بين الحرب والاتفاق والهدنة الهشة.. سيناريوهات التضخم في إيران حتى منتصف 2026

في أوقات الحروب، لا تنتهي المعارك بانطفاء صوت السلاح، بل تمتد آثارها عميقا داخل الاقتصادات، حيث يبرز التضخم كأحد أكثر التحديات تعقيدا واستمرارا، فالتجارب التاريخية، من أوروبا ما بعد الحربين العالميتين إلى أزمات التسعينيات وما بعدها، تؤكد أن ارتفاع الأسعار ليس مجرد نتيجة عابرة، بل مسار طويل قد يعيد تشكيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية للدول.

وفي إيران، خلّفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية، التي استمرت أربعين يوما، أضرارا اقتصادية جسيمة، ورغم توقفها المؤقت بوقف إطلاق النار، فإن المخاوف من تصاعد التضخم خلال الفترة المقبلة لا تزال قائمة، ووفقا لتقرير “دنياي اقتصاد”، بتاريخ 15 أبريل/ نيسان 2026، أصبح مسار التضخم هذا العام مرتبطا بشكل غير مسبوق بالتطورات السياسية، حيث تبرز 3 سيناريوهات رئيسية: التوصل إلى اتفاق سياسي، استمرار الوضع الحالي “لا حرب، لا سلام”، أو العودة إلى التصعيد العسكري.

وتحمل هذه السيناريوهات تأثيرات متباينة بشكل كبير، فحتى في أفضل الاحتمالات، أي التوصل إلى اتفاق مستدام، يُتوقع أن يبلغ معدل التضخم نحو 49% بحلول منتصف عام 2026، أما في حال استمرار الحرب، فقد يصل التضخم إلى مستويات 3 الأرقام، بما يهدد بزعزعة الاستقرار الاقتصادي على نطاق واسع.

التضخم المزمن في إيران

يعاني الاقتصاد الإيراني من تضخم مزدوج الرقم منذ عقودإلا أن حدته تصاعدت بشكل ملحوظ منذ عام 2018، حيث دخل مرحلة جديدة من التضخم المزمن، فقد ارتفع متوسط التضخم السنوي من 18.5% خلال العقود الأربعة السابقة لعام 2017 إلى 43.5% خلال السنوات الثماني الأخيرة.

وسجل التضخم السنوي في مارس/ آذار 2025 مستوى غير مسبوق بلغ 71.8%، ما يعكس تدهور الأوضاع الاقتصادية حتى قبل اندلاع الحرب، وفي ظل غياب أي صراع عسكري، كانت التوقعات تشير بالفعل إلى استمرار التضخم أو تفاقمه، حيث قُدّر أن يبلغ نحو 50.6% في عام 2026، إلا أن الحرب الأخيرة جعلت مسار التضخم أكثر ارتباطا بالسيناريوهات السياسية القادمة، وفقا لأحدث البيانات الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني.

التضخم في سيناريو “لا حرب، لا سلام”

أحد السيناريوهات المحتملة هو استمرار وقف إطلاق النار الهش، وفي هذا الوضع، رغم توقف الصراع العسكري، تبقى القضية الأساسية بلا حل، مما يخلق حالة من عدم اليقين التي قد تؤدي إلى زيادة التضخم، البطالة، وتعميق الركود الاقتصادي، وأظهرت التجربة التي تلت نهاية الحرب التي استمرت 12 يوما في يوليو/ تموز 2025 أنه حتى في غياب الصراع المباشر، يمكن أن يؤدي استمرار حالة عدم الاستقرار إلى آثار سلبية على الاقتصاد.

 ووفقًا لوزير الاقتصاد، علي مدني ‌زادة، فإن التكاليف الاقتصادية لحالة “لا حرب، لا سلام” قد تفوق في بعض الحالات الأضرار المباشرة التي تتسبب فيها الحروب، وإذا استمر هذا الوضع بعد مفاوضات إسلام آباد، فإن قدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية ستتقلص بشكل أكبر، و في مثل هذه الظروف، قد يؤدي تزايد الفقر وعدم المساواة إلى زيادة الاستياء الاجتماعي، مما قد يعزز احتمالية عودة التوترات الخارجية.

وأكد علي مدني ‌زادة، في 13 أبريل/ نيسان 2026 خلال اجتماع مع رئيس وأعضاء اللجنة الاقتصادية للبرلمان، والذي عُقد لمراجعة أداء هذه الوزارة خلال الحرب والبرامج الاقتصادية للحكومة، أن تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، خصوصا تلك التي تتطلب تكاليف كبيرة مثل توحيد سعر الصرف، سيكون مصحوبا بصعوبات وتكاليف ضخمة، وإذا تم تأجيل الإصلاحات الهيكلية، فقد يدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة من الركود والتضخم.

وشدد على أن الحكومة قد خططت لسيناريوهات مختلفة وتم تصميم حزم اقتصادية لتناسب ظروفا مختلفة، وفيما يتعلق بأولويات وزارة الشؤون الاقتصادية والمالية قال: “إن تحسين سبل عيش الناس هو أهم أولويات وزارة الاقتصاد، ويتم اتباع سياسات وبرامج هذه الوزارة بهدف تخفيف الضغوط الاقتصادية على الأسر”.

Image

التضخم في سيناريو استمرار الحرب

في حال فشل المفاوضات واستمرار الحرب، فإن الهجوم على البنية التحتية الاقتصادية قد يؤدي إلى تصعيد الوضع بشكل أكبر، حيث تؤدي الحرب إلى زيادة التضخم من خلال عدة مسارات مثل زيادة العجز في الميزانية الحكومية، وضعف القدرة الإنتاجية، وتعزيز التوقعات التضخمية، وعندما تتعرض البنية التحتية العسكرية للهجوم، تضطر الحكومة إلى زيادة النفقات العسكرية لتعويض القدرات المفقودة.

كما أن الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية الاقتصادية، مثل الطرق والموانئ ومنشآت النفط والغاز ومحطات الكهرباء، تتطلب زيادة في الإنفاق على إعادة الإعمار، علاوة على ذلك، تزيد الحرب من التكاليف غير المدرجة في الميزانية الحكومية، وتعويض الأضرار الواسعة التي تلحق بالأسر والشركات المتضررة.

وفي النهاية، يؤدي الاضطراب في عملية الإنتاج من خلال زيادة البطالة والأضرار التي تلحق بالآلات وخطوط الإنتاج إلى تقليص العرض الكلي، مما يساهم في تفاقم التضخم نتيجة لزيادة السيولة النقدية وزيادة سرعة دوران الأموال.

التضخم في سيناريو الاتفاق السياسي

في حال تحقق الاتفاق السياسي، سيكون هناك فرصة لتنفيذ إصلاحات اقتصادية جذرية، مماثلة لتجربة ما بعد الاتفاق النووي عام 2015، كما أظهرت تجربة الأعوام من 2013 إلى 2017 مدى تأثير الاستقرار في السياسة الخارجية على التضخم، فقد كان التضخم في السنوات 2016 و2017 منخفضا بمعدل رقم واحد، رغم أن النمو في السيولة النقدية تجاوز 20%؛ ما يعكس أهمية السياسة الخارجية في التأثير على التضخم.

تحذيرات من التضخم الكبير في الاقتصاد الإيراني

من جانبه، أشار وحيد شقاقي، الأكاديمي والخبير الاقتصادي الإيراني في جامعة خوارزمي، إلى أن الأرقام الرسمية التي تم نشرها مؤخرًا وفقًا لأحدث البيانات الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني، تظهر وجود تضخم كبير في الاقتصاد الإيراني، حيث بلغ معدل التضخم السنوي 60%، بينما وصل التضخم الشهري في ديسمبر/ كانون الأول 2025 إلى 7.9%، وهو أعلى مستوى للتضخم الشهري في السنتين أو الثلاث سنوات الأخيرة.

وقدر ستيف هانكي، أستاذ الاقتصاد في جامعة جونز هوبكنز، بحسب تقرير دنياي اقتصاد، بتاريخ 14 أبريل/ نيسان 2026، معدل التضخم في إيران بنحو 92.3%، وكان هانكي قد أعلن سابقًا في عام 2018 عن معدل تضخم قدره 117%، معتمدا في حساباته على سعر العملة.

وفي المقابل، أعلن مركز الإحصاء الإيراني عن معدل تضخم سنوي قدره 44.6% وتضخم نقطي بلغ 60%، وعلى الرغم من أن هذه الأرقام أقل من تقديرات هانكي، إلا أن البيانات الرسمية تُظهر أن التضخم في السلع الأساسية مثل المواد الغذائية أعلى بكثير من المتوسط العام، حيث بلغ التضخم في المواد الغذائية 89.9%، مع ارتفاع التضخم إلى ثلاثة أرقام في بعض السلع مثل الخبز والفواكه.

فيما أوضح شقاقي أن حساب التضخم ليس بالأمر السهل، حيث لا يمكن لأي شخص تحديده بناء على سعر سلعة أو اثنتين فقط، خاصة في بلد مثل إيران الذي يعاني من التضخم المرتفع، وفي أغلب الدول حول العالم، يعتبر البنك المركزي المسؤول الرئيسي عن حساب التضخم، بينما في إيران، تتحمل كل من البنك المركزي ومركز الإحصاء هذه المهمة.

وتعد إيران واحدة من البلدان التي تعتمد على مرجعين رسميين للإعلان عن مؤشرات مثل التضخم والنمو الاقتصادي، وهما مركز الإحصاء والبنك المركزي، ورغم أن الأرقام التي تم نشرها في الآونة الأخيرة أصبحت أكثر توافقا بين الجهتين، إلا أن هناك اختلافات تظل قائمة، مما يؤدي إلى تردد وتشكك في دقة البيانات الصادرة من هاتين الجهتين.

وعلى الرغم من أن الأرقام الرسمية تشير إلى معدل تضخم سنوي قدره 44.6% وتضخم نقطي بلغ 60%، فإن العديد من المواطنين يشعرون بأن الأسعار قد تضاعفت أو ارتفعت بشكل كبير خلال العام الماضي، وفي تفسير هذا الفارق بين التضخم الرسمي والإحساس الشعبي، قال شقاقي إن سلة حساب التضخم تضم أكثر من 400 سلعة وخدمة، لكن الإحساس الشعبي غالبا ما يكون متأثرا بـ10 إلى 15 سلعة استهلاكية أساسية.

وأوضح شقاقي أن بعض السلع مثل الإيجارات، والنقل، واللبن، والدواجن، والخبز تلعب دورا رئيسيا في تشكيل الإدراك العام للتضخم، مشيرا إلى أن التضخم في المواد الغذائية قد وصل إلى 89.9%، وهو ما يزيد من حدة الإحساس الشعبي بارتفاع الأسعار.

وأوصى بضرورة أن تعمل الجهات الإحصائية على إنشاء مؤشر منفصل يركز على السلع الأساسية التي تشكل جزءا كبيرا من الاستهلاك اليومي للأسر، مما يساعد على زيادة الثقة العامة في الأرقام الرسمية ويحسن انعكاس التضخم المعنوي في المجتمع.

وفيما يخص التوقعات المستقبلية للتضخم، أشار شقاقي إلى أن الاقتصاد الإيراني سيظل يواجه تحديات كبيرة بعد إلغاء سعر الصرف التفضيلي في منتصف ديسمبر/ كانون الأول 2025، مما أدى إلى زيادات سعرية حادة، متوقعا أن يستمر هذا التأثير حتى نهاية العام، حيث يُتوقع أن يرتفع التضخم السنوي إلى أكثر من 45%.

وأضاف شقاقي: “إذا نجحت المفاوضات وتم تخفيف التوترات مع الولايات المتحدة، يمكن أن يتراوح التضخم بين 45% إلى 50% في أفضل السيناريوهات، ومع ذلك، إذا استمرت التوترات أو حدث تصعيد عسكري، فقد يصل التضخم إلى مستويات غير مسبوقة”.

نمو الاقتصاد الإيراني في المستقبل

أما فيما يتعلق بنمو الاقتصاد الإيراني، فقد أشار شقاقي إلى أنه من المتوقع أن يكون النمو الاقتصادي في العام الحالي قريبا من الصفر، وبالنسبة للعام المقبل، وفي حال تحقق السيناريو التفاؤلي، من المتوقع أن يكون النمو أيضا قريبا من الصفر، أما في حال حدوث السيناريو السلبي، فقد ينخفض النمو الاقتصادي إلى ما بين -2% إلى -3%.

وأضاف شقاقي أن النمو في العام المقبل سيعتمد بشكل أكبر على أداء القطاعات الاقتصادية الأخرى مثل الزراعة والصناعة والخدمات، أكثر من اعتماده على النفط، الذي كان حتى وقت قريب المحرك الرئيسي للاقتصاد الإيراني.

وفي ضوء ما سبق، يتضح أن الاقتصاد الإيراني يواجه مرحلة حرجة تتشابك فيها السياسة بالاقتصاد، حيث تلعب التطورات الإقليمية والدولية دورا حاسما في تحديد مسار التضخم والنمو، إذ أن السيناريوهات المختلفة، سواء التوصل إلى اتفاق سياسي، أو استمرار حالة “لا حرب، لا سلام”، أو التصعيد العسكري، تحمل آثارا كبيرة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

ومن هنا، تبرز أهمية الإصلاحات الداخلية كعنصر أساسي لضبط مسار الاقتصاد، والحد من تداعيات الصدمات الخارجية، وضمان حياة معيشية أفضل للمواطنين، وفي النهاية، يبقى الخيار السياسي والإرادة الاقتصادية هما مفتاح تجاوز الأزمة وتحقيق استقرار مستدام.