اشتباك “الدبلوماسية والميدان”: زلزال الجدل الإيراني حول مفاوضات إسلام آباد

كتب: الترجمان

تعيش العاصمة الإيرانية طهران على وقع حراك سياسي وإعلامي غير مسبوق، تجاوزت أصداؤه غرف الاجتماعات المغلقة لتصل إلى المنابر العامة وتجمعات الشوارع. فمنذ اللحظة التي حطت فيها طائرة الوفد الإيراني برئاسة محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، والساحة الإيرانية تشهد استقطابا حادا يتمحور حول سؤال جوهري: هل المفاوضات الحالية هي “تثبيت لانتصارات الميدان” أم أنها “فخ جديد للدخول في نفق التنازلات”؟ هذا التقرير يستعرض خارطة المواقف والتصريحات التي رسمت ملامح هذا الجدل الصاخب.

ارتباك في الرواية الرسمية: لغز الملف النووي في إسلام آباد

لم يكن الجدل حول مفاوضات إسلام آباد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل بدأ بتناقض صارخ في الروايات حول “جوهر” ما تم نقاشه. لقد فجر النائب محمود نبويان، عضو لجنة الأمن القومي بالبرلمان الإيراني وأحد الحاضرين في أروقة إسلام آباد، قنبلة سياسية حين وصف إدراج الملف النووي في المفاوضات بأنه “خطأ استراتيجي”. 

وحسب رواية نبويان، فإن مجرد السماح بطرح هذا الملف جعل الجانب الأمريكي أكثر جراءة، حيث طالب الجانب الإيراني بوقف تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% لمدة عشرين عاما، وتسليم 400 كيلوجرام من المخزون النووي، وهي مطالب وصفها نبويان بـ “المزاعم الفارغة” التي تم رفضها جملة وتفصيلاً.

في المقابل، برزت رواية مضادة حاولت لملمة شتات الموقف الرسمي؛ حيث سارعت وكالة “تسنيم” المقربة من الدوائر الأمنية إلى التأكيد بأن الهيئة الإيرانية لم تكن تملك أصلا تفويضا بالدخول في الملف النووي، مستشهدة بغياب ممثلي منظمة الطاقة الذرية عن الوفد.

وتضيف هذه القراءة أن المفاوضات تعثرت في دورتها الأولى تحديداً لأن الطرف الأمريكي حاول فرض مسألة “تعليق التخصيب” كشرط مسبق، وهو ما لم يكن ضمن استراتيجية الفريق الإيراني. 

هذا التناقض يضع المتابع أمام تساؤل كبير: كيف يمكن لمفاوضات تهدف لإنهاء حرب اندلعت أساساً بسبب النزاع النووي ألا تتطرق لهذا الملف؟ وهو التساؤل الذي تركته الدوائر الإعلامية مفتوحاً دون إجابة قاطعة.

Image

المؤسسة التشريعية وتحدي “التهميش” في زمن الحرب

على ضفة أخرى، كشفت تصريحات النواب عن حالة من الاحتقان داخل البرلمان ناتجة عن الشعور بالإقصاء. النائب أحمد بخشايش أردستاني، عضو لجنة الأمن القومي، قدم صورة كاشفة للوضع الراهن؛ حيث أشار إلى أن جلسات الصحن العام متوقفة، وأن معظم النواب يتلقون معلوماتهم من “رؤساء اللجان” الذين يتواصلون بدورهم مع الوزراء. 

وفي اعتراف صريح بضعف التنسيق، أكد أردستاني أن النواب لا يملكون ارتباطا خاصا بفرق التفاوض أو بالمجلس الأعلى للأمن القومي، مشيرا إلى أن توقيع 42 نائبا على رسالة احتجاجية يعكس غياب الشفافية والاطلاع على مجريات الأمور.

ويبرر أردستاني هذا المشهد بأن البلاد تعيش حالة “حرب”، وفي مثل هذه الظروف تكون القيادة بيد القوات المسلحة (الجيش والحرس الثوري) وليس السياسيين. ومع ذلك، لم يخلُ حديثه من نبرة انتقادية للأداء الحكومي، حيث أعرب عن أسفه لعجز الدولة عن الحفاظ على “الاستقلال المعيشي” للمواطنين في مواجهة التضخم، رغم إشادته بإدارة الأزمة بشكل عام. 

وقد لفت أردستاني إلى أن أي حديث عن “قطع الرسائل” مع واشنطن، كما صرح النائب علي خضريان، يجب أن يُفهم في سياق “الملف النووي” فقط، لأن الواقع السياسي يفرض استمرار القنوات الدبلوماسية عبر وسطاء مثل باكستان وعمان وروسيا لتثبيت ما وصفه بـ “النصر الميداني”.

Image

تصعيد المتشددين: لغة التهديد وهدم البيوت

في المقابل، لم تكتفِ التيارات الأكثر تشددا بالاعتراض السياسي، بل انتقلت إلى لغة الوعيد المباشر. وفي واحدة من أكثر التصريحات إثارة للجدل، أعلن النائب محمد تقي نقد علي، خلال التجمعات الليلية التي يحضرها أبناء الشعب الإيراني، أن “شروط وقف إطلاق النار قد نُقضت”. ووجه نقد علي تحذيرا شديد اللهجة لمن وصفهم بـ “حثالة الذل” الذين يحاولون فرض مفاوضات تخالف رؤية القيادة، مهدداً “بتهدم بيوتهم على رؤوسهم” إذا استمروا في هذا النهج.

هذا الخطاب الهجومي لم يسلم منه حتى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي وجد نفسه في مرمى نيران زملائه في جبهة بايداري. لقد حاول نقد علي والتيار الذي يمثله رسم “خط أحمر” حول المفاوضات، مدعيا أن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي هو من وقف وحيدا أمام “عجل سامري المفاوضات”. 

هذا التصعيد دفع محللين سياسيين، مثل أحمد زيد آبادي، للتساؤل باستنكار عن مصدر هذا “الشعور المفرط بالقوة” لدى نائب منفرد يجرؤ على تهديد رؤساء القوى وأعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي بالثأر الشخصي وهدم المنازل، معتبراً أن مثل هذه التصريحات تضعف هيبة الدولة وتثير الفوضى.

الرؤية الاستراتيجية للميدان: مضيق هرمز كأداة ضغط

من جانبها، قدمت لجنة الأمن القومي عبر متحدثها إبراهيم رضائي قراءة مختلفة تماما للمشهد، ترتكز على “فقه القوة”. يرى رضائي أن إيران ليست في حالة “هدنة” بل في “المرحلة الثانية من المعركة”، حيث فشلت أمريكا في الخيارات العسكرية والترور، وهي تحاول الآن فرض “حصار بحري رمزي”. 

وأكد رضائي بوضوح أن “تاريخ مضيق هرمز يجب أن يُقسم إلى ما قبل وما بعد 28 فبراير/شباط 2026″، في إشارة إلى فرض واقع جديد لا يسمح بعبور “لتر واحد من النفط” دون إذن إيراني.

وكشف رضائي عن تحرك برلماني لتشريع “عوارض وضرائب” على حركة السفن في المضيق، مؤكدا أن زمن المرور المجاني قد ولى. وبالنسبة لرضائي، فإن الذهاب إلى المفاوضات ليس لمنح امتيازات لترامب الذي يواجه ضغوطا داخلية هائلة، بل لإلزامه بشروط طهران العشرة، وأبرزها: الاعتراف الرسمي بحق التخصيب، ودفع تعويضات عن خسائر الحرب، والاعتراف المطلق بسيادة إيران على مضيق هرمز. وشدد على أن إيران اليوم تملك انسجاما تاريخيا وقدرات دفاعية نمت بشكل غير مسبوق خلال شهرين من القتال، مما يجعلها في وضع “المُملي للشروط” لا “المتلقي لها”.

Image

محاولات احتواء الانقسام: وحدة الجناحين

وسط هذا الضجيج، برزت أصوات عاقلة داخل التيار الأصولي تحاول منع انفجار الجبهة الداخلية. منصور حقيقت بور، النائب السابق والناشط السياسي، انتقد بشدة محاولات “الثنائية القطبية” (الميدان مقابل الدبلوماسية). وأكد حقيقت بور أن قاليباف في إسلام آباد لا يقل أهمية عن القادة الميدانيين مثل “مجيد موسوي”، قائد القوة الجوفضائية بالحرس الثوري، في ساحة النزال، فكلاهما يعملان تحت إشراف المرشد الأعلى الذي يقرر متى يهاجم الميدان ومتى تناور الدبلوماسية.

وحذر حقيقت بور من أن التشكيك في نزاهة الفريق المفاوض ووصفهم بـ “المساومين” هو “لعب في ملعب إسرائيل”. كما وجه انتقادات لاذعة لوسائل الإعلام الرسمية، مثل “شبكة أفق”، متهما إياها بمنح المنصة للمتطرفين لإلقاء تهم “الخيانة” و”السكوت عن الفتنة” على شخصيات وطنية مثل الشهيد علي لاريجاني وغيره.

ودعا حقيقت بور إلى منح الفرصة لكافة الأصوات للتعبير عن رأيها، مؤكداً أن “رجل الشارع” الإيراني لا يؤمن بهذا التشدد الأعمى، بل يدعم كل ما يحقق العزة الوطنية سواء عبر البندقية أو عبر طاولة الحوار.

مفاوضات تحت النار

يرى كثيرون أن إيران لا تفاوض في إسلام آباد من موقع ضعف، بل تحاول تحويل زخمها العسكري إلى مكاسب سياسية واقتصادية طويلة الأمد. ومع ذلك، يظل “العدو الداخلي” المتمثل في الانقسام الحاد والتهديدات المتبادلة بين التيارات السياسية هو التحدي الأكبر. 

فبينما يرى البعض في المفاوضات ضرورة “لتثبيت النصر”، يراها آخرون “رجسا من عمل الشيطان”. وبين هذين القطبين، يقف صانع القرار الإيراني أمام مهمة معقدة: موازنة طموحات “الميدان” مع ضرورات “الدبلوماسية”، في ظل حصار دولي وجدل داخلي لا يهدأ. 

الأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت “شروط طهران العشرة” ستجد طريقها إلى الورق، أم أن هدير المدافع سيعود ليكون هو اللغة الوحيدة المسموعة في المنطقة.

كلمات مفتاحية: