ناقد فني إيراني: السينما فقدت رسالتها وتحولت إلى سلعة.. والكوميديا السطحية تهيمن على الشاشات

ترجمة: سارة شعبان المزين

نشرت وكالة “خبر أونلاين” الإيرانية المحسوبة على مكتب علي لاريجاني، مستشار المرشد الأعلى، الأربعاء 2 يوليو/تموز 2025، حوارا لافتا مع الناقد السينمائي الإيراني كيوان كاشيريان، الذي وجّه انتقادات لاذعة للواقع السينمائي في إيران، مشيرا إلى الفراغ الذي تركته أعمالٌ جريئة كـ”مارمولك”، في سينما باتت تخشى التفكير وتُدار بعقلية تجارية بحتة.

وإلى نص الحوار:

رغم الإقبال الجماهيري، فإن الكوميديا الحالية لا تترك أثرا يذكر، عكس أفلام الماضي التي بقيت في الذاكرة. هل تعتقد أن هذا التحوّل في ذوق الجمهور كان مقصودا ومدبّرا؟

نعم، هذا صحيح. جزء كبير من المسألة يعود إلى أن الأفلام آنذاك كانت تتمتع بجودة عالية، أما اليوم فقد تراجعت الجودة بشكل واضح. أفلام مثل(مارمولك)مارمولك ،(ليلي با من است)  ليلى معي، (ورود آقایان ممنوع) ممنوع دخول الرجال، نماذج جيّدة من الكوميديا بعد الثورة. وبالطبع، كانت هناك أيضا أعمال بارزة قبل الثورة تستحق الذكر.

لكن ما أريد التأكيد عليه هو أن هذا النوع من السينما لطالما كان موجودا، وهو طبيعي في كل أنحاء العالم. فالأفلام التجارية الخفيفة تُشكّل جزءا من الصناعة، ووجودها ضروري لأن لها جمهورها.

النقطة الأساسية هنا أن الدول الأخرى لا تمنح نوعا واحدا فقط الهيمنة على السوق. تجد فيها إلى جانب الكوميديا، أفلام الرعب، والحرب، والتحقيق، والدراما، والرومانسية. أما في إيران، فيبدو أن هذا النوع وحده هو الذي بقي لنا!

ثم إن علينا ألا نسيء فهم الكوميديا؛ الكوميديا ليست فنّا سطحيا أو بسيطا كما يُعتقد أحيانا. بل هي من أصعب وأكثر الأنواع تعقيدا وجديّة. انظروا إلى الأعمال العالمية، فمستوى تقديم هذا النوع هناك في مستوى مختلف تماما. ولا نحتاج أن نذهب بعيدا؛ يكفي أن نذكر تشارلي تشابلن، الذي يُعد من أعمدة تاريخ السينما. لهذا، لا يجب أن ننظر إلى الكوميديا نظرة سطحية أو مبسّطة.

هل ما يُعرض اليوم على شاشات السينما يُعدّ فعلا كوميديا؟

برأيي، الجواب لا. وإن كان كذلك، فهو في أدنى مستوياته الممكنة. أغلب هذه الأعمال لا تتجاوز كونها كوميديا تجارية سطحية، تُخاطب اذواقا شعبية دون عمق يُذكر. لا أستخدم كلمات مثل “سخيفة” أو “مبتذلة” لأنني لا أؤمن بتوصيف الأمور بهذه الطريقة، لكن الحقيقة أن ما يُنتَج اليوم من كوميديا، يفتقر إلى القيمة والمستوى.

هذه الظاهرة تفاقمت منذ تفشي جائحة كورونا، حين بدأ الجمهور يهجر قاعات السينما. ومنذ عام 2019، سعت بعض الجهات إلى إعادة الناس إلى الصالات عبر هذه النوعية من الأفلام الخفيفة، مستهدفة جمهورا مثقلا بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ومع دخول كورونا على الخط، خلت قاعات السينما تقريبا، فبدأت موجة دعم كبيرة لأفلام الترفيه السطحي والسعي وراء شباك التذاكر. هذه الأعمال وجدت الدعم، وخصصت لها صالات عرض واسعة، وتلقّت دعما رسميا واضحا.

وبعد عام 2022، حين تراجع إقبال الناس على السينما بشكل كبير، استُخدمت الكوميديا كأداة لإعادة جذب الجمهور. غير أن هذا التوجه جاء على حساب السينما الاجتماعية الجادة والناقدة، تلك التي كانت تحمل رسائل حقيقية وتعكس هموم الناس.

لذلك تمّ تهميش هذا النوع من السينما، وحُرمت من شاشات العرض والدعم، بل لم تُؤخذ على محمل الجد، تحت ذريعة أن الناس لا يفضلون هذا اللون من الأعمال، وأنهم لا يريدون سوى الضحك والترفيه.

إذا، هل باتت الهيمنة بيد السينما التجارية والترفيهية فقط؟

الواقع أن الهيمنة انتقلت بالكامل إلى الكوميديا السطحية. فُتِح المجال واسعا أمام هذا النوع من الأفلام، التي توالت إنتاجا وعرضا دون توقف. بعض الممثلين النشطين في هذا اللون باتوا يشاركون في ما لا يقل عن عشرة إلى خمسة عشر فيلما في العام الواحد. 

موجة عارمة من هذه الأعمال اجتاحت الشاشات، سواء في صالات السينما أو على المنصات الإلكترونية، بأفكار هزيلة، أداء ضعيف، ونكات مستهلكة مأخوذة من تطبيقات التواصل مثل تلغرام وإنستغرام… ومع ذلك، وجدَت جمهورا.

لكن النتيجة، برأيي، هي أنه إذا سعينا لاستقطاب الناس إلى السينما بأي ثمن، سنصل إلى مرحلة تُفتح فيها أبواب النكات الجنسية، وتُنتج قصص سطحية وفارغة، ويُصنع الضحك من الخيانة والغيبة والعلاقات الفارغة. 

هذا النوع من السينما يمكن أن يكون موجودا، نعم، ولكن في الهامش. لا أن يتحول إلى الصورة العامة للسينما الإيرانية.

السينما الإيرانية التي كانت يوما ما منبرا للأفلام الجادة والعميقة والمضيئة، باتت اليوم تعتمد بشكل شبه كامل على هذه الأعمال الترفيهية ذات المستوى المتواضع.

هل يمكن القول إن الرغبة في إنتاج الأفلام الاجتماعية قد تراجعت؟

إنتاج الأفلام الجادة اليوم أصبح في غاية الصعوبة. التكاليف لا تعود، ولا أحد يغامر بصناعة فيلم قد لا يُعرض أو لا يُشاهد. كل هذا نتيجة السياسات التي فُرضت في الحكومة السابقة. 

قالوا للمخرجين أن الناس يحبون هذه النوعية، اصنعوا مثلها، وبهذه الطريقة، حتى مخرجين كبار مثل آقای عیاری جُرّوا إلى هذا المسار.

في الحقيقة، ما جرى كان تدميرا ممنهجا للسينما وضربا لجذورها. والأمر المثير للسخرية أن هذه الأفلام الكوميدية تفشل في العرض المنزلي، بينما الأفلام الجادة – من الميلودراما إلى الأعمال البوليسية بل وحتى العنيفة – تلقى رواجا. هذا يعني أن الجمهور لا يبحث فقط عن الكوميديا، كما حاولوا إقناعنا.

لكن الحكومة السابقة استغلت هذه الحجة لإقصاء السينما المفكرة والناقدة، وللأسف، نجحت في ذلك. أغلب ما يُعرض اليوم في دور السينما هو من إنتاج سنوات سابقة، مثل “پیرپسر”، “بی‌سر و صدا”، و اذا تم عرض “رکسانا”، فكلها من تلك الفترة. لم يتبقَّ شيء من السينما الجادة، وإن وُجد، فهو ضعيف أو محدود الجودة.

أما ما يُعرض اليوم في المهرجانات، فهو ما يُروّج له على أنه “الأفضل” في الكوميديا الجديدة، رغم أنه في الحقيقة لا يُقارن بما كانت تقدمه السينما الإيرانية في أيامها الجادة والمشرقة.

(صوره من فيلم ركسانا)

هل كان هذا الأمر مدبّرا؟

نعم، لقد كانت العملية مُدارة بشكل مقصود. فقد سعى السيد خزاعي والوزير في ذلك الوقت إلى اجتثاث جذور السينما الفكرية، حين دعوا الجميع إلى إنتاج أفلام كوميدية بحجة تحقيق الأرباح. ثم برّروا فشل بعض الأفلام بالقول إن الجمهور لا يريدها، وهو ما لا يعكس الحقيقة.

ففي الواقع، لم يتغير ذوق الجمهور. صحيح أن شريحة من الناس تبحث عن الترفيه وتشاهد هذه الأفلام، لكن قطاعًا واسعًا من الجمهور قد هجر دور السينما. هؤلاء لا يزالون يتطلعون إلى أعمال ذات قيمة، وحين لم يجدوها، قرروا الابتعاد عن السينما كليا.

إذا، هل تعني هذه الإيرادات أنّ جمهور السينما الحقيقي قد تراجع بالفعل؟

نعم، في الحقيقة، ذائقة الجمهور لم تتغير. ولو أُنتِج من جديد فيلم اجتماعي جيد، أو عمل ناقد ومتماسك، سيعود الناس إلى صالات السينما.

أنا شخصيًّا لم أشاهد فيلم «پيرپسر»، لكن بناء على ما سمعته من إشادات، آمل أن يلقى ترحيبا جماهيريّا.

لكن الواقع أن ما تم تدميره خلال أربع أو خمس سنوات لا يمكن إصلاحه بين ليلة وضحاها.

يجب منح الفرصة لصنّاع السينما الجادّين، أولئك الذين يتقنون صناعة الفيلم الجيد. لا تهمّني الأسماء، لكن حتى بين بعض الأفلام الكوميدية الأخيرة، وُجدت أعمال لم يكن متوقعًا منها هذا المستوى.

أفلام مثل «مست عشق» أو أعمال سعيد روستايي لاقت استقبالا لا بأس به مقارنة بغيرها.

ما هو حجم تأثير الرقابة في هذا السياق؟

الجمهور يرحب دائما بالأفلام الجيدة، لكن المشكلة أن الأفلام الجيدة غير متوفرة. الرقابة زادت الأمر سوءا، إذ يُقال من البداية إذا أردت العمل، فلتصنع كوميديا فقط.

كل الشباب الذين كانوا يعملون في السينما الجادة، اليوم يتلقون عروضا من الدولة ومن منظمة فارابي لصناعة الأفلام لصناعة أفلام كوميدية، وهذا واقع قائم.

نقطة مهمة أخرى، أن إيرادات أفلام الكوميديا اليوم انخفضت بشكل حاد مقارنة بالعام أو العامين الماضيين.

الجمهور تعرّض لرؤية وجوه وقصص مكررة كثيرة، فأصبح يشعر بالملل. الآن نلاحظ بوضوح منحنى هبوط المبيعات، وهذا بحد ذاته تطور مثير للاهتمام