- محمود شعبان
- 590 Views
في خضم التوتر المتصاعد بالشرق الأوسط عقب الحرب التي دامت اثني عشر يوما بين إسرائيل وإيران، عادت قضية التفاوض بين طهران وواشنطن إلى الواجهة، هذه المرة، حملت التصريحات الأمريكية إشارات واضحة إلى وجود رغبة جدية، ولو مشروطة، لإعادة إحياء الحوار بين الطرفين.
ففي تصريحات مفاجئة صدرت من مدينة لاهاي الهولندية على هامش قمة حلف شمال الأطلسي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الخميس 26 يونيو/حزيران 2025، عن احتمال استئناف المحادثات مع إيران خلال الأسبوع التالي، مؤكدا أن أبواب التفاوض لم تُغلق بعد، رغم توتر العلاقات في أعقاب الهجمات الأخيرة، حيث صرح ترامب بأنه في “الأسبوع المقبل سنتحدث مع الإيرانيين، وربما نوقع اتفاقا، لا أعلم، وبالنسبة لي لا أعتقد أن هذا الاتفاق ضروري”.

فيما أعرب ترامب خلال تصريحاته عن عدم رغبة الإيرانيين في هذه المرحلة في مواصلة أنشطة التخصيب، بل يسعون للعودة إلى وضع طبيعي، على حد تعبيره، مضيفا: “آخر ما يريدونه هو التخصيب، إنهم يريدون العودة إلى الوضع الطبيعي”.
ورغم تأكيده استمرار سياسة الضغط الأقصى، التي كان قد أعادها منذ توليه السلطة في يناير/كانون الثاني 2025 والتي تشمل تقييد صادرات إيران النفطية، فإنه فتح الباب أمام مراجعة بعض العقوبات، في خطوة فسرها مراقبون على أنها محاولة أمريكية لتقديم عرض تفاوضي مرن، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية المتدهورة في الداخل الإيراني. حيث أوضح: “لم نتراجع عن سياسة الضغط الأقصى، لكننا ندرس تخفيف بعض العقوبات لدعم إعادة الإعمار”.
من جهته، عبر المبعوث الأمريكي الخاص لشؤون الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، عن تفاؤله بخصوص فرص التوصل إلى اتفاق شامل مع إيران، مشيرا إلى وجود إشارات قوية تدل على استعداد طهران للتفاوض. وقال في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز الخميس 26 يونيو/حزيران 2025، أن “لدينا شعورا قويا بأن إيران جاهزة لإبرام اتفاق، ونأمل أن نصل إلى سلام شامل معها”.

وأوضح ويتكوف أن الولايات المتحدة لا تعتمد فقط على القنوات المباشرة في محادثاتها مع إيران، بل تعمل كذلك عبر وسطاء إقليميين ودوليين، في محاولة لبناء جسور ثقة وتهيئة الأرضية المناسبة لأي اتفاق قادم.
كذلك، فقد كشف ويتكوف عن تفاصيل اتفاق يتضمن السماح لإيران بامتلاك برنامج نووي لأغراض سلمية، شرط أن يتم التخلي كليا عن أي أنشطة تخصيب داخل الأراضي الإيرانية، معتبرا أن هذا الشرط غير قابل للتفاوض، ويشكل نقطة الانطلاق لأي تسوية محتملة، وأشار إلى أن هذه المبادرة تعد جزءا من رؤية أوسع للإدارة الأمريكية تهدف إلى احتواء الأزمة النووية، وتفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، فصرح بأن “هذا الطرح يمكن أن يرضي كل الأطراف، إذ نسمح لإيران باستخدام الطاقة النووية لأغراض مدنية، مع ضمانات بعدم التخصيب”.
وفي مقابلة أخرى مع شبكة CBS، أكد ويتكاف أن إدارة ترامب قد اتخذت خطوة رمزية تمثلت في رفع جزئي لبعض العقوبات المفروضة على طهران في 25 يونيو/حزيران 2025، وهو ما اعتبره رسالة مزدوجة موجهة إلى كل من إيران والصين. وقال” إنها إشارة من الرئيس ترامب إلى بكين بأننا لا نسعى إلى الإضرار باقتصادها، بل نرغب في التعاون، ونأمل أن تصل هذه الرسالة أيضا إلى طهران”.

إيران … موقف حذر ومشروط على لسان عراقجي
في المقابل، جاء الرد الإيراني حذرا، حيث شدد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الجمعة 27 يونيو/ حزيران 2025، وفي أول رد علني على التقارير الأمريكية، على أنه “لا يوجد أي اتفاق حتى الآن بشأن استئناف المفاوضات”، مؤكدا أن “الظروف قد تغيرت بشكل جذري بعد العدوان الإسرائيلي الأخير، ولا يمكن العودة إلى طاولة التفاوض بنفس الشروط السابقة”.

وأضاف عراقجي أن العودة إلى الحوار مرهونة بإعادة تعريف قواعد الاشتباك، وتعويض الأضرار التي لحقت بإيران، مشيرا إلى أن البرلمان الإيراني أقر قانونا يعلّق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو ما قد يصعّب من إمكانية الوصول إلى اتفاق في الأمد القريب.
كما أشار عراقجي إلى أن أي مفاوضات مستقبلية يجب أن تنطلق من منطق الندية واحترام سيادة إيران وحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، مؤكدا أن التهديد بالعقوبات أو استخدام آلية الزناد من قبل الأوروبيين أو الأمريكيين، سيزيد الأمور تعقيدا.
الاتفاق المقترح.. محتوى طموح وشروط متناقضة
في تقرير لها، قدمت قناة سي إن إن الأمريكية الخطوط العريضة لما قد يكون عليه الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة، أولها تحفيز اقتصادي أمريكي مقابل تنازل نووي إيراني، حيث قالت إن الولايات المتحدة تقترح تخفيف العقوبات الاقتصادية على إيران، مع الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، ما يبلغ قيمتها 7 مليارات دولار حسب التقرير، إضافة إلى استثمار مباشر في القطاع النووي المدني الإيراني بقيمة 30 مليار دولار، ما سيساعد في تحديث البنية التحتية وتوفير طاقة نظيفة لإيران.

كذلك سيتضمن الاتفاق وقف كامل لتخصيب اليورانيوم، وهو الشرط الذي تضعه واشنطن كقاعدة للتفاهم، وقد عبرت عنه بوضوح في مواقفها العلنية، مشيرة إلى أن تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% في إيران بات يُنظر إليه كخطوة مقلقة تهدد الاستقرار.
يشمل كذلك الاتفاق عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع الإيرانية كافة، بما في ذلك المواقع التي تضررت خلال الهجمات الإسرائيلية، مثل نطنز وفردو وأصفهان، إلى جانب مفاوضات موسعة تشمل البرنامج الصاروخي الإيراني، والدور الإقليمي لطهران في ملفات كالعراق وسوريا ولبنان واليمن، إضافة إلى مستقبل العلاقة الثنائية مع الولايات المتحدة، وضمانات سياسية لتجنب تكرار سيناريو انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي كما حدث في عهد ترامب في 2018.
هل الاتفاق ممكن في الظروف الحالية؟
يرى الخبير الجيوسياسي، عبد الرضا فرجي راد، أن خيار المفاوضات، رغم الصعوبات، يبقى لا مفر منه، حيث صرح في حوار مع صحيفة اعتماد السبت 28 يونيو/ حزيران 2025، أن إيران لا تملك في النهاية سوى خيار التفاوض، سواء مع أمريكا أو مع أوروبا، مضيفا أن الظروف السياسية والاقتصادية الحالية تجعل من الصعب على إيران الاستمرار في سياسة الانغلاق.

ويشير فرجي راد إلى أن قانون البرلمان الإيراني الذي يعلق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد يحد من إمكانيات الحوار لاحقا، لكن لا يزال من الممكن استخدامه كورقة تفاوضية مؤقتة، كما يؤكد أن إيران، رغم كل التصريحات الصارمة، لم تطرد حتى الآن المفتشين الدوليين، وهو ما يعني وجود نية ضمنية للإبقاء على خطوط التواصل مفتوحة.
ويضيف الخبير الإيراني أن تغير المواقف الغربية مرتبط بما حدث من أضرار في المنشآت النووية الإيرانية، فالهجمات الإسرائيلية الأخيرة عطلت بشكل كبير قدرات إيران على تخصيب اليورانيوم، وهو ما قد يؤدي، ولو بشكل غير مقصود، إلى تراجع مستوى التهديد النووي الإيراني في المدى القريب، ما يعطي فسحة إضافية أمام الدبلوماسية.

كما يشير إلى أن الولايات المتحدة قد تكون فعليا بصدد الإعداد لاتفاق شامل، يتجاوز النووي، ليشمل ملفات إقليمية وصاروخية وعلاقات ثنائية أوسع، وهو ما سيجعل المفاوضات أكثر تعقيدا لكنها أيضا أكثر قابلية للصمود على المدى الطويل.
في الوقت ذاته، يحذر فرجي راد من مغبة التأخر في استثمار الفرصة الحالية، ويقول “إذا تم تفعيل آلية الزناد من قبل الأوروبيين، فإن العقوبات الأممية ستعود، ما يعني نهاية أية فرصة تفاوضية واقعية، ودخول إيران في عزلة متعددة الأطراف”.
سيناريوهات مفتوحة على مصير غير محسوم
في ظل ذلك المشهد المعقد يبقى السؤال مطروحا، هل نحن بصدد اتفاق جديد بين طهران وواشنطن، أم أنها حلقة أخرى من حلقات الضغط والمناورة؟
تشير تصريحات المسؤولين الأمريكيين إلى نافذة مفتوحة، بينما الردود الإيرانية توحي بشروط معقدة وثقة مفقودة، ومع ذلك، فإن تصريحات الخبراء تشير إلى أن التفاوض ليس فقط ممكنًا، بل ضروريّا في ظل الاختناق الاقتصادي والسياسي الذي تعانيه إيران.
ومع استمرار المباحثات غير الرسمية، وتزايد المؤشرات على الضرورة الملحة لكلا الطرفين لتخفيف الضغوط، ربما تكون الأشهر، بل والأسابيع القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة ستدخل مرحلة استقرار نسبي، أم ستنحدر نحو مزيد من التوترات والصدامات.

