- زاد إيران - المحرر
- 71 Views
كتب: الترجمان
تواجه البنية الاقتصادية والتنموية في إيران منذ عقود طويلة تحديا هيكليا جسيما، يتلخص في “تضخم الجهاز الإداري وهيمنة الدولة شبه المطلقة على مجالات الأسواق، والتجارة، والإنتاج”. هذه الهيمنة الممتدة يرى خبراء الاقتصاد والفاعلون في الأسواق أنها استنزفت قوى القطاع الخاص الحيوي، وقوضت بالكامل مناخ المنافسة الشريفة، وتحولت إلى جدار بيروقراطي سميك يمنع تدفق الرساميل والابتكارات.
تقليص حجم الحكومة ضرورة ملحة
جاءت التصريحات الحازمة والمباشرة التي أدلى بها مهرداد لاهوتي، عضو لجنة التخطيط والميزانية في البرلمان، لتدق ناقوس الخطر وتضع الإصبع على الجرح الهيكلي للاقتصاد الإيراني. حيث أكد لاهوتي، في حديثه لوسائل الإعلام، على ضرورة تقليص حجم الحكومة بشكل عاجل وفوري، معتبرا أن استمرار الوضع الحالي هو استنزاف لمقدرات الدولة.
وطالب بنقل الأنشطة التنفيذية، والتجارية، والإنتاجية، والخدمية إلى عهدة القطاع الخاص المؤهل، ليتفرغ الجهاز الحكومي تماما لدوره السيادي والرقابي كمنظم وموجه للسياسات العامة لا كلاعب ومنافس في السوق.
هذه الرؤية النيابية حظيت باهتمام واسع النطاق في الأوساط الاقتصادية، وفتحت الباب على مصراعيه أمام تشريح معمق وشامل لأزمات الاقتصادين الوطني والمحلي، مسلطة الضوء على الكلفة الباهظة التي تدفعها البلاد جراء استمرار نمط الإدارة البيروقراطية الحكومية.

اختناق القطاع الخاص والتدخلات الفوقية
يوجد ارتباط وثيق بدعوة النائب لاهوتي لتفكيك المركزية الاقتصادية وتقليص ظل الحكومة، يرى مجتمع الأعمال والشركات الناشئة في غرف التجارة أن بقاء الحكومة في موقع “الرائد والمنافس الشرس” في السوق يجهض أي فرصة لولادة نمو حقيقي أو مستدام.
وفي هذا الصدد، يوضح علي أصغر بيكي، نائب رئيس غرفة تجارة وصناعة ومناجم يزد، أن الهياكل القائمة على الأوامر الفوقية، والتسعير الإجباري، والاقتصاد الإيعازي لم ولن تحقق أي نتائج ملموسة على أرض الواقع، إذ أثبتت التجارب التاريخية المحلية والعالمية أن استدامة الأسواق مشروطة بحرية المنافسة وتطبيق المعايير المهنية المستقلة.
وفي ظل الوضع الراهن، يجد المنتج والمبتكر والريادي أنفسهم مجرد أدوات تنفيذية مسلوبة الإرادة في صياغة قواعد اللعبة الاقتصادية، حيث تفرض عليهم القرارات الفجائية والأنظمة البيروقراطية قيودا تعيق الحركة والتوسع.
ويمتد هذا التحدي ليهدد أمن الأفكار الريادية؛ فكثيرا ما تتعرض المشاريع الناشئة والواعدة للمصادرة الفكرية أو الابتلاع الاقتصادي من قبل كيانات ضخمة مدعومة من الحكومة وذلك نتيجة مباشرة لغياب البيئة التشريعية المستقلة والحماية القانونية الفعالة التي تحمي الصغير من توغل الكبير المدعوم بالمال العام، مما يحول دون تشكل مناخ تنافسي صحي وقادر على البقاء.
جدار الـ 85% وحرمان الشركات المعرفية من شريان الاستثمار والتوريد
تظهر المؤشرات والتحليلات الإحصائية البنيوية أن سيطرة الحكومة والشركات شبه الرسمية على ما يقارب 85% من حجم الاقتصاد الوطني شكلت سدا منيعا وعائقا تاريخيا أمام تدفق رأس المال والسيولة النقدية نحو قطاعات التكنولوجيا والابتكار الحديثة.
ويشير علي فرشاد بور، عضو هيئة ممثلي غرفة تجارة يزد، إلى أن انسحاب الدولة صوب الدور الرقابي والتنظيمي الخالص -كما طالب لاهوتي- سيعيد بالضرورة توجيه الشرايين المالية والتدفقات النقدية نحو الاقتصاد المعرفي الذي يعاني حالياً من تهميش حاد، ويقبع في زوايا منظومة التمويل التقليدية التي تفضل إقراض الكيانات الحكومية الضامنة على دعم الأفكار المبتكرة.
وعند مقارنة هذا الوضع بالنماذج الدولية، نجد فارقا شاسعا؛ فالشركات التكنولوجية والابتكارية الصغيرة في الدول الصناعية المتقدمة تشارك بفعالية في أضخم المشروعات السيادية والدفاعية وفي صناعات الطاقة الثقيلة، بينما تظل سلاسل التوريد في الصناعات الإيرانية الكبرى مثل النفط، والغاز، والبتروكيماويات حكراً على شبكات مغلقة ومحددة مسبقا من الشركات الحكومية أو التابعة لها.
هذا الاحتكار والانسداد في سلاسل الإمداد يحرم آلاف الكفاءات الهندسية والشباب النوابغ في مجالات تكنولوجيا المعلومات، والميكانيك، وهندسة المواد من فرصة المشاركة الحقيقية، ويجعل لجوء بعض الشركات الكبرى للتعاقد مع الشركات المعرفية مجرد خطوة صورية وشكلية تهدف فقط للاستفادة من الإعفاءات الضريبية والمحفزات الحكومية دون إيمان حقيقي بقيمة الابتكار.

الابتكار كطريق مختصر لتعويض عقود الركود التنموي المتراكم
رغم تعقيد المشهد الهيكلي الراهن، يرى خبراء ومخططو التنمية في اقتصاد الابتكار الملاذ الأخير والوحيد لإنقاذ المؤشرات العامة وتحقيق قفزات تنموية تعوض سنوات الركود الماضية.
ويلفت محمد سبهر، الأمين العام لغرفة تجارة يزد، إلى أن أدبيات التنمية الحديثة تطرح مفهوم “المسارات المختصرة للنمو” بفضل التكنولوجيا؛ فالطريق الذي استغرق من الدول الصناعية الكبرى قرنا أو قرنا ونصف القرن لتقطعه، يمكن للاقتصادات الناشئة اليوم قطعه والوصول إلى غاياته في غضون ثلاثة إلى أربعة عقود فقط إذا ما أُحسنت إدارة ملف الابتكار ودعم الشركات الناشئة.
ومع ذلك، فإن البيئة الناشئة المحلية لم تتمكن حتى الآن من اختراق “سقف الزجاج” الذي تفرضه القيود الحكومية والتنظيمية؛ وحينما ننظر إلى الأسواق العالمية نجد أن الشركات التكنولوجية العملاقة قد أزاحت شركات النفط والتعدين التقليدية من صدارة أسواق المال، بينما في الداخل الإيراني لم تتمكن سوى شركات معدودة جداً من النمو الملحوظ، بينما تعاني الأغلبية العظمى من الفشل السريع.
وتشير البيانات الميدانية والمشاهدات داخل الواحات العلمية والتكنولوجية إلى أن أكثر من 80% إلى 85% من المشاريع الناشئة تنتهي بالفشل في مراحلها الأولى، أو تعيش في حالة “حياة نباتية” مستمرة، والسبب في ذلك ليس ندرة الأفكار بل غياب منظومة بيئية ديناميكية، حرة ومستقلة تماماً عن التدخل الإداري الحكومي، قادرة على جذب الاستثمارات الدولية وفتح آفاق التوسع الخارجي.

مأزق الاقتصاد النمطي وإجبار الصناعات التقليدية على التحول الجذري
على الجانب الآخر من المشهد، بدأت الحسابات والتحليلات داخل أروقة التخطيط الرسمي تدرك وتعلن صراحة أن نموذج الاقتصاد القائم على استنزاف الموارد الطبيعية وبيع المواد الخام قد وصل إلى نهايته الحتمية ولم يعد قابلاً للاستمرار.
يؤكد جعفر رحماني، نائب الإحصاء والتخطيط في هيئة الإدارة والمشروعات بمحافظة يزد، أن تسجيل متوسط نمو اقتصادي وطني يقل عن 1% طوال الخمسة عشر عاما الماضية، يتزامن مع نمو سنوي بمعدل 5% في استهلاك الغاز والكهرباء، هو الدليل القاطع على الأزمة؛ حيث تستهلك البلاد مواردها بشكل مرعب ومسرف دون خلق أي ثروة جديدة أو قيمة مضافة، وهو النتيجة الطبيعية لسياسات التسعير الإداري الإجباري وغياب كفاءة الإدارة تحت العباءة الحكومية.
خريطة طريق يزد.. نحو رفع مبيعات القطاع الخاص إلى 600 تريليون ريال
في محاولة جادة لترجمة هذه الرؤى التحريرية والتنظيمية إلى واقع ملموس وعملياتي على المستوى الإقليمي والمحلي، تبنت إدارة محافظة يزد خططا استراتيجية متوسطة المدى بهدف نقل الثقل الاقتصادي من حوزة الحكومة إلى كاهل القطاع الخاص المعرفي والشبابي.
ويكشف فاطمي أردكاني، مستشار محافظ يزد، عن ملامح خطة ثلاثية طموحة جرى صياغتها بالتعاون مع واحة العلوم والتكنولوجيا، وتستهدف قفز حجم مبيعات الشركات التكنولوجية والمعرفية في المحافظة إلى 600 تريليون ريال، وهو ما يتطلب تحقيق معدل نمو سنوي مضاعف تقريباً.
الغاية الكبرى من هذه الخطة هي رفع حصة ومساهمة الاقتصاد المعرفي الخاص في الناتج المحلي الإجمالي للمحافظة من نسبتها الهامشية الحالية التي لا تتجاوز 1% أو 2% إلى قرابة 20% أو 30%، لأنه ما دامت هذه النسبة ضئيلة فلن يتم التعامل مع الاقتصاد الرقمي والابتكاري بجدية من قبل صناع القرار. ويشدد أردكاني على أن دور الأجهزة الحاكمية والمسؤولين التنفيذيين في المرحلة المقبلة يجب أن ينحصر بدقة في ساحة “التسهيل، والوساطة الإيجابية، وإزالة العقبات البيروقراطية والقانونية” بدلا من التدخل الفج في شؤون الشركات أو محاولة إدارتها.

في النهاية، تتقاطع تحذيرات مهرداد لاهوتي بشكل وثيق مع واقع البيئة الناشئة المتعثرة؛ إذ يعكس مأزق الاقتصاد النمطي العجز الراهن للنموذج التقليدي عن الاستمرار دون رقمنة شاملة. لكن المفارقة الكامنة في المشهد الإيراني اليوم، هي أن إجبار الصناعات التقليدية على التحول الجذري يصطدم مباشرة بـ “السقف الزجاجي” للتنظيمات الحكومية.
فلا الاقتصاد الكلاسيكي قادر على البقاء بأدواته القديمة، ولا منظومة الشركات الناشئة ممنوحة الحرية الكافية لتقود قاطرة البديل التكنولوجي وتزيح عمالقة النفط والتعدين من الصدارة. وبناء على ذلك، تظل التصريحات الرسمية بمثابة إنذار أخير: إما تفكيك القيود وهدم السقف التنظيمي لتمكين الابتكار، وإما البقاء في أسر مأزق اقتصادي تتسع فجوته يوما بعد يوم عن حركة الأسواق العالمية.
