- زاد إيران - المحرر
- 706 Views
كتب: أمير عباس هدايت
انقطاعات الكهرباء تُعدّ من التحديات المهمة في مجال الطاقة بإيران، وتُلاحظ تأثيراتها بوضوح في القطاعات الاقتصادية والصناعية لها، هذه المشكلة لا تعطل فقط الحياة اليومية للمواطنين، بل تُعرّض أيضا استقرار الطاقة والتنمية الاقتصادية لمخاطر جدية.
وخلال الأسابيع الأخيرة، ومع إعادة نشر جدول انقطاعات الكهرباء المنزلية، يُطرح هذا السؤال: لماذا تعاني إيران من اختلال في التوازن الطاقي رغم امتلاكها لأكبر احتياطيات من النفط والغاز في العالم؟
حاليا، تبلغ نسبة اختلال توازن الكهرباء والغاز في ذروة الاستهلاك 33% و35% على التوالي من القدرة الإنتاجية لإيران، كما بلغ اختلال توازن البنزين والديزل على التوالي 20% و5% من القدرة الإنتاجية لهذين المصدرين من الطاقة، ووفقا للحسابات، يتسبب اختلال توازن الطاقة سنويا في خسارة تُقدَّر بحوالي 20 مليار دولار لإيران، وهو ما يعادل ضعف حصة الحكومة من عائدات النفط في عام 2025.

تشير إحصاءات شركة النفط “بريتيش بتروليوم” إلى أن إيران، بإنتاج يومي يبلغ 3.9 مليون برميل من النفط والمكثفات الغازية، تحتل المرتبة السابعة بين أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، وبسبب العقوبات، فإن أرقام الإنتاج الإيرانية غير رسمية؛ إلا أن آخر تقرير رسمي صادر عن وزارة النفط الإيرانية يذكر أن إنتاج النفط والمكثفات الغازية في إيران يبلغ 3,500,000 برميل و750,000 برميل يوميا على التوالي، وبمجموع 4.25 مليون برميل يوميا، مما يضع إيران في المرتبة الخامسة عالميا من هذه الناحية. كما أن إيران، باحتياطي غاز يبلغ 32.1 تريليون متر مكعب، تُعدّ ثاني أكبر مالك لاحتياطات الغاز في العالم بعد روسيا.
ورغم أن إيران تُعدّ الحادية عشرة عالميا في إنتاج الكهرباء السنوي بواقع 383 تيراواط ساعة، فإنها تواجه باستمرار خلال السنوات الأخيرة مشكلة اختلال توازن الكهرباء.
وبحسب إحصاءات “بريتيش بتروليوم”، فإن قدرة إيران الإنتاجية من الكهرباء الشمسية والرياح تبلغ على التوالي 500 و400 ميغاواط، وقد أنتجت إيران في عام 2023 نحو 2 تيراواط ساعة من الكهرباء المتجددة، أي ما يعادل 0.04% فقط من إجمالي الكهرباء المتجددة المنتجة في العالم. ويُظهر هذا الأمر أنه رغم الحصة الكبيرة لإيران في إنتاج المصادر الهيدروكربونية عالميا، فإن حصتها من مصادر الطاقة المتجددة تكاد تكون معدومة.
وقد كان الاتجاه العام لمؤشر تنوع سلة إنتاج الكهرباء في إيران خلال العقود الماضية يتجه نحو الانخفاض، ويُعدّ الاعتماد المفرط على الغاز الطبيعي أحد أسبابه الرئيسية إلى جانب انخفاض الاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة، ويجدر الإشارة إلى أن نحو 93% من نمو إنتاج الكهرباء في إيران خلال العقود الأخيرة كان يعتمد على الغاز الطبيعي، كما كان للاستخدام المتزايد للوقود الأحفوري، والنشاط غير القانوني لمزارع التعدين (الماينينغ)، والإفراط في الاستهلاك، والهدر الواسع للطاقة، دورٌ كبير في تعميق أزمة اختلال التوازن الطاقي في إيران.
أجرى موقع “زاد إيران” حوارا مع مهدي عرب صادق، خبير دبلوماسية الطاقة، حول هذا الموضوع، وفي ما يلي نص الحوار:
لماذا تعاني إيران باستمرار من أزمة اختلال توازن الكهرباء؟ هل يمكن أن يكون انخفاض سعر الكهرباء مقارنة بالدول الأخرى سببا في الإفراط في الاستهلاك ويُعدّ من العوامل المؤثرة؟
تُعدّ إيران من الدول القليلة في العالم التي تزوّد المستهلكين بالكهرباء بسعر أقل بكثير من تكلفة الإنتاج الفعلية، ففي الواقع، سعر الكهرباء للمستهلك النهائي في إيران أقل من خمس المعدل العالمي.
هذا الأمر وحده أدى إلى استهلاك مفرط وهدر واسع للطاقة، وفي ظل غياب نظام تسعير منطقي وعدم وجود حوافز للترشيد، يُستهلك جزء كبير من الكهرباء في البلاد في استخدامات غير إنتاجية، بل وحتى في أنشطة غير قانونية مثل تعدين العملات الرقمية.
إضافة إلى ذلك، فإن تهالك شبكات النقل والتوزيع، وضعف الاستثمارات في إنشاء محطات كهرباء جديدة، أدت إلى معاناة البلاد المزمنة من اختلال توازن الكهرباء، وقد بلغ حجم هذا الاختلال في إيران 25 ألف ميغاواط، ويتطلب معالجته استثمارات تتجاوز 40 مليار دولار، بافتراض بقاء الاستهلاك على مستوياته الحالية.

التعريفات الجديدة تشير إلى زيادة في أسعار الكهرباء هذا العام، ما تبعات هذه السياسة، وما أثرها على أسعار السلع والخدمات الأخرى؟
زيادة أسعار الكهرباء في إيران لا تُعدّ مجرد إجراء اقتصادي، بل تُعتبر قرارا سياسيا عالي المخاطر، فهذه الزيادة، لا سيما على الصناعات وقطاع النقل، ستؤدي إلى موجة جديدة من الغلاء واستياء شعبي واسع، وبسبب اعتماد سلسلة الإنتاج على الطاقة الرخيصة، فإن رفع سعر الكهرباء سيزيد من تكلفة إنتاج السلع، ما يؤدي إلى تضخم إضافي وتراجع أكبر في القوة الشرائية للمواطنين.
هذا التغيير قد يؤدي أيضا إلى تراجع صادرات إيران الصناعية إلى الدول العربية ودول المنطقة، إذ ستفقد المنتجات الإيرانية ميزتها التنافسية نتيجة ارتفاع تكلفتها،
ومن جهة أخرى، فإن قطاع الكهرباء في إيران، الذي يعاني حاليا من أكثر من 4 مليارات دولار من الديون والخسائر المتراكمة، لم يعد أمامه خيار سوى إصلاح التعريفات، إذ تبلغ خسائر اختلال توازن الكهرباء في إيران أكثر من 50 مليار دولار سنويا، وهو ما ينعكس بشدة على الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
ما تداعيات وقف استخدام المازوت في محطات الكهرباء بناء على اتفاقية باريس؟ وهل يمكن أن تؤدي هذه الخطوة، في ظل اختلال التوازن في الطاقة، إلى مزيد من مشاكل الإمداد الكهربائي؟
الاستخدام الواسع للمازوت في محطات الكهرباء كان كارثة بيئية بالنسبة للشعب الإيراني، لكن وقف استخدامه، خاصة في فصل الشتاء، يؤدي إلى انخفاض كبير في القدرة الإنتاجية للكهرباء، ويأتي هذا في وقت تعاني فيه البلاد من اختلال في توازن الغاز وتراجع في إنتاج الغاز الطبيعي، ما يعني غياب وقود بديل موثوق لمحطات التوليد.
وقد أدّت هذه التبعية الشديدة للمازوت، إلى جانب غياب تنمية في قطاع الطاقة المتجددة، إلى جعل أي تقييد في استخدام الوقود الملوّث مدخلا لأزمة كهرباء في البلاد.
وتتفاقم هذه المشكلة خصوصا في المحافظات الحدودية والمناطق ذات الغالبية العربية في جنوب إيران، حيث تزداد احتمالات انقطاع التيار الكهربائي على نطاق واسع، مما يهدد بتصاعد حالة السخط الاجتماعي.

ما الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الإيرانية لتوليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة؟ وما التدابير التي تقترحونها في هذا المجال؟
لقد وعدت الحكومة مرارا بتطوير الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لكن في الواقع، لا تزال حصة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء في البلاد أقل من 1%، ويرجع ذلك إلى غياب الدعم المالي، والسياسات غير المستقرة، وتركيز الحكومة على الوقود الأحفوري الرخيص، مما جعل إيران تتأخر عن دول المنطقة، بل حتى عن دول مثل الأردن والإمارات.
وأفضل الحلول في هذا المجال تتمثل في: فتح المجال للاستثمار الأجنبي، إصلاح نظام التعرفة، وتقديم دعم حكومي لإنتاج الكهرباء النظيفة. كما أن إنشاء شبكات توزيع ذكية، وإشراك القطاع الخاص بفعالية، يمكن أن يمهّد الطريق لتحوّل حقيقي في قطاع الطاقة.
ما حجم قدرة محطات الطاقة الكهرومائية في إيران؟ وهل تعتبرون سياسة الحكومة في إطلاق المياه من خلف السدود لتعويض نقص الكهرباء خلال الشتاء سياسة سليمة؟
تبلغ القدرة الإجمالية لمحطات الطاقة الكهرومائية في إيران نحو 12 ألف ميغاواط، لكن بسبب الجفاف وانخفاض منسوب مياه السدود، فإن أقل من 40% من هذه القدرة تكون فعّالة خلال فصل الصيف.
أما سياسة الحكومة في إطلاق مياه السدود لتوليد الكهرباء، فهي قرار حرج وعالي التكلفة، فمع أنه يسهم في تقليل نقص الكهرباء خلال فصل الشتاء، إلا أنه يؤدي إلى أزمة مياه شرب وزراعة في الصيف، خاصة في جنوب إيران، ولا سيما في محافظة خوزستان ذات الأغلبية العربية، وتُعدّ هذه السياسة غير مستدامة وقد تتسبب في توترات اجتماعية بل وأمنية في المناطق العربية من البلاد.
ما حجم استهلاك الكهرباء من قِبل أجهزة تعدين العملات الرقمية (الماينر)، وما الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة نشاط الماينر غير القانوني؟ وما الحلول المقترحة لتنظيم استهلاك هذه الأجهزة؟
يبلغ استهلاك الكهرباء من قِبل الماينر في إيران أكثر من 4000 ميغاواط، أي ما يعادل أربعة أضعاف إنتاج محطة بوشهر النووية، ويبقى هذا الاستهلاك ثابتا طوال العام.
جزء كبير من هذا الاستهلاك يعود إلى أجهزة غير مرخصة تعمل دون تصاريح، وغالبا ما تكون منتشرة في المناطق الحدودية، بل وحتى في بعض المساجد والمباني الحكومية.
ورغم تعهد الحكومة مرارا بمكافحة هذه الظاهرة، فإن سياساتها تجاه التعدين كانت مزدوجة، إذ تستفيد بعض الجهات الرسمية من هذا القطاع.
الحل الجذري يكمن في وضع تعرفة خاصة بالطاقة المخصصة لتعدين العملات الرقمية، ونقل هذه الأنشطة إلى مناطق ذات فائض كهربائي، وتنظيم عملية منح التراخيص.
وفي غياب هذه الإجراءات، فإن قطاع التعدين سيظل أحد العوامل الرئيسية وراء أزمة الكهرباء في إيران.

ما تأثير انخفاض صادرات الغاز إلى العراق على إنتاج الكهرباء في إيران؟
يُعدّ انخفاض صادرات الغاز إلى العراق، بالتزامن مع ارتفاع الاستهلاك المحلي في إيران، ناقوس خطر كبير لشبكة الكهرباء الإيرانية.
لطالما استخدمت إيران تصدير الكهرباء إلى العراق كوسيلة للحصول على العملات الأجنبية والتمويل، لكنها تضطر خلال الصيف والشتاء إلى وقف هذه الصادرات لتلبية احتياجات محطات الكهرباء المحلية.
هذا الوضع قد يؤدي إلى أزمة دبلوماسية بين طهران وبغداد، كما يُضعف مكانة إيران في سوق الطاقة الإقليمي.

أما داخليا، فإن خفض صادرات الغاز لا يُعدّ حلا كافيا لأزمة الكهرباء، إذ إن قدرة المحطات وشبكات النقل المتقادمة لا تتيح الاستفادة المثلى من هذا الوقود.
وتُعدّ هذه فرصة للدول العربية، خاصة الخليجية، للمشاركة في مشروع ممر نقل الكهرباء عالي الجهد بقدرة 765 كيلوفولت الذي يربط قطر بروسيا عبر إيران،
هذا المشروع يحقق لتلك الدول عائدا استثماريا خلال أقل من عامين، ويضمن لها إمدادات طاقة مستقرة وطويلة الأمد.
إن الأزمة الطاقية متعددة الأبعاد التي تعيشها إيران تفتح الباب أمام دول المنطقة لتطوير بنيتها التحتية في مجالات الكهرباء والغاز والطاقة المتجددة، ما يؤهلها لتصبح مركز الطاقة الجديد في المنطقة، ويقلل من اعتماد الدول الأخرى على إيران.
فإيران تقف اليوم على حافة أزمة هيكلية تتجاوز العقوبات والسياسات المؤقتة، وتحتاج إلى تحوّل جذري في نظام حوكمة الطاقة.

