كسر العزلة المالية.. كيف تدعم اتفاقية (CFT) استقلال إيران الوطني؟

في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها إيران على الساحة الدولية، تبرز اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب (CFT) كخطوة استراتيجية لتعزيز مكانة طهران دون المساس بسيادتها الوطنية، يوضح تقرير المركز الوطني للاستخبارات المالية أن هذه الاتفاقية لا تتعارض مع التشريعات الإيرانية فحسب، بل تتجاوزها في الدقة والصرامة، مما يجعلها درعا يحمي المصالح القومية ويعزز الاستقلال الإيراني. 

بعيدا عن المخاوف غير المبررة، تمنح الاتفاقية إيران فرصة ذهبية لكسر العزلة المالية، وتعزيز حضورها في المحافل الدولية، والدفاع عن حقوقها بثقة وفاعلية، من خلال بنود مرنة تحترم السيادة الوطنية، وغياب آليات التفتيش، وإمكانية صياغة التعريفات وفق القوانين المحلية، تُعد هذه الاتفاقية مفتاحًا لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والسياسي لإيران، دون التفريط باستقلالها. 

في هذا التحقيق الخاص نستعرض الأسس المنطقية والفوائد الاستراتيجية للانضمام إلى الاتفاقية، ونكشف زيف المغالطات التي تحيط بها، مؤكدين أن التصديق عليها ليس مجرد خيار، بل ضرورة وطنية لضمان مكانة إيران كلاعب قوي ومؤثر على الساحة العالمية، وفقا لتقرير صادر عن المركز الوطني للاستخبارات المالية في إيران، فإن اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب، التي تهدف إلى رصد وتتبع مصادر تمويل الأنشطة الإرهابية، تتماشى بشكل تام مع التشريعات الإيرانية المحلية، بل وتتجاوزها في الدقة والصرامة.

الانضمام إلى هذه الاتفاقية لا يقوّض سيادة إيران فحسب، بل يعزز من مكانتها واستقلالها على الساحة الدولية، وتعد المخاوف المثارة حول هذا الموضوع غير مبررة ولا تستند إلى أسس واقعية، وفقا لآراء المحللين، حيث تحتوي الاتفاقية على بنود جوهرية تدعم استقلالية إيران، حيث تستثني المادة الثالثة الجرائم المحلية من نطاق تطبيقها، بينما تتيح المادة الرابعة لكل دولة صياغة تعريف الجريمة وفقًا لقوانينها الوطنية. 

علاوة على ذلك، يتيح الانضمام إلى الاتفاقية لإيران فرصة الدفاع عن مصالحها وحقوقها في المحافل العالمية بثقة وفاعلية، وأعلن رئيس مركز الاستخبارات المالية التابع لوزارة الاقتصاد، هادي خاني أنهم سيبذلون قصارى جهدهم لمنع بعض الأفراد الذين يعرقلون إدارة قضية إيران وFATF لسنوات من خلال روايات منحرفة من تشويه سمعة البلاد وزيادة التكاليف المفروضة على اقتصاد البلاد وشعبها، وأكد: “من أجل الدفاع عن حقوق الأمة وإزالة طهران من قائمة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب المشينة، وبهدف خلق فهم صحيح وخطاب دقيق حول تحدي قضية البلاد مع FATF (مجموعة العمل المالي)، وحل هذه القضية في أسرع وقت ممكن، وتحديد التزامات اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب، لن نتردد في سرد ​​​​الوقائع والوثائق ذات الصلة، وسنقدم التوضيح بالقدر اللازم”.

مجموعة العمل المالي (FATF) هي هيئة دولية شُكِّلت بمبادرة من الدول الصناعية الكبرى، المعروفة بمجموعة الدول السبع (G7)، بهدف مكافحة الاتجار بالمخدرات، ثم غسل الأموال، وبعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، لمكافحة تمويل الإرهاب. 

كما أن الانضمام إلى اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب سيمنح إيران مكانة أقوى داخل مجلس الأمن، بينما سيؤدي التأخر في التصديق عليها إلى حرمانها من فرصة ملاحقة الجماعات الإرهابية الأجنبية قانونيا، على عكس العديد من الاتفاقيات الدولية، لا تتضمن هذه الاتفاقية أي آليات تفتيش، مما يقلص بشكل كبير أي مخاطر التدخل الأجنبي في الشؤون الإيرانية.

في جوهرها، تُعد هذه الاتفاقية درعا حاميا لإيران، التي عانت بنفسها من ويلات الإرهاب، بينما يُمكن أن يُلحق التردد في التصديق ضررا بسمعة طهران على الساحة العالمية، ولذلك يمكن القول إن التصديق على الاتفاقية ينسجم تماما مع المصالح القومية، وقد يكون مفتاحا لكسر العزلة المالية التي تواجهها إيران، التأخير في هذا القرار لا يزيد إلا من الأعباء الاقتصادية، مما يجعل التصديق السريع خطوة حتمية لتعزيز حضور إيران ونفوذها في المحافل الدولية.

محتوى اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب

تقرير المركز الوطني للاستخبارات المالية يكشف عن الأهمية الحاسمة لتصديق إيران على اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب (CFT) والانضمام إليها، معتبرا إياها خطوة محورية للخروج من القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF) وإنهاء الإجراءات التقييدية المفروضة عليها.

يبرز التقرير أن انضمام إيران إلى هذه الاتفاقية لن يعزز مكانتها على الساحة الدولية فحسب، بل سيفتح أبواب التعاون المالي العالمي أمامها. صيغت الاتفاقية تحت مظلة الأمم المتحدة عام 1999 بهدف قطع الشريان المالي عن الإرهاب، مع التركيز على تتبع مصادر التمويل بدلاً من حصر تعريف الإرهابيين أو أفعالهم. هذا النهج يتيح لإيران التمسك بقوانينها المحلية، مما يبدد القلق حول تصنيف جماعات المقاومة.

حتى الآن، صادقت إيران على سبع من الاتفاقيات التسع المتعلقة بمكافحة الإرهاب، وأدرجت الاتفاقيتين المتبقيتين (الهجمات الإرهابية بالقنابل والحماية المادية للمواد النووية) ضمن تشريعاتها الداخلية، لا سيما في قانون مكافحة تمويل الإرهاب، ويُعدّ عدم قبول اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب في الظروف المذكورة موضع تساؤل أيضًا بالنسبة للدول الصديقة والمتحالفة مع إيران.

لكن التردد في الانضمام الرسمي إلى اتفاقية (CFT) أثار استغراب حلفاء مثل روسيا والصين، إذ يبدو غريبا أن تتأخر دولة عانت من ويلات الإرهاب عن تبني اتفاقية تدعم أمنها ومصالحها الوطنية.

كسر جدار العزلة

الانضمام إلى اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب يحمل في طياته فوائد استراتيجية كبيرة لإيران، دون أن يفرض عليها التزامات تتجاوز ما هو منصوص عليه في قرارات مجلس الأمن الملزمة، مثل القرارين 1373 و2462، اللذين تُقدم إيران تقاريرها السنوية بشأنهما بانتظام، هذه الخطوة ستزيل عن إيران وصمة عدم التعاون مع المجتمع الدولي، وتعزز مكانتها كدولة ملتزمة وفاعلة.

تتجلى مرونة الاتفاقية في بنودها الأساسية، مثل المادة 3 التي تستثني الجرائم الداخلية من نطاق التدخل، والمادة 4 التي تمنح الدول حرية تعريف الجرائم وفق قوانينها الوطنية، والمادة 24 التي تتيح التحفظات، مما يعكس احترام الاتفاقية لسيادة الدول. وقد استفادت قوى عظمى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين من هذه التحفظات لتأمين مصالحها.

على عكس اتفاقيات أخرى، تتسم هذه الاتفاقية بغياب أي نظام تفتيش، مما يقلل من أي مخاطر التدخل الخارجي في الشؤون الإيرانية. كما أن تبادل المعلومات سيظل تحت السيطرة الكاملة للقوانين المحلية والمجلس الأعلى للأمن القومي. في جوهرها، تُمثل الاتفاقية مفتاحًا لكسر العزلة المالية والدبلوماسية عن إيران، دون السماح لأي جهة خارجية بفرض تعريفاتها عليها، من خلال هذه الخطوة، ستبرهن إيران على دورها كشريك مسؤول في المجتمع الدولي، مع تعزيز قدرتها على مواجهة الإرهاب بكفاءة وثقة أكبر.

فك قيود العزلة الاقتصادية

يُعد الانضمام إلى اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب (CFT) خطوة حاسمة ضمن خطة إيران للتحرر من قيود القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF)، وهي ليست مجرد مؤسسة واحدة، بل شبكة عالمية تضم تسع منظمات إقليمية مرموقة، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ولجنة بازل، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومنظمة شنغهاي للتعاون، هذه الشبكة تُشرف على معايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مما يجعل تقييماتها الدورية تحديًا عالميًا يواجه جميع الدول، وليس إيران وحدها.

في عام 2019، انتقلت إيران من القائمة الرمادية إلى القائمة السوداء بسبب تأخرها في التصديق على اتفاقيتي باليرمو ومكافحة تمويل الإرهاب، بينما تُحفز القائمة الرمادية الدول على تصحيح أوجه القصور، فإن القائمة السوداء تُفرض تدابير مضادة صارمة، وتؤكد مجموعة العمل المالي أن التصديق على هاتين الاتفاقيتين يُمكن أن يُعيد إيران إلى القائمة الرمادية ويُعلق الإجراءات المضادة. 

بعد تصديق إيران على اتفاقية باليرمو بشروط، فُتحت أمامها أبواب التفاوض المباشر مع المجموعة، لكن استمرار التأخر في التصديق على اتفاقية (CFT) يُبقيها تحت طائلة القائمة السوداء، كما أن الانضمام إلى الاتفاقية سيُزيل الذرائع الموجهة ضد إيران، ويُمهد لمفاوضات أكثر فاعلية، ويُعزز التواصل مع الدول الصديقة، لكن تدابير مجموعة العمل المالي ليست نهائية، وقد تتصاعد حدتها إذا استمرت إيران في التأخير، كما حدث مع كوريا الشمالية، ووفقًا للتوصية 19، يُمكن للدول الأعضاء فرض إجراءات مستقلة ضد الدول المدرجة في القائمة السوداء، مما قد يُفاقم التحديات المالية لإيران، خاصة عند دمجها مع آليات مثل آلية التفعيل.

عواقب عدم الانضمام كارثية: عزلة مالية، تراجع الاستثمار الأجنبي، ارتفاع تكاليف التحويلات المالية، تصاعد الأنشطة غير المشروعة والاحتيال، وحتى التعامل غير اللائق مع المواطنين الإيرانيين في المعاملات الدولية. مجموعة العمل المالي تتجاوز بسلطتها التنفيذية نطاق الأمم المتحدة، لأنها تضم أعضاء أكثر وتوصياتها أوسع، وتشمل القطاع الخاص والمؤسسات المالية. حتى الدول الصديقة مثل الصين والعراق تُحجم عن التعاون المالي مع إيران خارج إطار المجموعة.

عدم التفاعل مع (FATF) سيُقصي إيران عن طاولة صنع القرار العالمي، ويُفاقم تكاليفها الاقتصادية. لذا، يُعد التصديق على اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب بوابة لا غنى عنها لتفادي الضغوط الاقتصادية، وتعزيز مكانة إيران في النظام المالي العالمي، واستعادة دورها كلاعب مؤثر على الساحة الدولية.

5 مغالطات حول اتفاقية (CFT)

في الأسابيع الأخيرة، طغى الغموض والتضليل الإعلامي على نقاشات التصديق على اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب في إيران، لكن تقرير المركز الوطني للاستخبارات المالية الذي نشره موقع، “دنياي اقتصاد”، يكشف زيف خمس شبهات إعلامية، مؤكدًا أن الانضمام إلى هذه الاتفاقية يتماشى تمامًا مع المصالح القومية لإيران.

المغالطة الأولى: إساءة استخدام الاتفاقية لأغراض سياسية

ثار جدل حول ادعاءات أوكرانيا باستخدام الاتفاقية ضد روسيا. لكن محكمة العدل الدولية أوضحت أن مجرد تقديم دعم مالي أو ارتكاب أعمال عنف لا يكفي لتصنيف فعل ما كإرهابي، بل يتطلب إثبات نية إرهابية واضحة. هذا يؤكد أن الاتفاقية لا يمكن استغلالها لتوجيه اتهامات سياسية عشوائية ضد دولة ما.

المغالطة الثانية: مقارنة مجموعة العمل المالي (FATF) بالوكالة الدولية للطاقة الذرية

يُشاع أن مجموعة العمل المالي تشبه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي قد تؤدي مخالفتها إلى عقوبات مجلس الأمن أو حتى نزاعات عسكرية. لكن الواقع يُظهر أن (FATF) هيئة معنية بالسياسات المالية فقط، وعدم التعاون معها يُسبب عزلة مالية، وليس تداعيات عسكرية.

المغالطة الثالثة: ربط (FATF) بآلية التفعيل

يعتقد البعض أن مجموعة العمل المالي تدعم عقوبات آلية التفعيل. لكن الحقيقة أن عقوبات هذه الآلية محددة وملزمة، بينما توصيات (FATF) تقتصر على تدابير مضادة، ولا تؤيد العقوبات الأمريكية، بل تُكمل قرارات الأمم المتحدة دون تداخل.

المغالطة الرابعة: تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية

ترددت شائعات بأن (FATF) صنفت حزب الله منظمة إرهابية. لكن التقرير يوضح أن هذا التصنيف يعود إلى قرار مجلس الأمن 1373، وليس إلى (FATF)، وأن الاتهامات الوطنية لا تُعمم على المستوى الدولي، مما ينفي هذه الافتراضات.

المغالطة الخامسة: إدراج لبنان على القائمة الرمادية بسبب دعم المقاومة

يُزعم أن لبنان أُدرج على القائمة الرمادية بسبب دعمه للمقاومة، لكن التقرير يكشف أن السبب يعود إلى ضعف إفصاح لبنان عن هذا الدعم في تقييم مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENAFATF)، وهي مجموعة إقليمية تضم دول المنطقة، لكن الانضمام إلى اتفاقية (CFT) سيُعزز مكانة إيران، ويُبدد هذه الشبهات، ويُعيد رسم صورتها كشريك دولي موثوق، بعد التصديق على اتفاقية باليرمو بشروط، أصبح التصديق السريع على (CFT) ضرورة ملحة لتفادي العزلة المالية، وتعزيز الاقتصاد الوطني، وتجنب التكاليف الباهظة التي يُسببها التأخير.

اتفاقيات انضمت إليها إيران

إيران انضمت إلى عدة اتفاقيات دولية تتعلق بمكافحة تمويل الإرهاب وأدرجتها في تشريعاتها المحلية كملاحق لقانون مكافحة تمويل الإرهاب، وهي:

  • اتفاقية قمع الاستيلاء غير المشروع على الطائرات (لاهاي 1970): إيران عضو فيها، وتم التصديق عليها عام 1970 

(الرابط: https://rc.majlis.ir/fa/law/show/96743)

  • اتفاقية قمع الأعمال غير المشروعة ضد سلامة الطيران المدني (مونتريال 1971): إيران عضو فيها، وتم التصديق عليها عام 1971

(الرابط: https://rc.majlis.ir/fa/law/show/96938)

  • اتفاقية منع ومعاقبة الجرائم ضد الأشخاص المحميين دوليًا بمن فيهم الدبلوماسيون (1973): إيران طرف فيها، وتم التصديق عليها عام 1973

(الرابط: https://rc.majlis.ir/fa/law/show/97670)

  • الاتفاقية الدولية لمناهضة أخذ الرهائن (1979): إيران طرف فيها، وتم التصديق عليها عام 2006 

(الرابط: https://rc.majlis.ir/fa/law/show/97819)

  • بروتوكول قمع الأعمال غير المشروعة في المطارات الدولية (مونتريال 1988): إيران طرف فيه، وتم التصديق عليه عام 1380 

الرابط: https://rc.majlis.ir/fa/law/show/93500)

  • اتفاقية قمع الأعمال غير المشروعة ضد سلامة الأنشطة البحرية (روما 1988): إيران عضو فيها، وتم التصديق عليها عام 1988

(الرابط: https://rc.majlis.ir/fa/law/show/134827)

  • بروتوكول قمع الأعمال غير المشروعة ضد سلامة المنصات الثابتة على الجرف القاري (روما 1988): إيران طرف فيه، وتم التصديق عليه عام 2008

(الرابط: https://rc.majlis.ir/fa/law/show/134827)

  • أما بالنسبة للاتفاقية الدولية لقمع الهجمات الإرهابية بالقنابل (1997)، فلم توقع إيران عليها أو تصادق عليها، لكنها أُدرجت في الفقرة 8 من الجزء (ج) من المادة 1 من قانون مكافحة تمويل الإرهاب. 
  • كذلك، اتفاقية الحماية المادية للمواد النووية (1980) لم توقع إيران عليها أو تصادق عليها، وتم تعريفها في المادة 1، القسم 3، الجزء (ب)، والمادة 1، القسم 4، الجزء (ج) من قانون مكافحة تمويل الإرهاب.