- محمود شعبان
- 421 Views
نشرت صحيفة فرهيختكان الأصولية، الجمعة 11 يوليو/ تموز 2025، تقريرا ذكرت فيه أن صحيفة دنياي اقتصاد نشرت في 7 يوليو/تموز 2025، بيانا وقّعه 180 من خبراء الاقتصاد وأساتذة الجامعات، أدانوا فيه العدوان الذي شنّه نظام الاحتلال الإسرائيلي على إيران، إلى جانب الهجمات الأمريكية التي استهدفت المنشآت النووية في إيران، وطالب الموقعون بإحداث تغيير جذري في نمط الحوكمة للخروج من الأزمة الحالية.
وأضافت الصحيفة أن البيان قد شدد على أن ضمان الأمن هو من أبرز واجبات أي حكومة، مشيدا في الوقت نفسه ببسالة الشعب والقوات المسلحة خلال الحرب التي استمرت 12 يوما، كما حذر من استمرار الاختلالات البنيوية، وانعدام الثقة، وجمود السياسة الخارجية، والتمييز، والظلم.
وتابعت أنه رغم النوايا الحسنة الكامنة وراء هذا البيان وسعيه لطرح حلول للخروج من الأزمة، فإن هذه المقترحات، إلى جانب ما يُوجَّه إليها من انتقادات فنية، تفتقر أيضا إلى القبول السياسي لسببين اثنين:
أولا، هذه الأفكار ليست جديدة، ولم تصدر عن أشخاص عديمي الخبرة التنفيذية فحسب، بل إن بعض الموقعين كانوا يتولون مسؤوليات سابقة في الدولة، وكان الأولى بهم أن يُحاسبوا على دورهم في إيصال إيران إلى هذه الحالة، لا أن يكتفوا بارتداء عباءة النقد.
ثانيا، بعض هؤلاء الأشخاص سبق أن طرحوا عبر وسائل الإعلام مقترحات لا تُفهم إلا كترويج للاستسلام الكامل، وهو ما يتعارض مع السيادة الوطنية وموقف إيران الثابت.
“لستم بمنأى عن الخطأ”
أوضحت الصحيفة أن أحد أبرز الانتقادات التي وُجّهت إلى هذا البيان هو دور الموقعين أنفسهم في تشكيل الوضع الاقتصادي الراهن في إيران. إذ إن العديد من هؤلاء الذين وقّعوا البيان شغلوا في الماضي مناصب اقتصادية حساسة، ولا يمكن تجاهل مسؤوليتهم في تفاقم الأزمات الحالية.
وأوردت أنه على سبيل المثال، كان عباس آخوندي وزيرا للإسكان في فترة شهدت ارتفاعا مفاجئا وحادا في أسعار العقارات. 
وأفادت بأن سيف، الذي شغل منصب رئيس البنك المركزي خلال عهد حكومة الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، اعترف بنفسه بأن مكاسب الاتفاق النووي (برجام) على المستوى المصرفي كانت تقريبا لا شيء، ورغم ذلك وقّع الآن بيانا يدعو إلى تفاوض جديد، دون أن يوضح كيف سيكون الاتفاق الجديد مختلفا عن ذلك الاتفاق الذي لم يُفضِ إلى نتائج ملموسة.
وبيَّنت أن مسعود نيلي، الذي شغل مناصب اقتصادية رفيعة في حكومات هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي وحسن روحاني، منها نائب رئيس منظمة التخطيط والميزانية وأمين لجنة التنسيق الاقتصادي للحكومة، يُعد من أبرز الموقعين على هذا البيان السياسي. وتجدر الإشارة إلى أن مساهماته في السياسات الاقتصادية خلال عقد التسعينيات الهجري، المعروف بالعقد الأسود لاقتصاد إيران، كانت محورية ولا يمكن إنكارها.
ونوَّهت إلى أن شقيقه فرهاد نيلي، كان مديرا عاما للشؤون الاقتصادية في البنك المركزي بين عامي 2008 و2010، وممثلا لإيران في البنك الدولي بين عامي 2015 و2019. ودوره في السياسات الاقتصادية المحلية، إلى جانب تمثيل إيران في المؤسسات المالية الدولية، لا يمكن أن يكون بمنأى عن النقد أيضا.
وأبرزت أن هؤلاء الأشخاص، إلى جانب العديد من الموقعين الآخرين على البيان، مثل محمد ستاري فر، الذي شغل منصب نائب رئيس منظمة التخطيط والميزانية خلال فترة رئاسة مير حسين موسوي للوزراء، ومحمد طبيبيان، الذي كان نائبا للشؤون الاقتصادية في المنظمة نفسها خلال عهد الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني، كانوا جميعا جزءا من صانعي القرار والسياسات الاقتصادية في إيران على مدى فترات مختلفة.
وأكَّدت أنهم لا يمكنهم التنصّل من مسؤوليتهم في الوصول إلى الوضع الراهن. ولا يمكن لبيان كهذا أن يَكتسب طابعا عمليا وغير سياسي ما لم يتضمن نقدا ذاتيا صريحا لدورهم في الإخفاقات الاقتصادية السابقة، ويُقدِّم تحليلا واقعيا ومنصفا للماضي.
وأشارت إلى أن غياب هذا النوع من النقد الذاتي يُقوّض المصداقية الأخلاقية والعلمية للبيان، ويجعل من الصعب النظر إليه كمبادرة مخلصة للخروج من الأزمة، بدلا من كونه موقفا سياسيا موجَّها.
نهاية هذه البيانات تعود إلى عام 1941
لفتت الصحيفة إلى أنه قبل عدّة أشهر من اندلاع الحرب التي استمرت 12 يوما، وبالتزامن مع الفوضى التي كانت تثيرها إسرائيل في المنطقة، عبّر بعض هؤلاء الأشخاص عن مواقف تُظهر بوضوح الخلفية السياسية للبيان الذي صدر مؤخرا. فقد طرح عباس آخوندي في إحدى مقابلاته فكرة، مفادها أن على إيران أن تعتمد حيادا فاعلا على غرار ما فعلته عام 1941م.
وأوضحت أن ما وصفه آخوندي بالحياد الفاعل لم يكن سوى موقف سلبي وخطير، قاد فعليا إلى احتلال إيران من قِبل قوات الحلفاء، ونهب ثرواتها، وحدوث مجاعة واسعة، ونفي الشاه. ولقد شكّلت تلك التجربة التاريخية كارثة بكل ما للكلمة من معنى، وعرّضت استقلال إيران ووحدة أراضيها لخطر جسيم.
وسلَّطت الضوء على أن طرح مثل هذا الاقتراح في الظروف الراهنة، التي تواجه فيها إيران تهديدات حقيقية بالانهيار والتقسيم من قِبل إسرائيل والولايات المتحدة، يُعد تجاهلا فاضحا للحقائق الجيوسياسية والتاريخية. فبدلا من تقديم حلول عملية لتعزيز الاستقلال والقدرة الدفاعية لإيران، كرّر موقّعو البيان أفكارا سبق أن أثبتت فشلها، بل ربما تشكّل في نظر إسرائيل والولايات المتحدة النموذج الأمثل لمستقبل إيران.
وأخبرت بأن وضع إيران في عام 2025 يختلف كثيرا عن إيران في عام 1941، ولا يوجد سبب للرضوخ للاستراتيجيات الغربية المفروضة. أولا، أظهر الشعب الإيراني في الدفاع عن وحدة أراضي إيران أنه يختلف عن الأجيال السابقة، وأنه مستعد للتوحد في مواجهة التهديدات الخارجية. ثانيا، أدرك المجتمع بفعل برمجيات الثورة أهمية الدفاع عن الوطن، حيث تشكّلت القيم الإسلامية والوطنية معا في حافز قوي للمقاومة ضد الأعداء الخارجيين.
وأظهرت أن القوات المسلحة الإيرانية، بخلاف الجيش الضعيف في عام 1941، تتمتع اليوم بإمكانات عسكرية متقدمة قادرة على حماية إيران من التهديدات الخارجية، وهذا هو السبب الذي أجبر الخصم على قبول وقف إطلاق النار.
وأكدت أن وجود قيادة قوية في إيران بعد الثورة يمثل نقطة أساسية ومهمة. فبعد فترة المرشد الأعلى السابق، الخميني، الذي نجح في توحيد الشعب الإيراني للدفاع عن إيران وتجاوز مراحل تاريخية صعبة مثل الحرب المفروضة التي دامت ثماني سنوات والانقلابات المتكررة بسلام، يأتي اليوم دور المرشد الأعلى خامنئي، الذي يضع الشجاعة والاستقلال والكرامة الوطنية في مقدمة أولوياته، بخلاف ملوك عهد بهلوي، ويلعب دورا حيويا في توجيه إيران خلال الأوقات الحرجة.
ونوّهت إلى أن هذه العوامل توضح أن ظروف إيران الحالية لا يمكن مقارنتها بعام 1941، وأن مقترحات مثل الحياد الفاعل ليست حلا مناسبا للمشاكل الراهنة، بل قد تؤدي إلى تضعيف استقلال وأمن إيران.
نسخة الدبلوماسية لمن يخون ويتصرف سرا
بيَّنت الصحيفة أن إحدى النقاط الرئيسية التي وردت في البيان هو التأكيد على تفعيل الدبلوماسية والمفاوضات البناءة مع الولايات المتحدة وأوروبا للخروج من الأزمة الحالية وتجنب الضغوط الاقتصادية.
وأبرزت أن هذا الاقتراح يبدو منطقيا للوهلة الأولى، لكن عند التدقيق في السياق السياسي يتضح أن هذه الاستراتيجية ليست جديدة، فقد سارت إيران عليها سابقا، ولم تؤتِ ثمارها لأسباب خارجة عن سيطرة إيران. فقد اتبعت إيران في السنوات الأخيرة طريق الدبلوماسية عدة مرات، ولكن كان الجانب الغربي هو من تجاهل مسار التفاوض ونتائجه مثل اتفاقية البرجام.
وأضافت أنه في أحدث مثال على ذلك، كانت هناك مفاوضات غير مباشرة مع الولايات المتحدة لرفع العقوبات ومعالجة المخاوف المزعومة للغرب بشأن البرنامج النووي الإيراني، وفي حين كان الطرفان يستعدان لعقد الجولة السادسة من المفاوضات، شنّت إسرائيل هجمات على إيران، تلتها الولايات المتحدة باستهداف المنشآت النووية في نطنز وأصفهان وفردو.
وأفادت بأن هذه الهجمات دمرت عمليا طاولة المفاوضات، وأظهرت أن إيران لم تكن فقط غير مذنبة، بل كانت ضحية للسياسات العدائية للطرف المقابل. وهذا الواقع يبيّن أن اقتراح التفاوض والدبلوماسية الذي طرح في البيان كحل رئيسي، قد جُرب مسبقا من قبل إيران، لكنه لم ينجح بسبب الإجراءات الأحادية من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأبلغت أن تكرار هذا الاقتراح في هذه الظروف، دون تقديم حلول عملية لمواجهة خيانة الطرف الآخر أو ضمان التزامه بالاتفاقيات، يبدو أشبه بشعار مبتذل منه بحل واقعي.
خبرة أم انحياز سياسي؟
أكّدت الصحيفة أن واحدا من المبادئ الأساسية لتقديم حلول علمية وعملية في أي مجال هو تخصص وكفاءة الأشخاص الذين يطرحون هذه الاقتراحات. وقد تم توقيع البيان المذكور من قبل 180 شخصا يُزعم أنهم اقتصاديون وأساتذة جامعات.
وتابعت بحسب ما ورد في نص البيان نفسه، فإن نحو 81 فقط من هؤلاء الأشخاص يمتلكون مؤهلات تعليمية ذات صلة بالاقتصاد، في حين أن جزءا كبيرا منهم هم باحثون فقط، ولا يمكن بالضرورة اعتبارهم اقتصاديين. وهذه النقطة مهمة من حيث المصداقية العلمية للبيان، إذ يُتوقع أن تُقدم الحلول لمشاكل إيران من قبل أشخاص ذوي تخصص عميق وخبرة عملية في هذا المجال.
إضافة إلى ذلك، جزء كبير من محتوى البيان يركز بدلا من ذلك على قضايا سياسية واجتماعية، مما يشير إلى نوع من الانحراف عن مجال تخصص الموقعين.
وفسَّرت بأن مقترحات مثل إنهاء الاحتكار الإعلامي أو إطلاق سراح السجناء السياسيين لا تتصل مباشرة بالتخصص الاقتصادي، وطرحها في سياق ما بعد الحرب لا يعدو أن يكون ذريعة لتفكيك الوحدة التي تحققت، وهو أمر مدهش لأنه يعيد إشعال الدافع الاعترافي لدى النظام الإسرائيلي لمزيد من العدوان، وهذا يتعارض مع هدف كُتّاب البيان في إنهاء الحرب.
وبيَّنت أن هذا يُضفي على البيان طابعا يتجاوز تقديم الحلول الاقتصادية، إذ يميل إلى طرح شعارات سياسية.
وفي الختام أقرَّت الصحيفة بأن مزيج القضايا السياسية والاقتصادية يُضعف المصداقية العلمية للبيان، ويُثير التساؤل حول ما إذا كان الهدف الحقيقي منه تقديم حلول اقتصادية أم السعي وراء أجندات سياسية محددة.

