- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 69 Views
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تتجدد مظاهر التوتر على خلفية ملفات إقليمية شديدة الحساسية، وسط تصاعد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة السياسية والدبلوماسية داخل المؤسسات الدولية. فيما تبرز منطقة الخليج العربي مجددا باعتبارها إحدى أكثر الساحات ارتباطا بالتوازنات العالمية، في ظل تشابك المصالح الاقتصادية والأمنية والعسكرية للدول الكبرى. ومع احتدام الاستقطاب الدولي وتزايد استخدام أدوات الضغط السياسي والقانوني، تبدو الأمم المتحدة أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على إدارة الأزمات الدولية ومنع انزلاقها نحو مسارات أكثر تعقيدا، في وقت تتزايد فيه رهانات القوى الدولية والإقليمية على موازين النفوذ والتحالفات المتغيرة.
واشنطن تعيد تدوير الضغوط الدولية على إيران عبر مجلس الأمن
تدخل الولايات المتحدة مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والدبلوماسي ضد إيران داخل أروقة الأمم المتحدة، مستفيدة من التوتر المتصاعد في منطقة الخليج العربي، ولا سيما في مضيق هرمز، لإعادة طرح مشروع قرار دولي يهدف إلى تضييق الخناق على طهران وإعادة تعبئة الموقف الدولي ضدها. ويأتي هذا التحرك الأمريكي في ظل أجواء إقليمية مشحونة، بعد سلسلة من الاتهامات المتبادلة بين واشنطن وطهران بشأن تهديد الملاحة البحرية، والهجمات التي طالت سفنا تجارية ومنشآت نفطية في المنطقة، إضافة إلى الاتهامات الأمريكية لإيران بزرع ألغام بحرية وفرض قيود على عبور السفن الدولية.
التحرك الأمريكي الجديد لا يمكن فصله عن الاستراتيجية الأوسع التي تتبناها واشنطن منذ سنوات تجاه إيران، والتي تقوم، حسب تحليلات، على مزيج من العقوبات الاقتصادية، والعزل السياسي، والضغوط الأمنية والعسكرية، في محاولة لدفع طهران إلى تقديم تنازلات في ملفات متعددة، على رأسها البرنامج النووي الإيراني، والنفوذ الإقليمي لطهران، ودورها في أمن الممرات البحرية الدولية. وفي هذا السياق، تسعى الإدارة الأمريكية إلى استخدام مجلس الأمن كأداة لإضفاء شرعية دولية على الضغوط المفروضة على إيران، خاصة بعد تعثر محاولات سابقة بسبب الموقفين الروسي والصيني.

وبحسب التغطيات الإعلامية، فإن مشروع القرار الجديد الذي تعمل عليه الولايات المتحدة بالتعاون مع البحرين وعدد من دول الخليج، يتبنى صياغة أكثر حذرا مقارنة بالمشاريع السابقة التي واجهت اعتراضا مباشرا من موسكو وبكين، فالمشروع الجديد يتجنب بشكل واضح استخدام تعبيرات صريحة تتعلق باستخدام القوة، لكنه يبقى ضمن إطار الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يمنحه أبعادا خطيرة من الناحية القانونية والسياسية، إذ إن أي قرار يصدر تحت هذا الفصل يمكن أن يفتح الباب أمام فرض عقوبات دولية إضافية، أو اتخاذ إجراءات قسرية ضد الدولة المستهدفة.
وتحاول واشنطن تقديم مشروع القرار بوصفه خطوة لحماية الأمن البحري العالمي وضمان حرية الملاحة الدولية، خصوصا أن مضيق هرمز يمثل شريانا استراتيجيا يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية. ولهذا، ركزت الصياغات الأمريكية على قضايا مثل وقف الهجمات على السفن التجارية، ومنع فرض رسوم عبور على السفن، والكشف عن مواقع الألغام البحرية، وعدم عرقلة عمليات إزالة الألغام. كما ربطت الولايات المتحدة بين هذه التطورات وبين التأثيرات المحتملة على الاقتصاد العالمي، معتبرة أن استمرار التوتر في المضيق يهدد الأسواق الدولية، خاصة الاقتصادات الآسيوية المعتمدة بشكل كبير على نفط الخليج.

وفي موازاة هذا التحرك السياسي، دفعت واشنطن باتجاه إنشاء تحالف بحري دولي جديد تحت اسم هيكل حرية الملاحة البحرية، بالتنسيق مع فرنسا وبريطانيا، وبمشاركة عشرات الدول، في محاولة لتوسيع الإطار الدولي المناهض لإيران. ويعكس هذا التوجه رغبة أمريكية واضحة في تحويل أزمة مضيق هرمز من نزاع ثنائي بين واشنطن وطهران إلى قضية أمن دولي تستوجب تعبئة جماعية، بما يسمح للولايات المتحدة بالحصول على غطاء سياسي أوسع لتحركاتها المستقبلية في المنطقة.

غير أن التحرك الأمريكي يواجه تحديات معقدة، ليس فقط بسبب الموقف الروسي والصيني، بل أيضا نتيجة الانقسامات داخل المجتمع الدولي بشأن كيفية التعامل مع إيران، فبعض الدول الأوروبية، رغم قلقها من التصعيد الإيراني في المنطقة، لا تزال تخشى من أن يؤدي تشديد الضغوط إلى انفجار عسكري واسع في الخليج، خاصة في ظل هشاشة الأوضاع الإقليمية وتعدد بؤر التوتر في الشرق الأوسط.
كما أن هناك إدراكا دوليا بأن الأزمة الحالية ليست منفصلة عن الانسحاب الأمريكي السابق من الاتفاق النووي الإيراني، وما تبعه من انهيار تدريجي للتفاهمات التي كانت تضبط العلاقة بين إيران والغرب. ولذلك، فإن العديد من الأطراف الدولية ترى أن العودة إلى سياسة الضغوط القصوى قد تدفع إيران إلى مزيد من التشدد، بدلا من دفعها إلى تقديم تنازلات.
وفي المقابل، تنظر إيران إلى هذه التحركات باعتبارها محاولة لإضفاء شرعية دولية على الضغوط الأمريكية، وترى أن الحديث عن تهديد الملاحة البحرية يتم توظيفه سياسيا لخدمة أجندات أمريكية وإسرائيلية في المنطقة. كما تعتبر طهران أن واشنطن تحاول استغلال مجلس الأمن لإعادة إنتاج سياسة العزل والعقوبات، بعد فشلها في تحقيق أهدافها عبر الضغوط الاقتصادية والعسكرية المباشرة.
روسيا والصين في مواجهة الضغوط الغربية… هل ينجح الفيتو في حماية إيران؟
في مقابل الحراك الأمريكي المكثف داخل الأمم المتحدة، يبرز الدور الروسي والصيني باعتباره العامل الأكثر تأثيرا في تحديد مصير أي مشروع قرار جديد ضد إيران داخل مجلس الأمن. فمنذ سنوات، تشكل موسكو وبكين مظلة سياسية ودبلوماسية لطهران في مواجهة الضغوط الغربية، سواء عبر استخدام حق النقض، الفيتو، أو من خلال تعطيل محاولات تمرير قرارات دولية تمنح شرعية لتحركات عسكرية أو عقوبات إضافية ضد الجمهورية الإسلامية.
الموقف الصيني تحديدا يحمل أبعادا استراتيجية تتجاوز مجرد الدفاع عن إيران. فبكين ترى أن أي تصعيد واسع في الخليج يهدد مصالحها الاقتصادية المباشرة، خاصة أن الصين تعد من أكبر المستوردين للنفط الخليجي والإيراني على حد سواء. كما تخشى القيادة الصينية من أن يؤدي تكريس الهيمنة الأمريكية على أمن الممرات البحرية الدولية إلى توسيع النفوذ العسكري الأمريكي في مناطق تعتبرها بكين حيوية لمصالحها التجارية والاستراتيجية.

ولهذا، شدد السفير الصيني لدى الأمم المتحدة في مواقف سابقة على رفض بلاده لأي قرار يمكن أن يفسر باعتباره شرعنة لاستخدام القوة، وتحرص الصين على تقديم نفسها كطرف داعم للحلول السياسية والحوار، لا سيما أنها تسعى منذ سنوات إلى لعب دور دبلوماسي متزايد في الشرق الأوسط، وهو ما ظهر بوضوح في رعايتها السابقة للتقارب الإيراني السعودي.
أما روسيا، فتتعامل مع الملف الإيراني من زاوية أكثر ارتباطا بالصراع الجيوسياسي مع الولايات المتحدة والغرب، فموسكو تعتبر أن أي نجاح أمريكي في فرض عزلة دولية جديدة على إيران سيعزز النفوذ الغربي في منطقة تعد تقليديا ساحة تنافس استراتيجي بين القوى الكبرى. كما تنظر روسيا إلى إيران كشريك مهم في ملفات إقليمية ودولية متعددة، بدءا من سوريا وصولا إلى التعاون العسكري والاقتصادي المتزايد بين البلدين.
ومن هذا المنطلق، تبدو موسكو حريصة على منع صدور أي قرار قد يستخدم لاحقا لتوسيع الضغوط الغربية أو خلق مبررات لتدخل عسكري ضد إيران. كما أن روسيا تدرك أن أي سابقة تتعلق باستخدام مجلس الأمن لفرض ترتيبات أمنية في الخليج قد تستخدم مستقبلا ضدها في ملفات أخرى.

ورغم ذلك، فإن الدعم الروسي والصيني لإيران ليس مطلقا أو بلا حدود. فكل من موسكو وبكين تحاولان الحفاظ على توازن دقيق بين دعم طهران وبين تجنب الانخراط في مواجهة مباشرة مع الغرب بسبب الملف الإيراني. ولهذا، قد تلجأ الدولتان إلى التفاوض على تعديلات في صياغة أي مشروع قرار جديد بدلا من إسقاطه بالكامل، إذا رأتا أن النص النهائي لا يتضمن تهديدات مباشرة باستخدام القوة.
كما أن روسيا والصين تدركان أن استمرار التصعيد في مضيق هرمز يحمل مخاطر كبيرة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك مصالحهما الخاصة، ولذلك، فإنهما تحاولان الدفع باتجاه حلول سياسية تمنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، دون السماح في الوقت نفسه بتحويل مجلس الأمن إلى منصة لتشريع الضغوط الأمريكية.
وفي ضوء هذه المعادلة المعقدة، فإن فرص نجاح الولايات المتحدة في تمرير قرار قوي ضد إيران تبقى مرتبطة بقدرتها على تجاوز الاعتراضين الروسي والصيني، أو على الأقل التوصل إلى صيغة مخففة لا تدفع موسكو وبكين إلى استخدام الفيتو مجددا. غير أن المؤكد حتى الآن هو أن الملف الإيراني عاد بقوة إلى واجهة الصراع الدولي داخل الأمم المتحدة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يتحول التوتر في الخليج إلى أزمة دولية مفتوحة تتجاوز حدود المنطقة.

