- زاد إيران - المحرر
- 519 Views
نشرت صحيفة «اطلاعات»، في تقرير لها، يوم السبت 13 سبتمبر/أيلول 2025، أن أسواق أصفهان التقليدية، التي كانت يوما ما، القلب النابض للحياة التجارية والاجتماعية في المدينة، تعاني اليوم ركودا ملحوظا بسبب توسع المدينة وانتشار المتاجر الكبرى وتغير أنماط الشراء، مما أدى إلى إغلاق عديد من متاجرها التاريخية.
الأسواق التاريخية
ذكرت الصحيفة أن سوق البازارات التاريخية في أصفهان، التي كانت يوما ما مزدهرة وكانت الحياة تنبض فيها، فقدت اليوم صخبها وحيويتها، وأصبح الركود والصمت الثقيل يخيّم عليها.
وأوضحت أن مجموعة من المتاجر المختلفة تحت سقف واحد ذي عمارة مقبّبة على شكل عقود متقاطعة كانت تشكّل البازارات التقليدية في أصفهان، وكان في نقاط التقاء هذه البازارات فضاء يُسمّى «جارسو» يربط بين مسارات البازارات المختلفة.
وأضافت أن اليوم يوجد في قلب الأحياء التاريخية لمدينة أصفهان 21 بازارا تقليديا، منها بازار «بيدآباد»، «عليقلي آقا»، «بامنار دردشت»، «درب كوشك»، «حاج آقا شجاع» و«سيدالعراقين»، وكانت هذه البازارات في الماضي جزءا من الشبكة المترابطة للسوق الكبير في المدينة، لكن إنشاء الشوارع أدى إلى قطع صلتها بالسوق الرئيسي.
وتابعت أن هذه البازارات، إضافة إلى كونها مراكز اقتصادية لكل حي لتلبية احتياجات السكان اليومية، كانت تُعدّ أيضا جزءا من الهوية الثقافية والاجتماعية للحي، إلا أن كثيرا منها اليوم أصبح منسيّا، ولا يعرفها إلا القليل.
وأشارت إلى أن المخابز، والبقالات، والجزّارين، وباعة الخضار والفواكه، ومحال حلج القطن، والحلاقين، ومحلات السقط التي كانت تبيع السكر والشاي، كانت من أبرز المهن في هذه البازارات قديما، وهي مهن لم يعد كثيرون اليوم حتى يعرفون أسماءها، فضلا عن إدراكهم لدورها في الحياة اليومية للناس.

نبض الاقتصاد في أصفهان
ذكرت الصحيفة أن السوق كان أحد أهم عناصر الهويّة في تشكيل البنية القديمة لمدينة أصفهان، ولعب دورا محوريا في الربط بين الحِقَب التاريخية المختلفة لهذه المدينة، وأوضحت أن هذا العنصر العمراني كان يتخذ شكل شبكة واسعة ومترابطة تشبه خيط السبحة، تربط مختلف أجزاء أصفهان ببعضها بعضا، وتوفّر فضاء للتفاعل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
وأضافت أن مدير عام منظمة التحديث والتأهيل في بلدية أصفهان صرّح لصحيفة “اطلاعات” قائلا: في العهد الصفوي، ومع توسّع مدينة أصفهان من الشمال إلى الجنوب وعلى امتداد نهر زايندهرود، أدّى السوق دورا أساسيا في الربط بين ميدان كهنه وميدان نو.
وفي الواقع لم يكن السوق مجرد نبض الاقتصاد في المدينة، بل كان كالجسر الذي يربط بين الثقافات والمجتمعات المختلفة، فيخلق تواصلا حيّا وحيويّا يصل المدينة القديمة بالمدينة الجديدة.
وجاء في بعض كتب الرحالة أن من كان يدخل أصفهان ويريد مغادرتها، كان يستطيع أن يسلك طريق السوق؛ وهو طريق مسقوف ومتصّل يحميه من وهج الشمس.
وتابعت الصحيفة أن المسؤول أوضح أنه في عهد بهلوي الأول، ومع إنشاء شوارع جديدة مثل “عبدالرزاق” و”ابن سينا” داخل النسيج التاريخي لأصفهان، انقطعت استمرارية السوق، وأصبحت الأسواق التقليدية الحالية بمثابة فروع من السوق الكبير لأصفهان، وكانت جميع مسارات هذه الأسواق التي انفصلت لاحقا عن السوق مغطاة ومسطّحة الأسقف.
وأشارت إلى أن سوق «حاج آقا شجاع» كان في الماضي متصلا بسوق «سيدالعراقين»، وكان يُعدّ أحد أجزاء السوق الكبير المتصلة، وكان كسائر أقسام السوق مسقوفا بالقباب، إلا أن سقفه الرئيسي هُدم في عهد بهلوي وأُقيمت مكانه بنية بهيكل خشبي.
الركود والصمت
ذكرت الصحيفة أن السير في أسواق أصفهان التقليدية، وحتى الشراء من بعض المتاجر التي لا تزال أنوارها مضاءة، يعيد المرء إلى قلب التاريخ؛ غير أنّ معظم متاجر هذه الأسواق، التي كانت يوما ما مكانا لتلاقي الناس وتبادلهم، قد أُغلقت الواحد تلو الآخر بفعل توسّع المدينة وانتشار المتاجر الكبرى وتغيّر أنماط الشراء، فغشيتها غبار النسيان.
وأضافت أن أحد تجّار سوق «بامنار دردشت» التاريخي قال إن هذه السوق كانت في الماضي عامرة بالنشاط، وكانت متاجرها تظل مفتوحة حتى آخر الليل، لكنها اليوم لم تعد تضجّ بالحركة كما كانت من قبل، إذ يفضّل سكان الحي الشراء من المتاجر الكبرى، بينما لا يبدي الجيل الشاب اهتماما بالأسواق التقليدية.
وتابعت أن التاجر نفسه، الذي يملك بقالة صغيرة في هذه السوق، أضاف أن أصحاب مهن متعددة كانوا يعملون هنا في الماضي، أما الآن فلم يبقَ سوى بعض المحال مثل المخابز، وأغلقت غالبية المتاجر أبوابها، إذ لم يعد العمل مجديا فيها، وأصبحت الأنسب لتحويلها إلى ورش إنتاج صغيرة.
وأوضحت أن السيد فريدزاده، الذي يملك مطحنة في سوق بامنار دردشت، قال إنه قبل إنشاء شارع ابن سينا، كان سوق دردشت يشكل المسار الرئيس للربط بين شمال أصفهان وميدان كهنه، وكان مزارعو منطقة برخوار يمرّون يوميا من هذا السوق في طريقهم لبيع منتجاتهم في الميدان.
وأضاف فريدزاده أن السوق كان يضمّ في تلك الحقبة ثلاث مخابز، ومحلَّيْن لبيع الكرشة والرأس، واثنين لبيع البريان، وهو ما يدل على حيوية السوق، لكن بعد إنشاء شارع ابن سينا تغيّر المسار الرئيس، وبدأ السوق يفقد حركته تدريجيا حتى أغلقت معظم متاجره اليوم.
وأشارت الصحيفة إلى أن السيد أدهم، أحد تجّار سوق «عليقلي آقا» القديم، الذي يملك محلّ سقط، قال إن هذه السوق كانت قبل نحو 75 عاما مكتظة بالناس حتى كان من الصعب الوصول إلى ميدان جارسو عند نهاية شارع طالقاني.
ومع إنشاء شوارع «مسجد سيد»، «فروغي» و«جامي» تغيّرت المسارات المؤدية إلى سوق عليقلي آقا، ولم يعد يقصدها اليوم سوى القليل للشراء، وأكد أن شقّ هذه الشوارع الجديدة جعل الأسواق القديمة مثل «بيدآباد»، «دردشت»، «دروازه نو» و«جهارسوق مقصود» تفقد حيويتها كذلك.
استعادة الازدهار
ذكرت الصحيفة أن أسواق أصفهان التقليدية، وإن كانت لا تزال حية، فإن نبض الحياة فيها أصبح بطيئا في ظل صخب الحياة المعاصرة وانتشار المتاجر الكبرى، وأوضحت أن هذه الفضاءات العمرانية ما زالت تمتلك القدرة على أن تعود مركزا للحياة الحضرية من جديد، شريطة إعادة إحيائها والاهتمام بها.
وأضافت أنه بإمكان هذه الأسواق، من خلال استعادة وظائفها الثقافية والسياحية، أن تُبثّ فيها روح جديدة وتستعيد مجدها الغابر من قلب الصمت الذي يخيّم عليها.
وأشارت إلى أن مدير عام منظمة التحديث والتأهيل في بلدية أصفهان قال في هذا الصدد: بما أن إمكانية وصل الأسواق الصغيرة بالسوق الكبير لم تعد متاحة، فقد اعتمدت المنظمة نهجا يهدف إلى ترميم الأسواق القائمة أو الفضاءات الصغيرة التي يمكن إعادة تأهيل بعض أجزائها.
وتابعت أن المسؤول أوضح أنه خلال السنوات الأربع الماضية جرى ترميم أجزاء من سوق «درب كوشك» في شارع طيب، وسوق «قصر جميلان» في شارع عبدالرزاق، وسوق «ميدان مير» في محيط ميدان الإمام علي، مضيفا أن هذه الأسواق تحتاج إلى وقت لتعريف نفسها مجددا للمدينة وكسب اهتمام المواطنين، لكن يمكن تسريع هذه العملية من خلال تنظيم فعاليات ثقافية وفنية واجتماعية متنوعة لتعود الحركة إليها بشكل أسرع.
وأضاف محمدعلي ايزدخواستي أن منظمة التحديث والتأهيل في بلدية أصفهان تقوم بأنشطة تتجاوز مجرد إعادة الترميم العمراني، فعلى سبيل المثال، جرى في بعض الأسواق التي أُعيد إحياؤها مؤخرا مثل ممر «قصر جميلان» العمل على إنتاج أعمال فنية ككتابة الروايات، وصناعة الأفلام، وإعداد الإعلانات المصوّرة بهدف جعل هذه الفضاءات جزءا من الذاكرة التاريخية للمدينة.
وأوضحت الصحيفة أن الأسواق التقليدية تُعدّ أماكن لمزاولة المهن المحلية، ولهذا السبب يجري إعداد كتيّب لتعزيز دور هذه الأسواق سيتم توزيعه على التجار، ويتضمّن معلومات عملية حول المهن المؤثرة في ازدهار السوق، وواجبات التجار تجاه الحفاظ على السوق، كما يجري تصميم مجموعة من الأنشطة الثقافية والتعليمية لرفع ثقافة العيش في السوق، موجهة للسكان والتجار، ومن المقرر أن تكون جاهزة ومنشورة خلال الأشهر الستة المقبلة.
وفي رده على سؤال حول سبب افتقار هذه الأسواق لجاذبية لدى الجيل الجديد، قال المسؤول: على العكس، فإن الأسواق التقليدية بالنسبة إلى الجيل الجديد تمثل ظاهرة جديدة ومختلفة عن الأجيال السابقة.
وأضاف أن خوض تجربة في فضاء تقليدي والتعرّف إلى أنماط الحياة القديمة أمر جذاب لكثير من الشباب، لكن لكي تتشكل هذه التجربة بشكل صحيح وتحظى بإقبال، يجب أن تدخل الأسواق التقليدية في دورة السياحة الحضرية، لأن الجيل الجديد ينظر إلى الفضاءات التاريخية والعمرانية بعين السائح، ويجب أن نتمكّن من تجسيد هذا المنظور في هذه الأسواق بحيث تصبح لا أماكن للبيع والشراء فحسب، بل وجهة لتجربة ثقافية وتفاعل اجتماعي واكتشاف الهوية الحضرية، حتى يرتبط الجيل الجديد بهذه الأسواق ويعتبرها عنصرا حيّا من قلب التاريخ في حياته المعاصرة.
وختمت الصحيفة بأن مدير عام منظمة التحديث والتأهيل في بلدية أصفهان يرى أن هذه الأسواق التقليدية يجب أن تُحيى مع الحفاظ على هويتها التاريخية والثقافية، بحيث تلبي احتياجات الحياة المعاصرة وتستحضر الماضي في الأذهان وتلعب دورا حيويا ومعنويا في الحياة اليومية للجيل الجديد.

