كارثة صامتة في الشرق الإيراني.. هبوط الأرض يلتهم البنية التحتية في محافظة خراسان رضوي

نشرت وكالة أنباء “إيسنا“، السبت 13 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا أفادت فيه بأن محافظة خراسان رضوي تواجه واحدة من أخطر الأزمات البيئية في السنوات الأخيرة، والمتمثلة في ظاهرة هبوط الأرض التي تتزايد وتيرتها بشكل مقلق، وأوضحت أن استنزاف المياه الجوفية، والتغيرات المناخية، والأنشطة العمرانية غير المدروسة، جعلت مدنا مثل مشهد ونيشابور وسبزوار في قلب دائرة الخطر.

هبوط أرضي 

ذكرت الوكالة أن “سماء خراسان رضوي اليابسة وأرضها المتشققة، تطلق كل يوم صرخات صامتة، فيما تواجه مدن عديدة من هذه المحافظة كارثة صامتة تقترب منها تدريجيا”.

وأوضحت أن ظاهرة “هبوط الأرض” باعتبارها ظاهرة طبيعية وبشرية في آن واحد، باتت في السنوات الأخيرة تتزايد بشكل ملحوظ في مناطق مختلفة من إيران، لا سيما في محافظة خراسان رضوي، مشيرة إلى أن هذه الظاهرة تنشأ نتيجة انخفاض مستوى المياه الجوفية، والتغيرات المناخية، والأنشطة البشرية.

وأضافت أن محمود فخرائيان، الخبير البارز في علوم الجيولوجيا، صرّح بأن هبوط الأرض يعني انخفاض مستوى سطح الأرض، وهو ما يحدث عادة بسبب الاستغلال المفرط للمياه الجوفية، والأنشطة التعدينية، والتغيرات الطبيعية في بنية الأرض؛ مؤكدا أن هذه الظاهرة يمكن أن تخلّف عواقب خطيرة على البنى التحتية والبيئة والحياة اليومية للناس.

وتابعت أن الخبير الجيولوجي أوضح أن هبوط الأرض ينجم أساسا عن انخفاض ضغط المياه في الطبقات الجوفية، فعندما تُستخرج المياه من طبقات التربة والصخور، تبدأ هذه الطبقات- لغياب الضغط الكافي- بالانضغاط والهبوط؛ لافتا إلى أن هذه العملية قد تحدث بشكل تدريجي أو مفاجئ، وفي كلا الحالتين تكون لها آثار سلبية على البنى التحتية.

وبيّنت أن هذا الخبير الجيولوجي أشار إلى أن مدنا مثل مشهد، نيشابور، سبزوار، كاشمر، تربت حيدريه وعددا آخر من المدن في خراسان رضوي، تواجه بشكل خاص مشكلة هبوط الأرض، موضحا أن هذه المدن، بسبب النمو السكاني وتزايد الحاجة إلى المياه، قد فرضت ضغوطا كبيرة على الموارد الجوفية.

Image

مدينة نيشابور

ذكرت الوكالة أن الخبير الجيولوجي اعتبر وضع مدينة نيشابور، ذات التاريخ الغني والموارد الطبيعية الوفيرة، أكثر مدعاة للقلق، موضحا أن نيشابور تحتل مرتبة مرتفعة في معدلات هبوط الأرض، بحيث تجاوزت مرحلة الخطر؛ ففي حين أن الحدّ المعياري المسموح به للهبوط هو 4 مليمترات، فإن الهبوط في سهل نيشابور يبلغ 24 ضعفا أكثر من هذا الحد.

وأوضحت أن التقارير العلمية تشير إلى أن معدل الهبوط في بعض مناطق خراسان رضوي يتراوح بين 10 إلى 30 سنتيمترا سنويا، فيما يصل في بعض النقاط التي تشهد استغلالا أكبر للمياه الجوفية إلى مستويات أعلى بكثير.

وأضافت أن الدراسات والخرائط التي أعدّتها المؤسسات الجغرافية والبيئية أظهرت أن المناطق الحرجة في خراسان رضوي قد تم تحديدها بالفعل، مؤكدة أن هذه الخرائط يمكن أن تُستخدم كأدوات لإدارة الموارد المائية والوقاية من ظاهرة الهبوط.

وتابعت أن هبوط الأرض يُعدّ أحد التحديات الخطيرة أمام الزراعة في خراسان رضوي، إذ إن طبيعة المناخ والتربة في هذه المحافظة تتطلب كميات كبيرة من المياه، بينما أدى الاعتماد على الآبار العميقة وطرق الري غير الفعّالة إلى تراجع حاد في الموارد الجوفية، ومن جانب آخر، ساهم النمو السكاني والحاجة المتزايدة للمياه لأغراض منزلية في تكريس الاستغلال المفرط للمياه الجوفية، وفي مدن مثل مشهد، ارتفع استهلاك المياه بشكل ملحوظ، مما ضاعف الضغوط على هذه الموارد.

وبيّنت أن أحمد رضابور، الخبير البارز في المخاطر البيئية، أوضح في حديثه مع الوكالة، أن التغيرات المناخية وتراجع معدلات الأمطار أسهمت بدورها في تفاقم ظاهرة الهبوط، لافتا إلى أن انخفاض هطول الامطار وضع موارد المياه السطحية والجوفية تحت ضغط أكبر.

وأضاف أن ظاهرة الاحتباس الحراري والتغيرات في أنماط هطول الامطار أدت إلى موجات جفاف متتالية في خراسان رضوي، وهو ما تسبب في انخفاض مستوى المياه الجوفية وزيادة معدلات هبوط الأرض.

وأشار رضابور إلى أن الأنشطة العمرانية وأعمال البناء غير المرخصة في بعض المناطق قد تساهم في إضعاف البنية الجيولوجية للأرض وزيادة مخاطر الهبوط، مؤكّدا أن العوامل الطبيعية مثل الزلازل والتغيرات الجيولوجية يمكن أن يكون لها أيضا دور في حدوث الهبوط، غير أن تأثيرها عادة أقل من العوامل البشرية.

Image

 خراسان رضوي

ذكرت الوكالة أن الخبير البيئي تحدث عن مستقبل خراسان رضوي في ظل ظاهرة هبوط الأرض، مؤكدا أن هذه الظاهرة تعدّ من التحديات الخطيرة التي تزايدت حدّتها في السنوات الأخيرة، ولا سيما في هذه المحافظة.

 وأوضح أن الهبوط ناجم عن الاستغلال المفرط للمياه الجوفية، والتغيرات المناخية، والأنشطة العمرانية غير الفعّالة، محذرا من أنه قد يخلّف عواقب وخيمة على البيئة والاقتصاد والحياة اليومية لسكان المحافظة.

وأوضحت أن هذا الخبير أشار إلى أن تبعات الهبوط في خراسان رضوي يمكن أن تكون مثيرة للقلق بشدة، مشددا على أن أحد أبرز نتائجه يتمثل في الأضرار التي تلحق بالبنى التحتية الحضرية، فالهبوط قد يؤدي إلى تشقق المباني وتخريب الطرق والجسور والمرافق الأساسية، الأمر الذي لا يضاعف فقط من تكاليف الصيانة والإصلاح، بل يعرّض أيضا سلامة السكان للخطر.

وأضاف أن الهبوط يمكن أن يترك آثارا سلبية على الزراعة كذلك؛ فمع تراجع مستوى المياه الجوفية سيجد المزارعون صعوبات جسيمة في تأمين المياه اللازمة لمحاصيلهم، وهو ما قد يتسبب في تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار المواد الغذائية، مؤديا في نهاية المطاف إلى حالة من الاستياء الاجتماعي.

وتابعت أن رضابور نوّه إلى أن المناطق المتضررة قد تشهد زيادة في معدلات هجرة السكان إلى مناطق أخرى، وهو ما قد يفضي بدوره إلى مشكلات جديدة في مجالي السكن والتوظيف.

أوضحت الوكالة أن مواجهة ظاهرة هبوط الأرض في خراسان رضوي تستدعي اعتماد مقاربة شاملة وتعاونا بين مختلف المؤسسات، مشيرة إلى أن من بين الحلول الرئيسية الإدارة الرشيدة للموارد المائية والاستغلال الأمثل لها. 

وأكدت أن السياسات يجب أن تتجه نحو الحد من استنزاف المياه الجوفية وتشجيع الاستفادة من الموارد السطحية ومياه الأمطار الموسمية.

وأوضحت أن هادي ناصري، الخبير في التعليم ونشر الثقافة البيئية، شدّد على أن رفع مستوى الوعي العام بشأن عواقب الهبوط وأهمية صون الموارد المائية أمر ضروري، لافتا إلى أن تنظيم ورش عمل ودورات تدريبية للمزارعين والسكان يمكن أن يسهم في تقليل الاستغلال المفرط للمياه.

وأضاف ناصري أن مستقبل خراسان رضوي في ظل هذه الظاهرة يعتمد بشكل كبير على الإجراءات الوقائية وإدارة الموارد المائية، محذرا من أنه إذا لم يُحسن التعامل مع هذه الأزمة، فقد تترتب عليها عواقب وخيمة للبيئة والاقتصاد والمجتمع.

وتابعت الوكالة أن ناصري أكّد ضرورة تعاون جميع الأطراف المعنية، من الحكومة إلى عامة الناس، في سبيل حماية الموارد المائية والحد من الهبوط، مشيرا إلى أن اتباع نهج شامل ومستدام هو السبيل الوحيد لضمان مستقبل آمن ومستقر لخراسان رضوي.

وبيّنت أن هذا الخبير أضاف أن تراجع مستوى المياه الجوفية قد يؤدي إلى زيادة تركّز الملوثات في هذه الموارد، بما ينعكس سلبا على جودة مياه الشرب.

وأشار إلى أن انخفاض منسوب المياه الجوفية يتيح للمياه الملوثة التسرّب إلى موارد مياه الشرب، مما يهدد الصحة العامة، معتبرا الهجرة من بين النتائج الأخرى لهبوط الأرض، إذ يمكن أن تؤدي هذه الظاهرة إلى انتقال السكان نحو مناطق أخرى وزيادة الكثافة السكانية فيها، الأمر الذي يفرض ضغوطا إضافية على موارد تلك المناطق.

منع حدوث الهبوط الأرضي

ذكرت الوكالة أن هادي ناصري اعتبر الإدارة المثلى للموارد المائية أحد أهم الحلول الرئيسية لمنع حدوث الهبوط الأرضي، موضحا أن ذلك يشمل ضبط استغلال المياه، واستخدام طرق الري الحديثة، والحفاظ على الموارد السطحية.

وأضاف ناصري أن اعتماد أنظمة الري الذكية يمكن أن يسهم في تقليل استهلاك المياه وتحسين كفاءة الزراعة، إذ إن هذه الأنظمة بفضل التكنولوجيا الحديثة قادرة على تلبية احتياجات النباتات المائية بدقة عالية.

وتابعت أن هذا الخبير في مجال التعليم ونشر الثقافة البيئية شدّد على أن سنّ قوانين وأنظمة صارمة بخصوص استغلال المياه والأنشطة العمرانية من شأنه أن يساعد في الحد من الهبوط، مشيرا إلى أن مراقبة الآبار ومنع حفر الآبار غير المرخصة أمر ضروري، ومؤكدا أن هبوط الأرض في خراسان رضوي يمثل معضلة خطيرة تتطلب اهتماما عاجلا وتحركا سريعا.

وبيّنت أن ناصري صرّح بأنه من خلال الإدارة الرشيدة للموارد المائية، والتوعية المجتمعية، والاستفادة من التقنيات الحديثة، يمكن المساهمة في الحد من هذه الظاهرة وحماية الموارد الجوفية، مضيفا أن التعاون بين الحكومة والمجتمع والقطاع الخاص يمكن أن يؤدي دورا بارزا في التصدي لهذا التحدي.

وأوضح أن التحديات لا تزال كثيرة، غير أن التخطيط السليم والإجراءات المناسبة يمكن أن يبعثا الأمل بمستقبل مستدام وخالٍ من الهبوط الأرضي في خراسان رضوي.

وختمت الوكالة تقريرها، بتأكيد أن صياغة وتنفيذ سياسات مستدامة في مجال استغلال الموارد المائية وصون البيئة تكتسب أهمية خاصة، بحيث تُصمّم هذه السياسات بما يوازن بين المصالح الاقتصادية والاجتماعية والحفاظ على الموارد الطبيعية، معربة عن الأمل في أن يؤدي العمل الجماعي والتعاون بين مختلف المؤسسات في خراسان رضوي إلى إدارة مستدامة للموارد المائية والوقاية من أزمات خطيرة مثل الهبوط الأرضي.