القروض بلا فائدة.. خطوة إيران نحو ترسيخ البنوك الإسلامية

كتبت: سارا حسني زادة

يُشكّل إنشاء البنوك المتخصصة في القرض الحسن بإيران محطة مفصلية في مسار ترسيخ البنوك الإسلامية وتعزيز العدالة المالية، فقد جاءت هذه البنوك بمهمة أساسية هي تقديم قروض بلا فوائد، من أجل توجيه مدخرات الناس نحو تلبية الاحتياجات الحيوية للمجتمع بشكل منظم وفعّال.

قبل ظهور هذه المؤسسات، اقتصرت خدمات القرض الحسن على صناديق أهلية صغيرة أو على نطاق ضيق ضمن بعض أنشطة البنوك التجارية، لكن تشتّت الموارد وضعف الرقابة وقصور البنية التحتية حال دون تحقيق الكفاءة المرجوّة.

وفي منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، خلص صانعو السياسات البنوك إلى أن تأسيس بنوك متخصصة بالكامل هو السبيل لتحقيق قدر أكبر من الانسجام والشفافية. وعلى هذا الأساس، انطلق بنك قرض الحسن مهر إيران، ثم بنك قرض الحسن رسالت، كتجربتين رائدتين في هذا المضمار.

هذه البنوك، من خلال تجميع الودائع الصغيرة وغير الربحية للناس، قامت بتحويلها إلى قروض منخفضة الفائدة أو بلا فائدة، لتغطية نفقات الزواج، والسكن، والعلاج، والتعليم، وفرص العمل. وكانت رسالتها الأساسية ليست تحقيق الربح، بل تسهيل وصول مختلف الشرائح الاجتماعية إلى موارد مالية عادلة. هذا الطابع جعل بنوك القرض الحسن تُعرَف في آن واحد كأداة اقتصادية ومؤسسة اجتماعية؛ فهي إلى جانب تعزيز ثقافة التعاون، أسهمت في تقليص الحرمان والفقر في بعض مناطق المجتمع، وأصبحت نموذجا للمصرفية المسؤولة في إيران.

ومن أبرز التحولات في تاريخ حسابات القرض الحسن بعد الثورة، تأسيس البنوك التخصصية للقرض الحسن. فقبل ذلك، كانت خدمات القرض الحسن تُقدَّم حصرا عبر البنوك التجارية (إلى جانب أنشطتها الأخرى) أو من خلال صناديق أهلية. لكن في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، توصّل صناع القرار إلى أن وجود بنوك مخصّصة بالكامل لعمليات القرض الحسن من شأنه أن يعزز الانسجام ويقوي هذا القطاع.

ومن بين أبرز هذه البنوك التي تأسست بهدف توحيد الحسابات والصناديق الخاصة بالقرض الحسن: بنك قرض الحسن “مهر إيران” وبنك قرض الحسن “رسالت”.

وقد افتُتح بنك قرض الحسن مهر إيران في ديسمبر/كانون الأول 2007، برأسمال أولي قدره 150 مليون دولار، بمشاركة عدد من البنوك الحكومية وبدعم من حكومة الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد. 

كانت الفكرة الأساسية وراء تأسيس بنك مهر إيران هي تجميع موارد القرض الحسن في مؤسسة قوية، وتوسيع خدمات الإقراض بلا فائدة على مستوى البلاد. عند إنشائه، استفاد البنك من البنية التحتية للبنوك الحكومية المساهمة فيه؛ إذ تكوّنت شبكته الأولية من نحو 300 فرع تابع لتلك البنوك، إضافة إلى 1700 شباك قرض حسن داخل فروع البنوك المساهمة.
وبعد إعادة التنظيم، أصبحت هذه الفروع تعمل بشكل مستقل تحت اسم بنك قرض الحسن مهر إيران، الذي يمتلك اليوم أكثر من 500 فرع في جميع أنحاء البلاد.

وبصفته أول بنك تخصصي للقرض الحسن في النظام المصرفي الإيراني، أدّى بنك مهر دورا مهما في إعادة ترسيخ ثقافة القرض الحسن. ووفقا للوثائق الرسمية، تمثلت مهمته في:
“توجيه القرض الحسن واستخدامه في منح قروض بلا فائدة لتأمين السكن، والعلاج، والزواج، والتعليم، والعمل، وغيرها، والمساهمة في القضاء على الفقر”.

وتُظهر هذه الأهداف أنّ بنك مهر أُنشئ ليجمع بشكل مركّز الموارد المتفرقة للقرض الحسن، ويوجّهها نحو تلبية الحاجات الأساسية لمختلف شرائح المجتمع.

إلى جانب بنك مهر ذي الطابع الحكومي، تأسس بعد فترة وجيزة بنك قرض الحسن رسالت كأول بنك قرض حسن خاص في إيران. وقد تعود جذور هذا البنك إلى صندوق قرض الحسن رسالت، وهو صندوق شعبي تأسس عام 1997 بهدف نشر ثقافة القرض الحسن ومساعدة مختلف الفئات الاجتماعية. وخلال 15 عاما من نشاطه، قدّم الصندوق خدمات بارزة، من بينها منح 540 ألف قرض حسن وتوفير فرص عمل لـ 910 أشخاص.

ومع صدور توجيه البنك المركزي في أواخر العقد الأول من الألفية الجديدة لتنظيم المؤسسات المالية غير المرخّصة، قرر القائمون على صندوق رسالت تحويله إلى بنك رسمي. ووفقا للتقارير، فقد أدّت دعوة البنك المركزي وتجاوب إدارة الصندوق إلى بدء عملية التحويل.

وبعد استكمال الإجراءات القانونية، حصل البنك على الموافقة المبدئية في يونيو/حزيران 2010، ثم صادق مجلس النقد والائتمان على نظامه الأساسي في فبراير/شباط 2011، وأُنجزت عملية الاكتتاب وتأمين رأس المال خلال العام نفسه. وفي أغسطس/آب 2012، أصدر البنك المركزي الترخيص النهائي لبدء نشاط بنك قرض الحسن رسالت، الذي انطلق بنحو 50 فرعا في بداياته.

وقد أولى بنك رسالت اهتماما خاصا بتقديم الخدمات غير الحضورية والبنوك الرقمية، حتى أصبح لاحقا يُعرف كأول بنك رقمي بالكامل في إيران.

إن تأسيس هذين البنكين التخصصيين مهّد فعليا الطريق نحو توحيد حسابات القرض الحسن. ففي الواقع، قام كلٌّ من بنك مهر إيران و بنك رسالت، كلٌّ على طريقته، بتركيز جزء من الطاقات الكبيرة الكامنة في القرض الحسن: إذ استطاع بنك مهر، عبر تجميع ومشاركة رؤوس أموال البنوك الحكومية واستقطاب تبرعات الخيّرين، أن يضع كثيرا من الموارد المتفرقة تحت مظلته، فيما شكّل بنك رسالت، من خلال تحويل الصناديق الأهلية إلى كيان مصرفي رسمي، نموذجا لبقية الصناديق للعمل ضمن إطار قوانين البنك المركزي.

وعند تأسيس بنك مهر، أشارت التقارير إلى أن أكثر من 500 صندوق قرض حسن شعبي ساهم في تأسيسه الأولي، وأن البنك كان منذ البداية مُصمّما ليكون ذا نشاط غير ربحي، يعمل برأسمال المساهمين، وفي خدمة نشر ثقافة القرض الحسن.

وهذا يوضح أن الاتجاه نحو توحيد صناديق القرض الحسن كان من الأهداف الرئيسة لصنّاع السياسات آنذاك؛ كما صرّح نائب رئيس منظمة الاقتصاد الإسلامي حينها قائلا:
“إن البرنامج والهدف الرئيس لبنك القرض الحسن هو تحقيق الانسجام والوحدة بين صناديق القرض الحسن، بحيث تعمل وفق خطة موحدة في سبيل تطوير ونشر هذه الثقافة”.

Image

النمو المتجدد والإقبال الواسع في العقود الأخيرة

منذ مطلع العقد الثاني من الألفية (2010 فصاعدا)، شهدت حسابات القرض الحسن في الشبكة البنوك الإيرانية نموا ملحوظا، واستحوذت على جزء معتبر من الموارد البنوك، وقد ساهمت عدة عوامل مهمة في هذا الاتجاه:

أولا – تراجع جاذبية الودائع ذات الفائدة في بعض الفترات:
خلال منتصف العقد الثاني من الألفية، كانت أسعار الفائدة على الودائع البنوك خاضعة لرقابة الحكومة والبنك المركزي، وغالبا أقل من معدل التضخم. لذلك، لم يعد كبار المودعين يجدون حافزا كافيا لوضع أموالهم في ودائع طويلة الأجل بفائدة ثابتة، لأن العائد لم يكن يحافظ على قدرتهم الشرائية. 

وفي ظل هذه الظروف، فضّل بعض الناس بدلا من الاحتفاظ بودائع قصيرة الأجل ذات عوائد محدودة، إيداع أموالهم في حسابات القرض الحسن والاستفادة من مزاياها، مثل الحصول على قروض بلا فوائد.

وفي الوقت نفسه، حاولت البنوك لسنوات استقطاب السيولة من الحسابات الجارية إلى الودائع ذات الفائدة عبر أدوات مثل الحسابات القصيرة الأجل ذات العائد اليومي. لكن منذ عام 2018، تم وقف هذا الأسلوب بموجب تعليمات رقابية، ما أدى إلى عودة جزء من تلك الأموال إلى الحسابات الجارية أو حسابات القرض الحسن الادخارية، فارتفعت حصة الودائع بلا فوائد.

Image

ثانيا – نمو ثقافة المشاركة الاجتماعية:
بعد إطلاق بنكي قرض الحسن مهر ورسالت، ازداد حجم التوعية العامة بفلسفة القرض الحسن. وقد سعت هذه البنوك إلى كسب ثقة الناس من خلال التأكيد على مساعدة المحتاجين، والابتعاد عن السعي وراء الربح، وفرض رسوم إدارية رمزية. على سبيل المثال، استهدف بنك رسالت – من خلال شعار “البنوك الاجتماعية” وتقديم خدمات رقمية بالكامل – شريحة الشباب والمتعلمين الذين يولون أهمية لقيم المسؤولية الاجتماعية.

وقد انجذب العديد من العملاء إلى فكرة أن إيداع أموالهم في هذه البنوك يتيح لهم الحفاظ على رأس المال، وفي الوقت نفسه يمكّن البنك من منح قروض بلا فوائد لذوي الدخل المحدود. كما استمر نظام الجوائز والسحوبات كحافز إضافي، حيث واصلت البنوك التجارية الكبرى (مثل بنك ملي، وملت، وصادرات وغيرها) إطلاق برامج جوائز لحسابات القرض الحسن كل عام بجوائز أكثر جاذبية، مما زاد من إقبال الناس.

Image

ثالثا – الالتزام القانوني للبنوك بتقديم قروض القرض الحسن بلا فوائد:
في السنوات الأخيرة، قام كل من الحكومة والبرلمان برفع سقف القروض الإلزامية من هذا النوع، مثل قروض الزواج، وقروض دعم المواليد، وقروض ودائع السكن. فعلى سبيل المثال، ارتفع قرض الزواج خلال عقد واحد ليصل إلى أكثر من 1000 دولار لكل زوج. وألزمت البنوك بتقديم أعداد كبيرة من هذه القروض سنويا، على أن تُموَّل من ودائع القرض الحسن الادخارية لدى الناس.

ولتلبية هذه الالتزامات، اضطرت البنوك إلى استقطاب المزيد من ودائع القرض الحسن، وأطلقت حوافز متنوعة مثل الإعفاء من الرسوم أو تسهيل شروط السحب والجوائز، لتشجيع الناس على فتح هذه الحسابات.

وقد كانت النتيجة نموا سريعا في حجم ودائع القرض الحسن عبر الشبكة البنوك. ووفقا لإحصاءات البنك المركزي، ارتفع رصيد ودائع القرض الحسن الادخارية بين عامي 2020 و2022 من نحو 3.2 مليار دولار إلى نحو 5.5 مليار دولار، أي بمعدل تضاعف خلال أقل من ثلاث سنوات. ورغم أن جزءا كبيرا من هذا النمو الاسمي يعود إلى التضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية، إلا أن حتى مع احتساب نسب الودائع الأخرى، يبقى واضحا أن حصة القرض الحسن قد ازدادت بشكل ملموس.

Image

المكانة الراهنة لحسابات القرض الحسن في النظام المصرفي الإيراني

أصبحت حسابات القرض الحسن اليوم أحد الأركان المهمة في تركيبة الودائع البنوك الإيرانية. فبحسب آخر البيانات المتوفرة حتى نهاية عام 2024، يشكّل القرض الحسن الجاري والادخاري نحو 36.5% من إجمالي رصيد الودائع في البنوك الإيرانية.

وهذا الرقم اللافت يبيّن أنه، رغم مرور عقود والتقلبات الاقتصادية العديدة، لا يزال جزء كبير من أموال الناس يُحتفظ به في حسابات لا تُدرّ أي فائدة. وللمقارنة التاريخية، فقد بلغت الحصة الإجمالية للودائع الجارية والقرض الحسن الادخاري نحو 50%في مطلع العقد الأول من الألفية (2000)، ثم تراجعت خلال العقد اللاحق، قبل أن تعود إلى مسار صعودي في العقد 2010، وصولا إلى المستوى الحالي المعتبر. وبالتفصيل، شكّلت الودائع الجارية في نهاية 2024 نحو 25% بينما مثّلت ودائع القرض الحسن الادخارية نحو 11.5% من إجمالي الودائع.

كما ساهم ارتفاع حجم القروض الإلزامية في السنوات الأخيرة، مثل قروض الزواج، في زيادة حصة تسهيلات القرض الحسن. فعلى سبيل المثال، جرى في عام 2022 وحده منح أكثر من 1.2 مليون قرض زواج للأزواج الشباب، بلغت قيمتها عدة مليارات من الدولارات، ما يوضح الأهمية البالغة لاستقطاب ودائع القرض الحسن لدى البنوك.

ومن زاوية توزيع موارد القرض الحسن بين البنوك، تحتل البنوك التخصصية مكانة خاصة:

  • فقد ذكر بنك قرض الحسن مهر إيران في تقريره لعام (2023/2024) أن لديه أصولا تفوق 250 مليون دولار، وتركّز الجزء الأكبر منها في تقديم قروض صغيرة بلا فائدة.
  • أما بنك قرض الحسن رسالت، بصفته بنكا خاصا، فيدير قسما كبيرا من موارد القرض الحسن في القطاع غير الحكومي، ويمنح قروضا منخفضة الفائدة مع رسوم إدارية تتراوح بين 2% و4% في مجالات مثل خلق فرص العمل وريادة الأعمال.

وإلى جانب هذين البنكين، تمتلك بعض البنوك التجارية أيضا صناديق أو أقساما نشطة للقرض الحسن. فمثلا، يُطلق بنك ملي إيران سنويا برامج سحب بالقرعة على حسابات القرض الحسن بجوائز ضخمة، كما أن بنوكا خاصة مثل بارسيان وآينده لديها صناديق للقرض الحسن تُخصّص لمنح قروض بلا فوائد.

وعلى العموم، اكتسبت حسابات القرض الحسن في إيران دورا مزدوجا:

  • من جهة، وظيفة مالية – اقتصادية تتمثل في تزويد البنوك بمورد بلا فوائد يُستخدم في تقديم قروض منخفضة الفائدة أو حتى لتغطية جزء من سيولتها.
  • ومن جهة أخرى، وظيفة اجتماعية – دينية، هي نشر ثقافة القرض الحسن ومساعدة المحتاجين.

وربما يمكن القول إن إيران تمتلك اليوم واحدا من أوسع أنظمة القرض الحسن المصرفي في العالم الإسلامي، وهو نظام يستند إلى رغبة شعبية متجذّرة بعد الثورة، وإلى دعم حكومي متواصل.

تاريخ نشأة وتطور حسابات القرض الحسن في إيران بعد ثورة عام 1979 يكشف عن مسار متقلب، لكنه ناجح في مجمله على طريق تطبيق مبادئ الصيرفة الإسلامية. فقد مرّت هذه التجربة بمراحل من الفتور وأخرى من النمو المتسارع، تبعا للظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة في كل مرحلة. 

في مطلع تسعينيات القرن الماضي جرى إدخال القرض الحسن رسميا إلى النظام المصرفي، وبدأ الناس يتعرفون تدريجيا على هذا المفهوم، فيما سعت البنوك، من خلال أدوات مثل السحب بالقرعة، إلى كسب ثقتهم واستقطاب مدخراتهم. أما في العقدين الأولين من الألفية الجديدة، فقد شهدت صناديق القرض الحسن الشعبية توسعا غير مسبوق، تلاه سعي الدولة لتنظيمها وتوحيدها عبر إنشاء بنوك متخصصة.

وأسفر ذلك عن تأسيس مؤسسات مثل “مهر إيران” و”رسالت” التي تحولت إلى رموز لثقافة القرض الحسن، واستطاعت توجيه المدخرات الراكدة نحو تلبية الاحتياجات الملحة للمجتمع.

أما اليوم، فقد أصبحت حسابات القرض الحسن ركنا أساسيا في النظام المصرفي الإيراني، إذ يمتلكها ملايين الإيرانيين وتشكل نسبة كبيرة من موارد البنوك. ويعود هذا النجاح من جهة إلى الجذور الثقافية والعقائدية الراسخة لفكرة القرض الحسن في المجتمع، ومن جهة أخرى إلى السياسات التي جمعت بمهارة بين الحوافز المادية والدوافع المعنوية. 

ورغم أن الحفاظ على جاذبية الودائع من دون فائدة يظل تحديا دائما في اقتصاد يرزح تحت التضخم، فإن التجربة الإيرانية أثبتت أن هذا التحدي قابل للإدارة عبر التدابير المناسبة. وبذلك غدت حسابات القرض الحسن مؤسسة مالية – اجتماعية راسخة، تساهم في تعزيز قدر من الاستقرار النقدي، وتؤدي دورا لا غنى عنه في ترسيخ التضامن الاجتماعي وتمويل احتياجات الفئات الأكثر هشاشة.