شروط إيران للتفاوض مع الولايات المتحدة.. بين دعوات الحوار ومخاوف الثقة المفقودة

في أعقاب الحرب الأخيرة وما خلفته من تصعيد سياسي وعسكري واسع، يعود ملف العلاقات بين إيران والولايات المتحدة إلى الواجهة مجددا، وسط إشارات متباينة من الجانبين بشأن إمكانية استئناف المفاوضات، فبينما أعلنت واشنطن على لسان متحدثيها استعدادها للدخول في مفاوضات مباشرة مع طهران، فإن الأخيرة تتعامل بحذر مشروط، واضعة عددا من المطالب الأساسية كمدخل لأي حوار محتمل، فتطرح ما تصفه بصيغة تفاوض متوازنة ترتكز على مبدأ المصالح المتبادلة والاعتراف المتبادل، بدلا من الصيغ السابقة القائمة على الضغط الأحادي، ويأتي ذلك في سياق تحرك دبلوماسي أوسع تشهده المنطقة، من بوابة المفاوضات النووية المرتقبة في إسطنبول، والتي يتوقع أن تلعب دورا مهما في تحديد مسار المرحلة المقبلة من العلاقات بين طهران وواشنطن.

أمريكا.. مستعدون للتفاوض مع إيران

في أولى محاولات العودة إلى المسار التفاوضي، خرجت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، تمي بروس، الأربعاء 23 يوليو/تموز 2025، بتصريحات واضحة أكدت فيها أن بلادها مستعدة للتفاوض المباشر مع إيران، معتبرةً أن الفرصة متاحةٌ الآن أمام طهران لاختيار مسار السلام والازدهار.

مقام وزارت خارجه آمریکا: آماده مذاکره مستقیم با ایران هستیم!

وفي مقابلة صحفية نقلت عبر مجلة فوربس، قالت بروس: “كما صرح الرئيس ترامب، فإن الشعب الإيراني يمكنه أن يستفيد من مفاوضات تتم بنية حسنة، والكرة الآن في ملعبهم”، مضيفة أن الولايات المتحدة لا تزال تؤمن بضرورة التوصل إلى حل دبلوماسي للملف النووي الإيراني، لكنها تنتظر من طهران اتخاذ خطوات عملية لبناء الثقة.

ورغم هذه اللهجة التي تبدو مرنة نسبيا، لم تخفِ بروس استمرار سياسة الضغط على إيران، مؤكدةً أن بلادها لا تزال تنسق مع شركائها الأوروبيين، فرنسا وألمانيا وبريطانيا، بهدف ضمان عدم امتلاك إيران لأي سلاح نووي، السياسة التي طالما شككت طهران في صدق نواياها.

عراقجي: مستعدون للحوار لكن بشروط… والتفاوض المباشر مرفوض حاليا

هذا وكان عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، قد صرح خلال مقابلة له مع قناة فوكس نيوز الأمريكية، الاثنين 21 يوليو/تموز 2025، موضحا أن إيران لا تعارض الحوار، لكنها ترفض التفاوض المباشر مع واشنطن في الوقت الراهن.

‫مصاحبه کامل عراقچی با فاکس نیوز درباره توافق با آمریکا +زیرنویس - تابناک |  TABNAK‬‎

وقال عراقجي: “نحن مستعدون للحوار، ولكن ليس لمفاوضات مباشرة الآن، إذا تقدمت الولايات المتحدة نحو حل يضمن فوز الطرفين، فأنا مستعد للتفاعل”، كما أكد أن بلاده مستعدة لاتخاذ إجراءات لبناء الثقة، لإثبات أن برنامجها النووي ذو طبيعة سلمية، مشددا على أن إيران لا تسعى لامتلاك سلاح نووي.

لكنه في المقابل، أوضح أن أي خطوة من هذا النوع يجب أن تقابَل برفع فوري وشامل للعقوبات الأمريكية، وهو ما اعتبره شرطا أساسيا، وأضاف: “هذه ستكون صفقة رابحة للطرفين، لكن لا يمكننا خوض مفاوضات مباشرة، ونفضل الاستمرار في المسار غير المباشر”.

وفي رده على سؤال حول ما إذا كان يمتلك تفويضا من القيادة الإيرانية لعقد اتفاق محتمل، أجاب: “نعم، لدي التفويض الكامل، لكن أي اتفاق يجب أن يضمن حقوق إيران، لا سيما في تخصيب اليورانيوم، وهو حق لن نتخلى عنه تحت أي ظرف”.

شروط المفاوض الإيراني للتفاوض مع الولايات المتحدة

رغم انقسام الداخل الإيراني حول مسألة التفاوض مع الولايات المتحدة، فإنه ومن خلال تصريحات عراقجي وعدد من المسؤولين الإيرانيين، يمكن استخلاص أربعة شروط رئيسة وضعتها طهران كمدخل لأي تفاوض مع واشنطن، أولها الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، فقد أكد عراقجي، ومن قبله الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال مقابلة مع الصحفي الأمريكي تاكر كارلسون في 7 يوليو/ تموز 2025، أن التخصيب النووي يعد حقا أصيلا لا يمكن التنازل عنه.

فیلم کامل مصاحبه مسعود پزشکیان با تاکر کارلسون

كما أوضح عراقجي أن أي اتفاق يجب أن يضمن استمرار برنامج إيران في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، وأضاف أن التخصيب حاليا متوقف بسبب الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية جراء الهجمات الأخيرة، لكنه سيُستأنف، لأن هذا الملف بات متعلقا بالكرامة الوطنية على حد تعبيره.

الشرط الثاني يتمثل في رفض إدراج البرنامج الصاروخي الإيراني في المفاوضات، حيث أكد المسؤولين الإيرانيين من مختلف الهيئات الدبلوماسية والعسكرية أن بلادهم لن تقبل بأي اتفاق يتضمن قيودا على برنامجها الصاروخي، موضحين أن الصواريخ الإيرانية ذات طبيعة دفاعية فقط، وأنها تمثل أداة ردع أساسية في العقيدة العسكرية الإيرانية، كما أكدوا أن إيران لن تنزع سلاحها أبدا، وفي الوقت نفسه، فإنها لن تسعى لتسليح صواريخها برؤوس نووية.

الشرط الأهم بالنسبة للمفاوض الإيراني يأتي في رفع العقوبات بالكامل، فترى طهران أن بناء الثقة لا يمكن أن يتم إلا من خلال خطوات عملية من جانب واشنطن، على رأسها رفع جميع العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة عليها، كذلك فإن التفاوض دون رفع العقوبات ليس سوى إضاعة للوقت، وأن إيران لن تتنازل عن حقوقها مقابل وعود غير مضمونة.

Two men in suits standing next to a flag

AI-generated content may be incorrect.

والشرط الأخير هو احترام مبدأ الندية والاحترام المتبادل، فشدد المسؤولون الإيرانيون، على أن أي حوار مع واشنطن يجب أن يتم من منطلق الندية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وأن طهران لن تدخل في مفاوضات تُبنى على الإملاءات أو تحت التهديد.

الولايات المتحدة والدور الخفي في مفاوضات إسطنبول

في خضم هذا التصعيد الحذر، تستعد طهران لعقد اجتماع مهم مع الترويكا الأوروبية، ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، في العاصمة التركية بإسطنبول، يوم الجمعة 25 يوليو/تموز 2025. فوفقا لتصريحات المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، فإن الاجتماع سيكون على مستوى نواب وزراء الخارجية، وسيتناول رفع العقوبات والبرنامج النووي الإيراني، مع حضور نائب مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي.

ورغم أن الولايات المتحدة ليست طرفا مباشرا في الاجتماع، فإن تأثيرها يبدو حاضرا بقوة، ويظهر ذلك بشكل واضح من تصريحات الخارجية الألمانية التي أكدت أن هذا المسار منسق مع الولايات المتحدة، مشيرة إلى ضرورة منع إيران من امتلاك أي سلاح نووي.

A collage of different flags

AI-generated content may be incorrect.

هذا وقد ذكرت وكالة أسوشيتيد برس أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث لا تزال تنظر إلى الضغط التفاوضي كأداة فعالة، مشيرة إلى احتمال تفعيل آلية الزناد، آلية العقوبات الأوروبية على إيران، في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق بحلول نهاية أغسطس/آب لعام 2025، ما يعني إعادة فرض جميع عقوبات الأمم المتحدة على إيران.

ورغم هذا، تشدد طهران على أن الدول الأوروبية لم تلتزم بتعهداتها السابقة في الاتفاق النووي، لا سيما فيما يتعلق بتطبيع العلاقات التجارية بعد انسحاب ترامب من الاتفاق عام 2018، ما يضعف، من وجهة نظرها، أي أساس قانوني أو أخلاقي لتفعيل آلية الزناد.

حوار مشروط وثقة مفقودة

يتضح من التصريحات المتبادلة أن العودة إلى طاولة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة ليست مستحيلة، لكنها محفوفة بالشروط والشكوك، ففي الوقت الذي تبدي فيه واشنطن استعدادها للحوار، تضع طهران شروط صارمة لا تقبل التنازل عنها.

وفي قلب هذه الشروط، تبرز قضية السيادة النووية كأولوية إيرانية، في مقابل الضمانات الأمنية والعقوبات الاقتصادية التي ترى واشنطن أنها أدوات تفاوض ضرورية، ومع اقتراب موعد مفاوضات إسطنبول، يبقى السؤال الأهم هل تؤدي هذه التحركات إلى اختراق سياسي يجنب المنطقة انفجارا جديدا، أم أن الجمود سيبقى سيد الموقف حتى إشعار آخر؟

كلمات مفتاحية: