المثلث الإصلاحي الإيراني يحمل السلطة مسؤولية القمع ويدعو لمسار سياسي جديد

Image

في خضم موجة غير مسبوقة من الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي تشهدها إيران، برزت خلال الأيام الأخيرة سلسلة من التصريحات المتزامنة لثلاثة من أبرز رموز التيار الإصلاحي المعارض داخل البلاد، هذه التصريحات، الصادرة من مواقع مختلفة من القيود السياسية، من الإقامة الجبرية إلى السجن، عكست قراءة نقدية حادة للأحداث الدامية التي رافقت الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها عدد من المدن الإيرانية وقدمت تشخيصا متقاربا لأسباب الأزمة، إلى جانب مقترحات متشابهة لمسار الخروج منها. فيما يكتسب هذا التلاقي في المواقف أهمية خاصة كونه يصدر عن شخصيات تنتمي تاريخيا إلى قلب النظام السياسي للجمهورية الإسلامية في وقت من الأوقات، وشغلت مواقع رفيعة فيه، قبل أن تتحول إلى رموز معارضة إصلاحية.

التصريحات الثلاثة جاءت في سياق واحد تقريبا، وهو القمع الواسع للاحتجاجات الشعبية، وما خلفه من أعداد كبيرة من القتلى والجرحى والمعتقلين، إضافة إلى أجواء الحداد العام التي عمت مختلف المدن الإيرانية. وفي حين اختلفت لغة الخطاب وحدته بين شخصية وأخرى، إلا أن القاسم المشترك بينها تمثل في تحميل السلطة الحاكمة المسؤولية المباشرة عما جرى، واعتبار ما حدث نتيجة مسار طويل من السياسات القمعية والإقصائية، لا حادثا عابرا أو رد فعل أمنيا محدودا.

كروبي… القمع جريمة والاستفتاء الحر هو طريق الخلاص

قدم مهدي كروبي، السياسي الإصلاحي البارز وقد شغل سابقا منصب رئيس البرلمان الإيراني، وخضع للإقامة الجبرية على خلفية أحداث 2009 والتي سميت بالحركة الخضراء من قبل الإصلاحين وأحداث الفتنة من قبل الإعلام الحكومي قبل أن يخرج منها في العام الماضي، في بيانه، الجمعة 30 يناير/ كانون الثاني 2026، الذي تناول فيه ما سماه الأيام الدامية في إيران، خطابا ذا طابع أخلاقي وإنساني واضح، استهله بالتعزية الدينية التقليدية، ثم انتقل إلى توصيف شامل لحالة الحزن الوطني، هذا وقد ركز كروبي على فكرة أن ما جرى ليس مجرد خطأ في إدارة احتجاجات، بل جريمة مكتملة الأركان، تعجز اللغة عن الإحاطة ببشاعتها، على حد وصفه، وأولى اهتماما خاصا بمعاناة عائلات الضحايا، مشيرا إلى أن بعضهم حرم حتى من إقامة مراسم تليق بأبنائهم، وهو ما اعتبره مضاعفة للظلم وانتهاكا لكرامة الموتى قبل الأحياء.

Image

وفي جوهر موقفه السياسي، شدد كروبي على أن الاحتجاج حق أصيل من حقوق الشعب، وأن حماية أرواح المواطنين وتأمينها تقع ضمن صلب واجبات الأجهزة الأمنية والشرطية، ومن هذا المنطلق، حمل الحكومة المسؤولية الكاملة عن أي تقصير أو فشل في منع العنف أو في حماية المتظاهرين، رافضا في الوقت نفسه أي تبرير يستند إلى ذريعة العناصر الأجنبية أو الظروف الاستثنائية. وفي قراءة أعمق للأسباب، اعتبر كروبي أن الوضع الراهن هو نتيجة مباشرة للسياسات الداخلية والخارجية التي انتهجها المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، ولا سيما الإصرار على المشروع النووي وما ترتب عليه من عقوبات أرهقت الاقتصاد والمجتمع على مدى عقدين.

ولم يكتف كروبي بالتشخيص، بل دعا صراحة إلى تشكيل هيئة مستقلة من مؤسسات المجتمع المدني وشخصيات تحظى بثقة عامة، بهدف الكشف عن الأرقام الحقيقية للضحايا والمصابين، والتحقيق في ملابسات ما جرى. كما طالب السلطة القضائية بوقف ما وصفه بالملاحقات السياسية، والإفراج غير المشروط عن المعتقلين على خلفية الاحتجاجات. أما على مستوى الحل السياسي الأشمل، فقد رأى أن الطريق الوحيد للخروج السلمي من الأزمة يتمثل في الرجوع إلى الشعب عبر استفتاء حر يضمن حق تقرير المصير.

Image

مير حسين موسوي… انتهت اللعبة والعسكرة طريق الانهيار

أما مير حسين موسوي، رئيس وزراء إيران الأسبق وأحد قادة الحركة الخضراء 2009، فقد جاء بيانه من موقع أكثر حدة في اللغة وأشد رمزية في التوقيت، موسوي، الخاضع للإقامة الجبرية منذ أكثر من عقد هو وزوجته، استهل بيانه بعبارة انتهت اللعبة، موجها خطابا مباشرا إلى السلطة وإلى القوات العسكرية والأمنية، واصفا موسوي ما حدث بأنه صفحة سوداء جديدة في تاريخ إيران، لا مثيل لها في الذاكرة الوطنية الحديثة، ومعتبرا أن حجم القمع والدماء المسفوكة سيظل حاضرا في الوعي الجمعي لعقود وربما لقرون.

Image

وفي توصيفه للمشهد، ركز موسوي على فكرة أن النظام فقد شرعيته الشعبية، وأن المواطنين عبروا بكل الطرق الممكنة عن رفضهم له وعدم تصديقهم لرواياته الرسمية، واعتبر أن السلطة، عبر عسكرة السياسة وتحويل الاحتجاجات المدنية إلى ما يشبه ساحة حرب، إنما كانت تدمر أسسها بنفسها، وتفتح الباب أمام سيناريوهات خطرة، من بينها التدخل الخارجي، الذي قال إن النظام نفسه مهّد له عبر تجاهل النصائح وقمع الأصوات السلمية.

Image

موسوي وجه نداء واضحا إلى العسكريين، دعاهم فيه إلى إلقاء السلاح والتنحي عن لعب دور الأداة في الصراع السياسي الداخلي، معتبرا أن هذا العبء لن يستطيعوا تحمله طويلا، كما دعا السلطة، وعلى رأسها المرشد، إلى التنحي، وإلى إطلاق مسار سياسي جديد يقوم على استفتاء دستوري شامل، وتشكيل جبهة وطنية عريضة تضمّ مختلف التيارات، على أساس ثلاثة مبادئ أساسية هي رفض التدخل الأجنبي، ونفي الاستبداد الداخلي، وتحقيق انتقال ديمقراطي سلمي. وفي بعد ديني رمزي، ختم موسوي بيانه بدعاء رأى فيه أن تحرير الإنسان الإيراني سيقود أيضا إلى تحرير الدين من قبضة باعة الدين.

مصطفى تاج‌ زاده…حكم الخوف وولاية الفقهاء في قفص الاتهام

مصطفى تاج ‌زاده، سياسي وناشط إصلاحي وقيادي سابق في وزارة الداخلية والمعتقل حاليا على خلفية قضايا سياسية.من جانبه، قدم مقاربة أقرب إلى التحليل السياسي الممنهج، مستندا إلى لغة حقوقية وإحصائية، ففي مذكرته المكتوبة من سجن اوين، وصف قمع احتجاجات الأخير بأنه غير مسبوق منذ الثورة الدستورية في أوائل القرن العشرين، معتبرا أن ما جرى يمثل ذروة نهج الحكم عبر الخوف، كما رفض تاج زاده الروايات الرسمية بشكل قاطع، واعتبر الإحصاءات الحكومية حول أعداد الضحايا كذبة فاضحة، مشددا على أن السبيل الوحيد لكشف الحقيقة يتمثل في تشكيل لجنة تقصي حقائق مستقلة ووطنية.

Image

وفي تحليله للأسباب البنيوية للأزمة، حمل تاج‌ زاده ما وصفه بولاية الفقهاء وحكومة رجال الدين الفاشلة مسؤولية الأوضاع الكارثية التي وصلت إليها البلاد، ورأى أن استمرار الاحتكار السياسي، ورفض الاستجابة لمطالب الأغلبية، والاستخفاف بإرادة الناخبين، جعل وقوع هذه المأساة أمرا متوقّعا وقابلا للتنبؤ، مضيفا أن السلطة، لو اختارت طريق الإصلاح والتنازل السلمي، لكان بالإمكان تفادي سفك الدماء.

Image

كما توقف تاج زاده عند الطريقة التي تعاملت بها الدولة مع الاحتجاجات، مشيرا إلى أن السلطة، وبدلا من الإصغاء لمطالب المواطنين، لجأت إلى خطاب تعبوي شبه السياسة بالحرب، ووصفت المحتجين بأنهم مخربون أو امتداد لصراعات عسكرية سابقة، وخلص إلى أن النتيجة الطبيعية لهذا النهج كانت جر البلاد إلى الدم والتراب، وسقوط آلاف الضحايا الذين خرجوا للاحتجاج على الفساد وتدهور الأوضاع المعيشية.

التقاء إصلاحي نادر ورسائل مشتركة للسلطة والمجتمع

على الرغم من اختلاف المواقع والخلفيات، فإن قراءة متقاطعة لتصريحات كروبي وموسوي وتاج ‌زاده تكشف عن عناصر مشتركة واضحة، فالثلاثة يتفقون على توصيف ما جرى بوصفه جريمة كبرى بحق الشعب، لا يمكن تبريرها أمنيا أو سياسيا، كذلك فهم يشتركون في رفض الروايات الرسمية، والدعوة إلى تحقيق مستقل وشفاف، وتحميل رأس الهرم السياسي مسؤولية مباشرة عن المسار الذي وصلت إليه البلاد، كما يلتقون عند فكرة أن الحل لا يمكن أن يكون عسكريا أو قمعيا، ولا يأتي من الخارج، بل يجب أن ينبع من إرادة داخلية شعبية منظّمة.

في الوقت نفسه، تعكس هذه التصريحات إدراكا عميقا لهشاشة الوضع الراهن، وللمخاطر التي تتهدد مستقبل البلاد، سواء على مستوى الانقسام الداخلي أو احتمال الانزلاق نحو مواجهات أوسع، ورغم حدة النقد، يحرص الثلاثة على التأكيد، بدرجات متفاوتة، على خيار الانتقال السلمي، ورفض العنف، وضرورة الحفاظ على وحدة المجتمع والدولة.

ختاما، يمكن القول إن مواقف المثلث الإصلاحي المتمثل في كروبي وموسوي وتاج ‌زاده تشكل وثيقة سياسية متكاملة تعكس رؤية تيار إصلاحي يرى أن الأزمة الإيرانية الحالية ليست طارئة، بل نتيجة تراكمات طويلة من الإقصاء والاستبداد، وهي، في الوقت نفسه، محاولة لإعادة طرح مشروع بديل يقوم على الشرعية الشعبية، والمساءلة، والانتقال الديمقراطي، في لحظة تاريخية توصف بأنها من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.