- زاد إيران - المحرر
- 509 Views
ترجمة: سارة شعبان المزين
نشرت صحيفة “رسالت” الإيرانية، السبت 20 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا تناولت فيه أوضاع سوق العقارات في السنوات الأخيرة، معتبرةً أنه أصبح أحد أبرز التحديات الاقتصادية.
وأشارت الصحيفة إلى أنّ الفجوة العميقة بين دخل الأسر وتكاليف تأمين المسكن، خصوصا لدى الطبقات المتوسطة والعمالية، تزداد يوما بعد يوم؛ حتى إنّ التقديرات تُظهر أنّ أسرة ذات دخل متوسط تحتاج ما بين 15 و30 عاما لشراء وحدة سكنية بمساحة 70 إلى 80 مترا.
وأضافت الصحيفة أنّ هذه الحقيقة لا تعني فقط ضغطا ماليا على الناس، بل تعكس أيضا غياب سياسات صحيحة في توزيع رأس المال، وتركّزا غير متوازن للصناعات في المدن الكبرى، إلى جانب نمو غير منضبط للإيجارات في هذه المناطق.
كما بيّنت أنّ المحركات الرئيسة لسوق الإسكان ــ من النظام المصرفي إلى سعر الصرف وتزايد السيولة ــ عملت طوال السنوات الماضية في اتجاه عزّز الطلب الاستثماري على العقارات، بحيث لم يعد المسكن مجرد سلعة استهلاكية، بل ملاذا آمنا لرؤوس الأموال، وهو ما فاقم من التضخم السعري في هذا القطاع.
وتابعت أنّ الإيجارات خرجت بدورها عن السيطرة، وباتت تلتهم جزءا كبيرا من دخل الأسر كما أنّ تركّز الصناعات وفرص العمل في بعض المدن الكبرى دفع موجات من الهجرة العمالية نحوها، ما ضاعف بدوره الطلب على السكن وأدى إلى ارتفاع مضاعف للأسعار، فيما ظلت المدن الصغيرة والمتوسطة ــ رغم امتلاكها القدرة على استيعاب السكان وتوفير فرص العمل ــ بعيدة عن هذا المسار، الأمر الذي عمّق اختلال التوازن وزاد الضغط على أسواق الإسكان في المدن الكبرى.

ولفتت الصحيفة إلى أنّ توفير الأراضي والموارد اللازمة للبناء أصبح من المفاتيح الأساسية لمعالجة أزمة السكن وأن الخبراء يرون في تخصيص الأراضي للمستحقين الحقيقيين وإشراك المواطنين في عملية البناء مسارا أكثر فاعلية من اعتماد البناء الحكومي وحده، إذ أثبتت التجارب أنّ كلما انفردت الدولة بتنفيذ مشاريع البناء واجهت تلك المشاريع التأخير وارتفاع التكاليف.
في المقابل، فإنّ تسهيل عملية تخصيص الأراضي وتوجيه الاستثمارات الشعبية نحو إنتاج السكن من شأنه أن يخفّف الضغط على الإيجارات ويقلّص الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة.
وأبرزت الصحيفة أنّها أجرت في هذا السياق حوارا مع غلام رضا شريعتي، عضو لجنة العمران في البرلمان الإيراني، وفرشيد إيلاتي، الخبير في سوق العقارات؛ لبحث أبعاد هذه القضية بشكل أعمق.
توزيع الصناعات مفتاح حل أزمة الإسكان
أفادت صحيفة “رسالت” بأن فرشيد إيلاتي أشار إلى وجود قانون يحدّد الحد الأدنى للأجور، إلا أنّه مع اقتراب نهاية كل عام يصبح موضوعا للنقاش بين أصحاب العمل والحكومة وممثلي العمال، رغم أن وجود القانون يجعل هذه الجلسات المتكرّرة غير ضرورية.
وأفاد بأنّ القانون يقتضي أن يرتفع الحد الأدنى للأجور تبعا للتضخم المعلن من قبل البنك المركزي، غير أنّ عدم تنفيذ ذلك أدّى طبيعيا إلى اتّساع الفجوة بين الدخل والنفقات، وهو ما انعكس خلال الخمسة عشر عاما الماضية في تراجع القدرة الشرائية للأسر.

وأضاف إيلاتي أنّ مسألة السكن مرتبطة بالدخول، وفي هذا السياق يُعدّ مستوى الأجور المدفوعة في المدن المختلفة عاملا أساسيا، مؤكدا أنّ القانون يفرض رفع الحد الأدنى إمّا على أساس التضخم أو بصورة إقليمية، وكلا الأمرين في غاية الأهمية.
وبيّن الخبير أنّ من أبرز العوامل المؤثرة في سوق الإسكان الوضع الاقتصادي، إذ إنّ القطاعات الاقتصادية المختلفة تتفاعل فيما بينها فإذا تركزت معظم الصناعات في نقطة واحدة، فإنّ القوى العاملة تتجمع هناك أيضا، وهو ما يرفع الطلب على السكن ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار وأنّ أحد الحلول الجذرية لأزمة الإسكان يتمثّل في التوزيع السليم للصناعات وفي التخطيط المتوازن للمدن.
وأشار إلى ضرورة منع تمركز الصناعات في منطقة بعينها، موضحا أنّ ذلك يمكن تحقيقه عبر سياسات الأجور؛ فإذا كان الحد الأدنى للأجر يبلغ نحو 476.19 دولارا، فيجب أن يُفرض على من يرغب بإنشاء مصنع في طهران أن يدفع ضعف ذلك، بقيمه نحو 952.38 دولارا، نظرا إلى ارتفاع تكاليف المعيشة في المدن الكبرى، وإلا فعليه التوجّه إلى مدن أخرى حيث يكفي دفع الحد الأدنى.
وأكّد إيلاتي أنّه خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية لم يُطبّق مبدأ ربط الأجور بالتضخّم سوى مرة أو مرتين، ما أدى إلى تمركز الصناعات في المناطق التي تعاني بالفعل من أزمة سكن وأنّ الحد الأدنى للأجور عامل مؤثر في سوق الإسكان، مشدّدا على ضرورة توزيع فرص العمل بشكل متوازن عبر البلاد.
كما أظهر أنّ بعض الدول، مثل ألمانيا، تعتمد سياسات تحديد سقف سكاني لبعض المدن، بحيث لا يُسمح بتجاوز عدد محدّد من السكان، وهو ما يساعد على التحكم في توزيعهم ويحقق نتائج إيجابية.
وأضاف أنّ جزءا من أزمة الإسكان الراهنة ناجم عن سوء توزيع الصناعات، داعيا إلى توجيه الفرص الوظيفية نحو المدن الصغيرة والمتوسطة لتخفيف الضغط على المدن الكبرى.
واختتم الخبير حديثه بالتنويه إلى أنّ عدم التوازن بين الأجور وتكاليف المعيشة، ولا سيّما في طهران والبرز، أدّى إلى فجوة عميقة، إذ إنّ العمال في هاتين المحافظتين يتقاضون الحد الأدنى نفسه من الأجور لكنهم يواجهون تكاليف أعلى بكثير مثل الإيجارات.
توزيع الأراضي.. الحل لأزمة السكن
ذكرت صحيفة «رسالت» أنّ غلام رضا شريعتي، أكد أنّ الدستور حمّل الدولة مسؤولية توفير السكن للمواطنين، ومن ثمّ يتعيّن على الحكومة أن تتولى هذه المهمة وألا تترك الناس يعانون من أعباء تكاليف السكن الباهظة.
وبيّن شریعتی أنّه إذا أولت الحكومة قضية الإسكان اهتماما جادا، وفق ما نصّ عليه الدستور، فسوف تُحلّ المشكلات القائمة في هذا القطاع، لافتا إلى أنّ رغم التحديات الاقتصادية، فإنّ الدولة تمتلك مساحات واسعة من الأراضي يمكن من خلال تخصيصها تسريع عملية تملّك المساكن.

وأضاف أنّ الحكومة مطالَبة بتخصيص الأراضي مجانا لفئات الأولوية، بما يسهم في زيادة إنتاج المساكن، موضحا أنّ الأسر تُنفق حاليا مبالغ طائلة على الإيجارات، بينما لو حصلت على أراض لبناء منازلها فسوف تتحوّل هذه التكاليف إلى أقساط قروض تؤدي في النهاية إلى امتلاك المسكن.
وأبرز أنّ الحلّ الأمثل لتجاوز أزمة الإسكان الراهنة يتمثل في سياسة “تخصيص الأراضي”، مشيرا إلى أنّ الإحصاءات تؤكد امتلاك الحكومة مساحات كبيرة من الأراضي في مختلف أنحاء البلاد يمكن توجيهها لخدمة هذا الهدف.
كما أوضح أنّ تجربة بناء المساكن المباشرة من جانب الدولة لم تؤدِّ إلا إلى مزيد من التأخير والتعطيل، وأنّ التجارب الحالية برهنت على ضرورة إشراك المواطنين في عملية البناء.
واختتم النائب حديثه بالتشديد على أنّ الحكومة مطالَبة، من أجل تقليص الفجوة بين تكاليف السكن ودخل الأسر، بأن تجعل من سياسة تخصيص الأراضي محورا أساسيا في خططها المقبلة.

