- زاد إيران - المحرر
- 42 Views
لم تعد قضية الوصول إلى الفضاء الرقمي في إيران مجرد مسألة تقنية أو خدمية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر القضايا ارتباطا بالحياة اليومية والاقتصاد والعلاقة بين المجتمع والدولة. ومع اتساع الاعتماد على الإنترنت في العمل والتعليم والتواصل والإعلام، بات أي تغيير في سياسات الاتصال ينعكس مباشرة على المزاج العام وحالة الاستقرار الاجتماعي. وفي ظل تصاعد الجدل الداخلي حول إدارة الفضاء الإلكتروني، برزت نقاشات حادة بشأن العدالة الرقمية وحدود الحريات العامة، وسط تحذيرات متزايدة من أن استمرار السياسات التقييدية قد يؤدي إلى تعميق الفجوات الاجتماعية وإضعاف الثقة بين المواطنين والمؤسسات الرسمية.
عبدي والإنترنت الطبقي.. نقد سياسي واجتماعي لسياسات التمييز الرقمي
فقد أثار المقال الذي نشره الكاتب والمحلل السياسي الإيراني الإصلاحي عباس عبدي حول الإنترنت الطبقي جدلا واسعا داخل إيران، بعدما قدم فيه واحدة من أكثر القراءات النقدية وضوحا للسياسات الرقمية التي تتبعها السلطات الإيرانية خلال السنوات الأخيرة، معتبرا أن ما يجري لا يتعلق فقط بتنظيم الوصول إلى الإنترنت أو إدارة الفضاء الإلكتروني، بل يمس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويهدد بتوسيع الفجوات الاجتماعية والسياسية داخل البلاد.
عبدي، الذي نشر مقاله في صحيفة اعتماد الثلاثاء 5 مايو/ آيار 2026، انطلق من فكرة أساسية مفادها أن الحرب لا تقتصر على ميادين القتال والسلاح، بل تشمل أيضا مجالات الاقتصاد، والثقافة، والتكنولوجيا، والاتصالات. وفي هذا السياق، اعتبر أن ميدان الإنترنت بات أحد أهم ساحات الصراع داخل إيران، بل ربما أكثرها حساسية وتأثيرا خلال العقدين الماضيين، فبرأيه، فإن الخسائر التي لحقت بعلاقة الدولة بالمجتمع بسبب سياسات الإنترنت والحجب والقيود الرقمية قد تكون أكبر من أي خسائر سياسية أو اجتماعية أخرى شهدتها البلاد.

ويرى عبدي أن الصراع حول الإنترنت في إيران ليس وليد اللحظة، بل هو صراع ممتد منذ دخول الإنترنت إلى البلاد، حيث تعاملت السلطات الإيرانية مع الفضاء الرقمي بوصفه تهديدا أمنيا وثقافيا أكثر من كونه فرصة للتنمية والتحديث. ومن هنا، فإن سياسات الحجب والرقابة والتقييد تحولت مع الوقت إلى سياسة دائمة، أنتجت حالة من الحرب المفتوحة بين الدولة والمستخدمين.
ويحمل الكاتب جزءا من المسؤولية للرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، الذي كان قد وعد خلال حملته الانتخابية برفع القيود عن الإنترنت وتحريره، لكنه، بحسب عبدي، لم ينجح في تنفيذ وعوده، أو حتى تقديم تفسير واضح لعدم تنفيذها. ويقول عبدي إن الناس شعروا بخيبة أمل كبيرة، لأن وعود رفع الحجب كانت من أبرز الشعارات التي جذبت قطاعات واسعة من الإيرانيين، خصوصا الشباب وأصحاب الأعمال الرقمية.
لكن عبدي لا يكتفي بانتقاد الحكومة، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، حين يؤكد أن إدارة ملف الإنترنت في إيران لا تخضع بالكامل للحكومة، وإنما تتحكم فيها أيضا مؤسسات وهيئات أمنية وسيادية تتجاوز سلطة وزارة الاتصالات. ولذلك، فإن أزمة الإنترنت في إيران تعكس، من وجهة نظره، أزمة أعمق تتعلق ببنية صنع القرار وطبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية ومراكز النفوذ الأخرى.

أخطر ما في طرح عبدي يتمثل في توصيفه للإنترنت الطبقي باعتباره بيعا للأمن وشكلا من أشكال الفساد المؤسسي، فالسلطات، وفقا له، بررت القيود الرقمية دائما بدواع أمنية، لكنها عادت وسمحت لفئات محددة بالحصول على إنترنت غير خاضع للحجب أو أقل تقييدا، مقابل رسوم مرتفعة أو امتيازات خاصة، وهذا يعني أن الحجب ليس ضرورة أمنية حقيقية، وإلا لما جرى استثناء بعض الفئات منه.
وفي هذا السياق، يهاجم عبدي فكرة الإنترنت برو أو الإنترنت الخاص بالأعمال، معتبرا أن تقديم إنترنت أكثر حرية لفئات محددة من الشركات والمؤسسات، مع إبقاء عامة الناس تحت القيود، يؤدي إلى تكريس التمييز الاجتماعي والاقتصادي. ويشير إلى أن السلطات بدلا من رفع القيود عن الجميع، ذهبت نحو خلق طبقات رقمية داخل المجتمع، بحيث يصبح الوصول الحر إلى الإنترنت امتيازا لفئات محددة فقط.
ويؤكد الكاتب أن هذه السياسات ستؤدي حتما إلى تعميق الشعور بالظلم والتمييز، لأن المواطنين سيشعرون بأنهم يعيشون في مجتمع من درجتين: فئة تمتلك إمكانية الوصول إلى المعلومات والمنصات العالمية بحرية، وفئة أخرى محاصرة بالحجب والرقابة وضعف الاتصال. ومن هنا جاء توصيفه الشهير للإنترنت الطبقي بأنه يشبه النمل الأبيض الذي ينخر المجتمع من الداخل، لأنه لا يخلق فقط أزمة تقنية، بل يضرب الثقة الاجتماعية ويقوض فكرة العدالة والمساواة بين المواطنين.

كما يركز عبدي على الجانب الاقتصادي للأزمة، مشيرا إلى أن الإنترنت المفتوح لم يعد ترفا، بل أصبح ركيزة أساسية للاقتصاد الحديث. ويقول إن القيود الرقمية والحجب الواسع تسببا بخسائر هائلة للشركات والأعمال الرقمية، وأضعفا فرص الاستثمار والتطور الاقتصادي. وبرأيه، فإن الإيرادات المحدودة التي قد تحققها الدولة من بيع الإنترنت الخاص أو الإنترنت الطبقي لا يمكن مقارنتها بالخسائر الكبرى الناتجة عن إضعاف الاقتصاد الرقمي.
وفي الأخير يحذر عبدي من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى نتائج سياسية خطيرة، لأن الشعور بالتمييز الرقمي قد يتحول إلى مصدر إضافي للاحتقان الاجتماعي. فحين يرى المواطن أن المسؤولين والسياسيين والإعلاميين وبعض رجال الأعمال يمتلكون إنترنت غير محجوب، بينما يفرض الحجب على عامة الناس، فإن ذلك يخلق شعورا واسعا بالنفاق السياسي وازدواجية المعايير.
أزمات الإنترنت في إيران.. الحجب والشرائح البيضاء والإنترنت برو وتأثيرها على السلام الاجتماعي
شهدت إيران خلال السنوات الأخيرة سلسلة متلاحقة من الأزمات المرتبطة بالإنترنت والفضاء الرقمي، بدأت بالحجب الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، ثم تطورت إلى ما بات يعرف بالإنترنت الطبقي «الشرائح البيضاء وأخيرا الإنترنت برو، ومع كل مرحلة جديدة، كانت تتزايد حالة الانقسام الاجتماعي والشعور بالتمييز داخل المجتمع الإيراني، حتى تحولت قضية الإنترنت إلى واحدة من أكثر القضايا ارتباطا بالعدالة الاجتماعية والاحتقان السياسي.
بدأت أزمة الحجب بشكل واضح بعد الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران في السنوات الأخيرة، حيث اتجهت السلطات إلى تقييد الوصول إلى العديد من المنصات العالمية مثل واتساب وإنستجرام واكس، فيما بررت السلطات هذه الإجراءات بأسباب أمنية وثقافية، معتبرة أن بعض المنصات تستخدم في إثارة الفوضى أو تهديد الأمن القومي.

لكن هذه السياسات خلقت آثارا اقتصادية واجتماعية واسعة، فآلاف الشركات الصغيرة والمتاجر الإلكترونية والناشطين في الاقتصاد الرقمي كانوا يعتمدون على تلك المنصات في أعمالهم اليومية، ومع الحجب تعرضت قطاعات كاملة لخسائر كبيرة. كما أصبح استخدام برامج تجاوز الحجب أمرا شبه يومي لملايين الإيرانيين، ما خلق مفارقة واضحة: الدولة تحظر المنصات، لكن المجتمع يواصل استخدامها بطرق غير رسمية.
وفي خضم هذه الأزمة، ظهر ما عرف بالشرائح البيضاء، وهي خطوط اتصال تمنح أصحابها إمكانية الوصول إلى إنترنت غير محجوب أو أقل تقييدا. وقد أثار هذا الملف غضبا واسعا بعدما كشفت تحديثات منصة اكس عن وجود شخصيات سياسية وإعلامية ومسؤولين يستخدمون هذه الخطوط، رغم أن بعضهم كان من أبرز المدافعين عن الحجب ومشروع الصيانة الذي يدعم تحجيم وصول الإنترنت.

هذا الكشف تسبب بصدمة داخل المجتمع الإيراني، لأن كثيرا من المواطنين شعروا بأن السلطة تفرض قيودا على الناس العاديين، بينما تمنح النخب السياسية والإدارية امتيازات خاصة. وازدادت حدة الغضب حين تبين أن بعض الشخصيات المرتبطة بالتيار المحافظ والمؤيد للحجب تمتلك وصولا حرا إلى الإنترنت العالمي.
وقد وصف كثير من النشطاء هذه الظاهرة بأنها شكل من أشكال التمييز الرقمي، حيث يتحول الإنترنت إلى امتياز طبقي بدلا من كونه خدمة عامة متاحة للجميع. وظهرت انتقادات واسعة لفكرة أن المسؤولين الذين يدافعون عن الحجب لا يطبقون هذه القيود على أنفسهم.
وفي هذا السياق، جاءت فكرة الإنترنت برو لتزيد الجدل تعقيدا، فالخدمة الجديدة التي طرحتها بعض شركات الاتصالات الإيرانية قدمت باعتبارها إنترنت أكثر استقرارا وأقل تقييدا، مخصصا لفئات محددة مثل الشركات وأصحاب الأعمال والأكاديميين. لكن الرأي العام رأى فيها امتدادا لفكرة الإنترنت الطبقي، حتى وإن حاولت الحكومة نفي ذلك.

وقد أعلنت شركات مثل ايرانسال عن باقات خاصة بأسعار مرتفعة، مع شروط تتعلق بإثبات النشاط المهني أو الأكاديمي، ورغم تبرير هذه الخدمات بالحاجة إلى ضمان استقرار الأعمال الرقمية، فإن كثيرين اعتبروا أن الدولة تنتقل تدريجيا من سياسة الحجب العام إلى سياسة الامتياز المدفوع.
هذا التحول كان له أثر كبير على السلام الاجتماعي داخل إيران، فحسب تقارير، فالإحساس بالتمييز لا يتعلق فقط بسرعة الإنترنت أو إمكانية الوصول إلى بعض المواقع، بل يرتبط بفكرة العدالة والمساواة بين المواطنين. وعندما يشعر الناس بأن الوصول إلى المعلومات بات امتيازا للنخب أو لأصحاب المال والنفوذ، فإن ذلك يضعف الثقة بالمؤسسات ويزيد الشعور بالتهميش.
كما أن التفاوت الرقمي يؤدي إلى تفاوت اقتصادي وثقافي. فالأشخاص الذين يمتلكون إنترنت غير محجوب يتمتعون بفرص أكبر في التعليم والعمل والتجارة والتواصل مع العالم، بينما يواجه الآخرون قيودا تجعلهم أقل قدرة على المنافسة أو التطور. وهذا ما حذر منه خبراء الاتصال والاقتصاد الرقمي في إيران، الذين أكدوا أن التمييز الرقمي سيتحول تدريجيا إلى تمييز اجتماعي شامل.
ومن جهة أخرى، أدى الحجب المستمر إلى نمو سوق ضخمة لبرامج كسر الحجب، ما خلق اقتصادا موازيا قائما على بيع أدوات الوصول إلى الإنترنت العالمي. وأصبح ملايين الإيرانيين يعتمدون يوميا على الشبكات الافتراضية الخاصة، في وقت تعلن فيه السلطات رسميا معارضتها لهذه البرامج. وهذه المفارقة عمقت بدورها أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع.

ويرى كثير من المحللين أن أزمة الإنترنت في إيران تجاوزت الجانب التقني، وأصبحت اختبارا سياسيا واجتماعيا يتعلق بشكل الدولة وطبيعة علاقتها بالمواطنين. فكلما توسعت الفجوة الرقمية بين النخب والعامة، زاد الإحساس بأن هناك مواطنين من درجات مختلفة، وأن الحقوق الأساسية لم تعد متساوية.
ولذلك، فإن الانتقادات التي وجهها عباس عبدي وغيره من المثقفين والإصلاحيين تعكس مخاوف أوسع من أن يؤدي الإنترنت الطبقي إلى ترسيخ الانقسام داخل المجتمع الإيراني. فبدل أن يكون الإنترنت وسيلة لتعزيز التواصل والتنمية، يتحول تدريجيا إلى أداة لإعادة إنتاج التفاوتات السياسية والاجتماعية.
وفي ظل استمرار الجدل حول الحجب والإنترنت الخاص والشرائح البيضاء، تبدو أزمة الإنترنت في إيران مرشحة لمزيد من التصعيد، خصوصا مع تزايد اعتماد المجتمع على الاقتصاد الرقمي والمنصات العالمية. وبينما تؤكد الحكومة أنها ترفض رسميا الإنترنت الطبقي، فإن الواقع العملي، كما يرى منتقدوها، يشير إلى وجود مستويات متعددة من الوصول الرقمي، وهو ما يجعل قضية الإنترنت واحدة من أكثر الملفات حساسية وتأثيرا على مستقبل الاستقرار الاجتماعي والسياسي في إيران.

