- محمود شعبان
- 755 Views
تعيش إيران لحظة حرجة وسط تصاعد الضغوط والتحديات الأمنية، حيث تتباين الآراء بين من يدعو إلى التهدئة والحوار، ومن يرى أن البلاد دخلت فعليا في حالة حرب تتطلب استعدادا طويل الأمد، وبين هذا وذاك، يتزايد الجدل حول ما إذا كان الواقع الراهن يستوجب تطبيع الحياة، أم الإقرار الرسمي بحالة الحرب وما تفرضه من استحقاقات داخلية وخارجية.
السلام الطريق الوحيد ولا لتطبيع الحرب
فخلال رسالة له الأربعاء 2 يوليو/تموز 2025 بمناسبة ذكرى عاشوراء، إحدى أهم المناسبات الدينية عند الشيعة، صرح محمد خاتمي، الرئيس الإيراني الأسبق وأحد أبرز الشخصيات في التيار الإصلاحي، بأن السلام لا يتحقق من خلال الحرب، وأن الحكومة يجب أن تركز على إزالة المخاوف والقلق عن وجه الوطن والشعب، وفتح أفق آمن ومطمئن نحو تنمية مستدامة وشامل.

وقد جاء في رسالة خاتمي أن “ما حدث مع إيران خلال الفترة الماضية يؤكد أمرين، أولهما أن إسرائيل لا تسعى إلا إلى تدمير إيران وتمهيد الطريق لتفكيكها، وقد سخرت لذلك منظومتها الإرهابية المتطورة، وشبكة نفوذها، مدعومة بشكل شامل من الولايات المتحدة المتغطرسة، مستهدفة السيادة السياسية للبلاد. ثانيا، أن الشعب الإيراني، بوحدته ووعيه وتضامنه، أظهر تجليا ناصعا لروحه الوطنية في مختلف المستويات السياسية والاجتماعية والعلمية والفنية والثقافية والمدنية، سواء داخل البلاد أو خارجها، من أجل التصدي للعدوان والدفاع عن الوطن ووحدته”.
وتابع: “هذه النعمة من الوحدة والانسجام والتضامن التي تعيشها إيران تستوجب الشكر، وتقع مسؤولية أكثر من أي وقت مضى على عاتق الحكومة، التي ينبغي أن تتحرك بحكمة وخطوات حازمة لتخفيف آلام الشعب، وطمأنة النخب، وكسب رضا الجميع، والاستماع لصوتهم الحقيقي”.
وأضاف: “رغم التعقيدات والمصاعب الكثيرة، لا تزال يد إيران ممدودة للحوار، ولا تزال تسعى لحل القضايا المزمنة والمستجدة، وعلى الولايات المتحدة من جانبها أن تكبح جماح إسرائيل، وتمنعه من إعادة العدوان وتكرار تجربة مريرة على الطرفين والمنطقة والعالم، كما عليها أن تقتنع بأنه لا يوجد طريق سوى التفاوض القائم على الاحترام المتبادل”.
من جهته، انتقد أحمد زيد آبادي، الصحفي الإصلاحي، عبر حسابه على تليغرام، ما وصفه بتطبيع الحر من قبل بعض المسئولين، حيث كتب: “يتحدث بعض أصحاب النفوذ أو المسؤولين عن الجولة القادمة من الحرب وكأنهم يتحدثون عن أمر طبيعي وعادي، مثل احتمالية هبوب الرياح، ويبدو أن تطبيع الحرب بات جزءا من جدول أعمال هؤلاء”.

ويتابع: “للأسف، التناقض بين القوى النافذة في البلاد حرم إيران من تبني سياسة واضحة، واستبدل الحسم بالتردد والمجاملات. هذا التخبط أفسح المجال لأصوات غير مؤهلة للهيمنة على المشهد الإعلامي، وتشويه أي حل واقعي واتهامه بالخيانة. لقد كتبت مرارا أن السياسة تراجيدية بطبعها، ويتوجب أحيانا اختيار أقل الشرور ضررا للخروج من هذا المأزق، لا بد من مناقشة كل السيناريوهات بصراحة وشفافية، لكن الواقع الحالي يشهد قمعا لأي رأي مغاير، ومطاردة للأصوات المختلفة وكأنها تهديد للنظام”.
خراسان.. الحرب مستمرة
على الجانب الآخر، شددت صحيفة خراسان الأصولية على أن الحرب بين إيران وإسرائيل لم تنته بعد، بل دخلت مرحلة جديدة تتطلب استعدادا طويل الأمد، وأكدت أن التصور القائل بانتهاء الحرب هو تصور خاطئ وخطير، داعيةً إلى مواجهة هذا الفهم السائد بالحجج والأدلة، إذ وصفت الوضع الحالي بأن “نحن وإسرائيل في نفق حرب مفتوح لا يرى له نهاية”.

كما أشارت الصحيفة إلى أن إيران، رغم الخسائر الجسيمة التي تكبدتها، وعلى رأسها مقتل قادة كبار مثل باقري وحاجي زاده وسلامي، فهي لم تنهر، بل أعادت بناء هيكلها الدفاعي والهجومي خلال أقل من 24 ساعة، ما يُثبت جاهزيتها “لحرب مستمرة قد تمتد لسنوات”، وفق تعبيرها، وقالت إن هيكل القوات المسلحة مصمم لمواجهة سيناريوهات متعددة.
كما ربطت الصحيفة استمرار الحرب بالتحديات الأمنية والعسكرية المعقدة التي تواجهها إيران، مشيرة إلى أن “القدرات الصاروخية الإيرانية، رغم تفوقها، تُواجه بسلسلة من الدفاعات المتطورة تمتد من أنظمة عربية وأمريكية إلى القبة الحديدية”، وهو ما يجعل من كل ضربة صاروخية “عملية هندسية وأمنية بالغة التعقيد”.
وحذرت خراسان من الانخداع بمظاهر الحياة الطبيعية، معتبرة أن “تبسيط أجواء الحرب والحديث عن قرب انتهائها يضعف الجبهة الداخلية”، مطالبة بتعميم مفهوم الجهوزية الطويلة والتعبئة المستمرة للمواطنين، ودعت الحكومة إلى إعلان حالة اقتصادي حربي، وإنشاء غرفة عمليات خاصة لتأمين الحاجات الأساسية، وإلى ضبط ما أسمته الفوضى الإعلامية التي تضعف المعنويات وتخدم العدو”.
إيران في مفترق طرق
بين هذا وذاك، تقف إيران أمام خيار استراتيجي حاسم، هل تستمر في سياسة تطبيع الأوضاع الداخلية، أم تقر رسميا بواقع الحرب الذي بات يفرض نفسه عليها، هذا السؤال بات جوهريا في دوائر القرار السياسي دون إجابة واضحة.
فخلال تحقيق تحليلي موسع، تشير صحيفة شرق الإيرانية إلى أن إيران دأبت على تصوير نفسها، منذ التسعينيات، كدولة آمنة، بعيدة عن الصراعات المسلحة المباشرة، ورغم أن المرشد الإيراني، خامنئي، نفسه استخدم تعبير الحرب في خطابه الأول بعد الهجوم الإسرائيلي، فإن الأوساط الرسمية والإعلامية لا تزال تتفادى توصيف الوضع بكونه حربا معلنة، ويبدو أن هناك فجوة متزايدة بين الإدراك الشعبي المتأثر بالمخاطر الأمنية الفعلية، وبين الخطاب الرسمي الذي يسعى إلى تهدئة الأوضاع.

من جهة أخرى، يؤكد تقرير صحيفة آرمان امروز، الخميس 3 يوليو/تموز 2025، أن احتمال استئناف الحرب لا يزال قائما، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، ويشير الخبير في الشئون الدولية، صابر عنبري، إلى أن الطرفين اختارا خوض معركة محدودة لتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، لكن ذلك لا يعني أن التصعيد انتهى. فالتحركات الإسرائيلية المستمرة، بدعم أمريكي، توحي بأن المنطقة تعيش حالة استنزاف مستمرة.

الاختبار الحقيقي، كما يعتبره عنبري، هو في مدى قدرة إيران على احتواء الأزمة دون أن تستدرج إلى حرب استنزاف طويلة، خاصة في ظل غياب أثر استراتيجي للهجمات الإسرائيلية على البرنامج النووي الإيراني. فبرغم الأضرار، لم تُحقق إسرائيل إلا تأخيرا مؤقتا في البرنامج، مما يزيد احتمال انتقال إيران نحو مزيد من الغموض النووي والعمل السري، ما لم يُفتح مسار تفاوضي واقعي.
في ظل هذا المشهد، تواجه القيادة الإيرانية معادلة معقدة، إما إعلان رسمي للحرب قد يسرع من وتيرة العقوبات والعزلة الدولية، لكنه يمنح البلاد غطاء تعبويا داخليا، أما التمسك بخطاب الاستقرار، فيحمل مخاطر الغموض والانفصال عن إدراك الشارع، فإيران اليوم، بكل وضوح، تقف عند مفترق طرق سياسي وأمني، سيكون لاختيار أحد المسارين أثر بالغ على مستقبلها القريب.

