحج، وأكثر من 210 آلاف إيراني لأداء العمرة في عام 2025، المؤشر الذي أعتبر علامة على بناء ثقة ميدانية بين البلدين، كما أكد المحضر أهمية التقدم الذي أُحرز في الحوارات الثقافية والبحثية والإعلامية بين طهران والرياض، باعتبار أن العلاقات الشعبية والثقافية تشكل رافعة أساسية للتقارب السياسي.

Image

وفيما يخص التطورات في منطقة الشرق الأوسط، شدد الحضور على الدعوة لوقف اعتداءات إسرائيل على فلسطين ولبنان وسوريا، وإدانة الانتهاكات التي طالت سيادة إيران، في موقف عكس توافقا سياسيا، ولو ظاهريا، بين الدول الثلاث تجاه الملفات الإقليمية الساخنة، كما أكدوا على دعم الحل السياسي الشامل في اليمن تحت رعاية الأمم المتحدة، بما يضمن وحدة البلاد واستقرارها، ويخفف من التوترات التي شكلت لسنوات طويلة محور خلاف بين طهران والرياض، كذلك فقد أبرزت الدول الثلاث تطلعها لتطوير التعاون فيما بينها في مختلف المجالات، بما في ذلك المجالات السياسية والاقتصادية المتنوعة، مبرزين على أهمية الحوار والتعاون بين دول المنطقة بهدف تعزيز الأمن والاستقرار والسلام والتقدم الاقتصادي.

تخت روانجي: اتفاق بكين إطار تعاون إقليمي مستدام

عقب الاجتماع، أكد مجيد تخت‌ روانجي في تصريحات له أن الهدف الأساسي من اللقاء هو تثبيت مسار الحوار وتعزيز الثقة المتبادلة، مشيرا إلى أن اتفاق بكين لم يعد مجرد وثيقة سياسية، بل تحول إلى إطار للتعاون الإقليمي المستدام، كما أوضح أن الدول الثلاث اتفقت على توسيع التعاون في مختلف المجالات، مع التركيز على تعزيز الثقة من خلال خطوات عملية تتعلق بالعلاقات القنصلية والتجارية والأمنية، وهو ما يفتح الباب أمام بناء شراكة أكثر عمقا بين طهران والرياض في المستقبل.

Image

وفي جانب آخر من تصريحاته، شدد تخت ‌روانجي على أن الدول الثلاث تدين بشدة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على فلسطين ولبنان وسوريا، مؤكدا أن استمرار هذا العدوان يشكل تهديدا مباشرا للأمن الإقليمي، كما عبر عن تقدير إيران للمواقف الواضحة التي اتخذتها كل من السعودية والصين ضد انتهاكات السيادة الإيرانية، معتبرا أن هذا التوافق السياسي يعكس بداية مرحلة من الاصطفاف الإقليمي الجديد، الذي يقوم على التعاون بدلا من المواجهة.

Image

وختم تخت ‌روانجي تصريحاته بالتأكيد على أن الدول الثلاث تمتلك طاقات هائلة يمكن توظيفها لخدمة شعوب المنطقة، مشددا على أن اللجنة المشتركة ستعمل على تحويل هذه الإمكانات إلى برامج تعاون ملموسة، تسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي وتوفير بيئة أكثر توازناً للعلاقات الدولية.

الاجتماعات السابقة والمسار التاريخي للعلاقات بين طهران والرياض

لم يكن هذا الاجتماع هو الأول من نوعه بين البلدان الثلاث كما ذكرنا، فقد كان الاجتماع الثلاثي الأول في بكين عام 2023 نقطة الانطلاقة الحقيقية لمسار التقارب بين طهران والرياض، إذ جاء بعد التوقيع الرسمي على اتفاق بكين الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة امتدت لأكثر من ست سنوات، وقد شهد ذلك الاجتماع إطلاق لجان عمل مشتركة، ووضع جداول زمنية لإعادة فتح السفارات، وتنظيم اللقاءات الأمنية والسياسية، هذا التحول الذي جاء نتيجة وساطة صينية والتي عدت حينها إحدى أنجح مبادرات بكين في الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين.

Image

أما الاجتماع الثاني الذي عقد في الرياض عام 2024، فقد مثل خطوة أكثر تقدما، إذ أكد الطرفان التزامهما الكامل بتنفيذ اتفاق بكين، وشددا على أهمية تعزيز التعاون الأمني والسياسي، وقد شهدت تلك الفترة تطورا ملحوظا في العلاقات الثنائية، مع إعادة فتح السفارات، واستئناف الرحلات الجوية، وتنظيم زيارات سياسية رفيعة المستوى، كما لعبت الصين دور الضامن، وهو ما عزّز الثقة بين الطرفين في المضي قدماً دون مخاوف من الانتكاسة.

هذا فيما تكتسب هذه الاجتماعات أهميتها بالنظر إلى مسار العلاقات بين البلدين قبل اتفاق بكين، حيث سادت التوترات والاشتباك الدبلوماسي منذ عام 2016 إثر الهجوم على السفارة السعودية في طهران، وما تبع ذلك من حرب إعلامية وسياسية اشتدت مع تصاعد أزمات المنطقة، خصوصا في ملفات اليمن وسوريا، إلا أن اتفاق بكين قلب المعادلة رأسا على عقب، مانحا الطرفين فرصة استئناف العلاقات تدريجيا ضمن إطار سياسي واقتصادي أوسع تقوده الصين، القوة الصاعدة التي باتت تمتلك مصالح استراتيجية في الخليج لا تقل أهمية عن علاقاتها مع إيران.

ومع مرور الوقت، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتبلور بين البلدين، عنوانها، وفق محللين، المصالح المشتركة، وتنويع التحالفات، والبحث عن استقرار إقليمي يضمن استمرار مشاريع التنمية الضخمة التي تعول عليها السعودية، مقابل توفير متنفس سياسي واقتصادي لإيران في ظل الظروف الدولية القائمة.

اجتماع فوق بركان…. الدلالات الإقليمية والتوقيت السياسي

يأتي الاجتماع الثالث في سياق يعكس الحاجة الماسة إلى إدارة التوترات الإقليمية بوسائل سياسية، خصوصا مع تفاقم الأوضاع في غزة، وتصاعد التوترات في لبنان وسوريا، والردود العسكرية المتبادلة التي تهدد بجر المنطقة إلى مواجهة واسعة، ومن هذا المنظور، يرى الخبراء أن توقيت الاجتماع يحمل دلالة سياسية قوية، تتمثل في رغبة الأطراف الثلاثة في منع إنزلاق المنطقة نحو مزيد من الانفجار، عبر خلق منظومة تعاون ثلاثية تتعامل مع الأزمات بصورة جماعية.

Image

كما يعكس الاجتماع تحولا ملحوظا في دور الصين في الشرق الأوسط، إذ باتت بكين لاعبا محوريا في ضبط العلاقات الإقليمية، مستفيدة من قوتها الاقتصادية وعلاقاتها المتوازنة مع جميع الأطراف، وتبرز الصين هنا كوسيط موثوق للطرفين، بما يمنح مسار المصالحة مرونة إضافية وقدرة على الصمود أمام العواصف السياسية، ويبدو أن بكين نجحت في توظيف هذا الدور لتعزيز حضورها الاستراتيجي، في مقابل تراجع النسق التقليدي للوساطة الغربية.

ويمكن قراءة الاجتماع أيضا باعتباره مؤشرا على عودة العقلانية السياسية في إدارة العلاقات الإيرانية السعودية، بعيدا عن منطق الصراع المفتوح، فالتزام الطرفين بمواصلة الحوار، وتوسيع الاتفاق ليشمل الجوانب الاقتصادية والثقافية، يشير إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تعاونا أوسع في ملفات الطاقة والاستثمار والأمن البحري، وهي ملفات لا يمكن لأي طرف تجاهلها في ظل تعقيدات الوضع الإقليمي، كما يظهر أن اتفاق بكين يتطور تدريجيا ليصبح إطارا إقليميا أكثر منه اتفاقا ثنائيا، فوجود اللجنة الثلاثية، والمتابعة الدورية، والدور الصيني، يعني أن المنطقة على أعتاب شكل جديد من الترتيبات الأمنية والسياسية، قد ينعكس في المستقبل القريب على طبيعة التحالفات الإقليمية، وعلى آليات اتخاذ القرار في العواصم الكبرى.

نحو نموذج جديد للتعاون الإقليمي

مثل هذا الاجتماع خطوة مهمة على طريق تثبيت المصالحة وتحويلها إلى بنية تعاون حقيقي، فاللقاء لم يكن مجرد متابعة تقنية لاتفاق بكين، بل كان تعبيرا عن رغبة مشتركة في إعادة بناء منظومة التوازن الإقليمي، وتكريس الحوار كأداة أساسية لإدارة الخلافات، ومن خلال مقارنة هذا الاجتماع بالجولات السابقة، يتضح أن المسار الثلاثي يسير ببطء، لكنه يسير بثبات، وقد بات يشكل مدخلاً لإعادة تشكيل معادلات الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.

كما تظهر مشاركة الصين في كل محطة من هذا المسار أن القوة الآسيوية الصاعدة باتت لاعبا مركزيا في صياغة مستقبل المنطقة، بما يخدم مصالحها في استقرار أسواق الطاقة والتجارة، وفي المقابل، تستفيد كل من إيران والسعودية من هذا الدور لتعزيز أمنهما الداخلي والإقليمي، ولخلق فرص جديدة في مجالات التنمية والاستثمار.