- زاد إيران - المحرر
- 799 Views
ترجمة: دنيا ياسر نور الدين
أجرت صحيفة “هممیهن” الإيرانية الإصلاحية، الأحد 20 يوليو/تموز 2025، حوارا مع أحمد زيد آبادي، الصحفي والمحلل السياسي الإيراني، تناول تحليلا للأوضاع السياسية الداخلية في إيران بعد الحرب مع إسرائيل، وأسباب جمود السياسات رغم توقعات الشارع بالتغيير.
وفي ما يلي نص الحوار:
كيف تطور نهج السياسة الداخلية في إيران بعد الحرب مع إسرائيل؟
كل حدث كبير مثل الحرب يولّد روايات تعكس صورة معينة عن الواقع، هذه الروايات قد تلقى قبولا واسعا لدى عموم الناس أو لا، بعد الهجوم الإسرائيلي على إيران، طُرحت رواية معينة حظيت – فيما يبدو – بقبول واسع في المجتمع.
تتضمن هذه الرواية عدة أبعاد، من بينها أن الهجوم الإسرائيلي على الأراضي الإيرانية كان سيحدث سواء ردّت إيران أم لم ترد، وأن قضايا مثل البرنامج النووي أو الصواريخ والسياسات الإقليمية لم تكن سوى ذرائع، فيما كان الهدف الحقيقي هو إضعاف البنية الوطنية والسعي نحو تفكيك البلاد، جزء آخر من هذه الرواية يقول إن إيران تمكّنت من توجيه ردّ حاسم إلى درجة أجبرت الطرف الآخر على طلب وقف إطلاق النار، هذه الرواية لاقت قبولا عاما واسعا، حتى من قبل من ينتقدون أو يعارضون النظام.
هذا القبول أنتج نوعا من التلاحم الاجتماعي، تجلّى بشكل خاص في الفضاء الافتراضي، إلا أن بعض مؤسسات اتخاذ القرار أساءت فهم هذا التلاحم، فظنت أن الشعب تخلّى عن مطالبه المعتادة وصار مؤيدا لسياسات الماضي، ونتيجة لهذا الفهم، تم التمسك بسياسات وسلوكيات تقليدية بدلا من تعديلها.
في الواقع، كان كثير من المواطنين يأملون أن يقود هذا التلاحم إلى تغييرات داخلية ملموسة، خصوصا في المجالات التي يمكن اتخاذ قرارات بشأنها بسهولة، مثل الإفراج عن المعتقلين السياسيين، ورفع الحجب عن الإنترنت، وإنهاء الإقامة الجبرية المفروضة على ميرحسين موسوي، لكن لم تصدر أية إشارات تدل على تغير في نهج القضاء، بل إن الأمور سارت في الاتجاه المعاكس أحيانا.
على سبيل المثال، شخصيات أثارت حساسيات لدى المجتمع وكان يُظن أنها انسحبت من الساحة أو ستُحال إلى التقاعد بحكم سنها، عادت مجددا، مثل كاظم صديقي الذي ظهر مجددا في خطبة الجمعة، وأحمد جنتي الذي أُعيد تعيينه أمينا لمجلس صيانة الدستور. بعض الجهات اعتبرت أن قبول الناس بهذه الرواية هو أمر دائم ومستقر، في حين أن الأمر ليس كذلك، فإذا لم تُلبَّ التطلعات العامة، أو زادت التناقضات بين الرواية والواقع، فسيُضرب مصداق الرواية ويؤدي ذلك إلى نتائج وخيمة.
ما عواقب تجاهل التحذيرات التي أطلقها النخب السياسيون وعلماء الاجتماع من غياب رؤية واضحة لتغيير نهج السياسة الداخلية؟ وماذا يمكن أن يفعل الناس إذا استمر هذا المسار؟
في حالات الحرب، يكتسب الناس فاعلية، خصوصا عندما تدور الحرب على الحدود ويُطلب منهم التعبئة. في تلك الحالات، يتجلى دور الشعب إما في التطوع للجبهات أو الصبر على الضغوط.
لكن الحرب التي وقعت مؤخرا كانت حربا تكنولوجية، تُدار عن بعد، ولا يواجه فيها الناس عدوا مباشرا، في هذا السياق، أمام الشعب خياران منطقيان: إما التحمل والصبر، أو الانجرار وراء دعوات المعارضة الخارجية التي لا تريد فتح أي أفق، وتعمل على دفع الناس نحو اليأس والانفجار.
من الواضح أن حكومة نتنياهو كانت تراهن على انتفاضة شعبية، أو على الأقل تحرك الشرائح الساخطة، وكذلك فعلت بعض قوى المعارضة في الخارج، التي سخرت كل إمكانياتها لدفع الوضع نحو الفوضى.
ومن منظورهم، لم تنتهِ القصة بعد؛ لا يزالون يأملون أن تبقى المطالب الشعبية دون استجابة، وأن تزداد شدة القمع، وتتفاقم الأزمات، مما يدفع الناس نحو الانكفاء أو التمرد مثل هذا السيناريو، في حال حدوثه، سيزيد من الضغوط الخارجية ويرفع من احتمال تجدد الحرب ولذلك، فإن كل التحذيرات تستهدف منع الوصول إلى هذا الوضع.
لماذا لا تزال هناك رغبة في عدم تغيير النهج المتبع في السياسات الداخلية رغم كل هذه الأحداث؟
صحيح أن بعض التعديلات حدثت، مثل تعليق قانون الحجاب، ويبدو أن هذا القرار أصبح إلى حد ما راسخا.
هل يمكن القول إن التغيير قد حدث فعلا؟
التغيير لم يحدث بالمعنى الحرفي، لكن يبدو أن تعليمات صدرت إلى القوى الميدانية بضرورة التعامل بلطف مع الناس وعدم إزعاج المواطنين، المشكلة الأساسية، قبل أن تكون في صانعي القرار، تكمن في القاعدة الاجتماعية التي اعتمد عليها هؤلاء القادة حتى الآن.
هذه القاعدة بدأت تتشكل منذ عهد عهد حكومة الرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني، الذي قاد إيران بين عامي 1989 و1997 وسعى إلى تطبيق برامج واسعة للتنمية الاقتصادية وفتح السوق، وخاصة في أعقاب الحرب مع العراق، في الواقع، لمواجهة برامج التنمية الاقتصادية في عهد هاشمي والتنمية السياسية في حكومة الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، تم تنظيم حركة مضادة عارضت الإصلاحات.
حول هذه الحركة، تم تدريب أفراد وتعبئتهم كداعمين، ومع مرور الوقت، أصبح هؤلاء هم صانعو القرار الفعليون، أي أن الضغط الأساسي يأتي من هذه المجموعة على النظام، ولا تسمح بالتغيير، لأنها تعتقد أنه إذا تنازلت عن مواقفها المتشددة، ستفقد موقعها وامتيازاتها يعتقدون أنهم بفرض هذا الأسلوب من الضغط، مثل عودة السيد صديقي إلى إمامة صلاة الجمعة، يعززون مكانتهم، بينما في الواقع، هذا التصرف لا يساعدهم على المدى المتوسط سوى في زيادة إحباط وغضب الشعب.
هذه القوة لا تزال موجودة ونشطة، بل إنها تعتقد أن الحرب عززت موقعها، عندما تتحدث مع صانعي القرار، خصوصا في الحكومة، تجدهم يدركون المشاكل، لديهم مخاوف جدية، ويبحثون عن حلول، لكنهم عند نقطة اتخاذ القرار يخضعون لهذه القوة.
من الواضح أن هذه المشكلة تتطلب حلا بعض المتشددين في هذه الفصائل يتساءلون حتى عن سبب وقف إطلاق النار، مدعين أن إيران كانت قادرة على تدمير تل أبيب وحيفا، وأن وقف إطلاق النار حال دون ذلك.
المشكلة الرئيسية الآن هي هذه المجموعة، أعتقد أن النظام بحاجة إلى تغيير قاعدته الاجتماعية، وكان ينبغي، بعد انتخاب بزشكيان، أن يحدث تحول نحو قوى المجتمع الأكثر اعتدالا، لكن ذلك لم يحدث، لأن هذه المجموعات كانت قوية بما يكفي لمنع ذلك، علي لاريجاني ألقى خطابا في إحدى المناسبات التي يبدو أنها قريبة من تلك الدوائر التي رمت نحوه مهرا للصلاة.
مجرد دعوتهم له قد يكون، من وجهة نظرهم، نوعا من المرونة، لكن إجابات لاريجاني على أسئلتهم لافتة! على سبيل المثال، عندما سُئل عن المفاوضات، قال: “دعونا نترك” المرشد الأعلى يستخدم أداة التفاوض كتكتيك إذا لزم الأمر! من الواضح أنه يخشى ضغط ومعارضة هذه المجموعة.
هذه القوة منظمة بشكل كبير، وموجودة في جميع المراكز الإدارية والجامعية والعسكرية والأمنية، إنهم يعتقدون أن أي تغيير أو إصلاح سيؤدي إلى عزلهم وفقدان مواقعهم. وبما أنهم يرون أنفسهم أصحاب السلطة، فإنهم يمارسون الضغط في أي نقطة يرونها ضرورية.
المرشد الأعلى نفسه قال إن النظام، إذا لزم الأمر، سيدخل في مفاوضات أو حرب بقوة، لكن صحيفة “كيهان” لا تزال تعارض المفاوضات بشدة. قد يتم استدعاء بعض المتشددين من هذه القوى أحيانا وتوبيخهم، لكن بشكل عام، يتمتعون بحصانة، وهم العقبة الأكبر أمام الإصلاح والتحول والتغيير.

