مقترح عماني على طاولة المفاوضات.. محاولة جديدة للتوفيق بين إيران وأمريكا

عراقجي: إيران لا تزال تدرس ما إذا كانت ستشارك بالجولة المقبلة من المفاوضات مع أميركا – قناة الرشيد الفضائية

تشهد العلاقات بين إيران والولايات المتحدة في الآونة الأخيرة تحركات جديدة تهدف إلى كسر جمود ملف المفاوضات النووية، وقد جاءت الوساطة العمانية لتلعب دورا بارزا في محاولة تقديم حلول مبتكرة لتجاوز العقبات التي حالت دون إحراز تقدم خلال الجولات السابقة، ففي ظل تباين وجهات النظر وتعقيد الملفات المطروحة، تحاول الأطراف المعنية استكشاف سبل توافقية قد تمهد الطريق إلى تفاهم أوسع، رغم التحديات الكبيرة التي تحيط بالمفاوضات.

وفي إطار المحاولات الدبلوماسية، فقد عقدت الجولة الخامسة من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة يوم الجمعة 23 مايو/ آيار 2025 في العاصمة الإيطالية روما، بوساطة عمانية. وبعد انتهاء المحادثات، صرح وزير الخارجية الإيراني، سيد عباس عراقجي، بأن وزير الخارجية العماني بذل جهودا خلال هذه الجولة لتقديم حلول لإزالة العقبات القائمة وتحقيق تقدم، وقد تمت مناقشة عدة أفكار، كما أن الوزير العماني قدّم بعض المقترحات، وجرى الاتفاق على أن يخضع كل منها لمزيد من الدراسات الفنية من قبل الجانبين، قبل أن تُنقل إلى العاصمتين، من دون أن يترتب على أي طرف أي التزام في هذه المرحلة”.

                              مذاکرات پنجم در رم؛ خط قرمز غنی‌سازی تهران مشخص شد

وأضاف عراقجي “خطتنا هي دراسة هذه الأفكار والمقترحات الجديدة التي يمكن أن تكون مجدية، ومن المقرر أن يعرض الطرفان رؤيتهما بشأن هذه الاقتراحات، ثم يتم تحديد وتنظيم الجولة القادمة من المفاوضات. وآمل أنه إذا ما لاقت هذه الحلول قبولا في العاصمتين، فسنتمكن من الدخول في تفاصيل أعمق في الجولة القادمة”، كما أكد “برأيي، في ضوء النقاشات التي دارت والمقترحات العمانية لتجاوز العقبات، هناك احتمال لتحقيق تقدم”.

Two men shaking hands in a room

AI-generated content may be incorrect.

ما هو المقترح العماني؟

بهذا الشأن، صرح قاسم محب علي، المدير العام السابق لدائرة الشرق الأوسط بوزارة الخارجية، خلال حديث مع صحيفة سازندجي الأحد 25 مايو/أيار 2025، قائلا:  “إن ما تتمحور حوله فكرة أو مبادرة عمان لتجاوز العقبة الحالية قد يشمل مواضيع متعددة، ربما بينها مسألة التخصيب النووي والرقابة، إلى جانب كيفية تقليص العقوبات”، وأضاف: “يجب أن نأخذ في الاعتبار أن مسألة التخصيب في إيران أصبحت محورية، إذ يطالب الأمريكيون بتخصيب صفري، ويقولون إنه يمكن لطهران الاستفادة من الطاقة النووية، لكن عليها استيراد اليورانيوم المخصب كما تفعل باقي الدول”.

صحيفة الأيام - سياسي إيراني: هجمات الحوثيين بالبحر الأحمر لصالح إسرائيل

وتابع محب علي: “الحقيقة أن العمانيين يحاولون خلق توازن بين إيران والولايات المتحدة في ملف التخصيب، حتى تتمكن طهران من القول إن التكاليف التي دفعتها لم تذهب سدى، وفي الوقت نفسه يحصل الأمريكيون على ضمانات بأن التخصيب الإيراني لن يؤدي إلى السلاح النووي، لا سيما وأن المسؤولين الإيرانيين أكدوا مرارا أنهم لا يسعون إلى امتلاك أسلحة نووية. وهذا هو جوهر التفاوض”.

وأوضح: “وأما عن تفاصيل المقترح، فقد يقترح العمانيون وقف التخصيب مقابل السماح لإيران بإنشاء محطة نووية تستخدم اليورانيوم المخصب بنسبة 3.67% تحت رقابة دولية، أو من خلال كونسورتيوم دولي بمشاركة أو إشراف دولي. هذا قد يشكل حلا، ولكن طالما لا توجد محطة نووية فعلية أو استخدام واضح لليورانيوم المخصب، فإن مسألة التخصيب حتى 3.67% قد تظل موضع خلاف أو تصبح غير ذات جدوى. ومع ذلك، يُعرض على إيران التزام بأن لها الحق في التخصيب إذا تم حل هذه الإشكالات”.

من جانبه، قال عبدالرضا فرجي ‌راد، أستاذ الدراسات الجيو سياسة، خلال لقاء صحفي في اليوم نفسه: “لم تعلن بعد أية تفاصيل عن فكرة مسقط. ولا نعلم ما إذا كانت عمان قد طرحت خطة متكاملة، أم أنها مجرد مبادرة قيد الاحتمال. ومع تمسك الطرفين، الإيراني والأمريكي، بمطالبهما قبل انطلاق الجولة الخامسة في روما، يبدو أن العمانيين كانوا قد أعدوا مبادرة احتياطية لتقديمها في حال وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود. والآن يبدو أن الجانبين اطلعا على المبادرة، وقررا نقلها إلى عاصمتيهما لمزيد من الدراسة”.

عبدالرضا فرجی راد

وأضاف فرجي راد: “وبما اعتبرا الطرفين المبادرة العمانية إيجابية، فقد صرح كل من الإيرانيين والأمريكيين بأن الجولة الخامسة من المفاوضات غير المباشرة كانت جيدة، مما يعني أن المفاوضات ستستمر ولن تتوقف. وسيكون هناك جولات سادسة وسابعة وربما أكثر. من المحتمل أن تتضمن المبادرة العمانية مجموعة من الخطوات المؤقتة، بحيث يقدم الطرفان على إجراءات متبادلة تقود إلى اتفاق مؤقت، ثم يُبحث موضوع آلية العودة التلقائية للعقوبات وتُستأنف المفاوضات بعدها من دون توقف”.

من جانبه، قال كوروش أحمدي، الدبلوماسي السابق والمحلل البارز في السياسة الخارجية، في حوار مع صحيفة هم ميهن الأحد 25 مايو/أيار 2025، إن تصريحات عراقجي وتغريدة وزير خارجية عمان بدر البوسعيدي تشير إلى استمرار الخلاف حول التخصيب، لكن أفكارا جديدة طرحت حرّكت المحادثات، وأوضح أن هذه المبادرات نُقلت للعواصم بهدف تقييمها من قبل القيادات، ما يعني أنها كانت جديرة بالاهتمام. وتابع: “يبدو أن هذه الأفكار كانت كافية لدفع الطرفين لمواصلة الحوار، ولم تصدر أي إشارات سلبية منهما، مما يدل على أن مبادرة عمان كانت إيجابية”.

A person wearing glasses and a blue shirt

AI-generated content may be incorrect.

وحول طبيعة المبادرات العمانية، اقترح أحمدي عدة سيناريوهات، منها تعليق مؤقت للتخصيب، فمثلا تعليق إيران للتخصيب لمدة 6 أشهر إلى سنة، مع احتفاظها بالبنية التحتية، مقابل رفع بعض العقوبات، كذلك عرض مقابل مقابل، كأن تطالب واشنطن بوقف التخصيب مقابل رفع العقوبات الأولية والثانوية مثلا.

كذلك كان من ضمن السيناريوهات التي قدمها أحمدي هو تأجيل ملف التخصيب لنهاية التفاوض، حيث قال إن التركيز أولا سيكون على قضايا مثل البروتوكولات، التفتيش، العلاقات مع الوكالة، وأيضا عقد اتفاق مؤقت تتعهد فيه إيران بتقليصها للتخصيب بنسبة 60% أو خفض مخزونها، مقابل رفع جزئي للعقوبات أو الإفراج عن أصول مجمدة، كخطوة لبناء الثقة.

مستقبل المفاوضات.. بين التفاؤل واليأس

خلال حديث له مع صحيفة اعتماد، الأحد 25 مايو/أيار 2025، قال جواد إمام، المتحدث باسم جبهة الإصلاحات، أن اللحظة الفاصلة في الحوار الثنائي بين إيران والولايات المتحدة تكمن في المرحلة ما بين الجولة الخامسة والسادسة من المفاوضات الجارية، إذ يعتبر أن الدخول في الجولة السادسة سيكون مؤشرا حاسما على توافر الإرادة السياسية لدى الطرفين للتوصل إلى اتفاق، فالطرفان قد طرحا خلال الجولات السابقة أعقد وأصعب مطالبهما، وإذا تجاوزا هذه المرحلة فذلك يعني تجاوز العقبات الجوهرية وبلوغ مرحلة الاستعداد للتفاهم.

جواد امام

وخلال لقائه، شدد إمام على ضرورة أن تتعامل إيران مع المفاوضات بشفافية إعلامية، من خلال إشراك الرأي العام في تفاصيل العملية التفاوضية، كما يرى أن مشاركة الشعب لا تعني فقط تعزيز شرعية المفاوضات داخليا، بل هي أيضا وسيلة للضغط الإيجابي على الطرف المقابل، خاصة حين يدرك الأمريكيون أن المطالب المفرطة تمس الكرامة الوطنية لشعب موحد.

من جهة أخرى، يشير إمام إلى أن مفتاح نجاح أي اتفاق مستقبلي يكمن في إدراج البُعد الاقتصادي بشكل صريح، لا سيما فتح المجال أمام مشاركة الشركات الأمريكية في مشاريع الاستثمار داخل إيران. ويرى أن هذه الخطوة لا تمثل فقط ضمانا مستقبليا ضد انسحاب الإدارة الأمريكية من الاتفاق كما حدث مع ترامب في المرة السابقة، بل قد تكون أيضا حافزا له داخليا لمقاومة ضغوط الجماعات المعادية لإيران.

على الجانب الآخر، يرى تيار أخر في إيران أنه لا جدوى من المفاوضات، الأمر الذي عبرت عنه صحيفة كيهان الأصولية في مقالها للصفحة الأولى ليوم الأحد 25 مايو/أيار 2025، فكتبت: “رغم مرور 40 يوما على انطلاق الجولة الجديدة من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، فإن واشنطن لم تبد أي إشارات لحسن النية، بل على العكس، فرضت تسع حزم عقوبات جديدة خلال هذه الفترة القصيرة، ما يعكس استخدامها التفاوض كغطاء لتصعيد الضغوط بدلا من حل الخلافات، وهذا الواقع يثير تساؤل ملحا وهو ما جدوى استمرار مفاوضات تقابل فيها الإشارات الدبلوماسية بالعقوبات والتهديدات؟”.

A screenshot of a computer

AI-generated content may be incorrect.

وتتابع: “تاريخيا، تؤكد تجارب عديدة أن المفاوضات لا يمكن أن تثمر دون حسن نية متبادل، وإلا فإنها تتحول إلى أداة خداع وإرهاق سياسي، كما تجلى في تجربة بريطانيا مع ألمانيا النازية. السياسة الأمريكية تجاه إيران تكررت فيها نماذج الخداع والضغط، بدءا من تهديدات عسكرية وتسريبات حول عمليات تجسس وتخريب منشآت نووية، وصولا إلى العقوبات الاقتصادية التي زادت بعد خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي”.

وتكمل: “إضافة إلى ذلك، تستمر الدول الأوروبية الكبرى، مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا، في فرض إجراءات تنسجم مع الاستراتيجية الأمريكية، مما يفاقم من الضغوط على إيران”.

وأضافت: “على الرغم من ذلك، يستمر تيار غربي داخل إيران في الترويج للتفاوض كحل وحيد رغم غياب مؤشرات جدية لحسن النية الأمريكية، متجاهلا دروس الماضي والتجارب القاسية التي شهدها الشعب الإيراني من خلال التراجع الأمريكي وانتهاكات التزاماته”.