مضيق هرمز بين الورقة الرابحة والفخ الاستراتيجي… هل تنقلب أهم أدوات الضغط الإيرانية ضد طهران؟

في الأزمات الكبرى، لا تقاس قوة الدول بما تملكه من أدوات ضغط فحسب، بل بقدرتها على تحديد توقيت استخدامها، وضبط حدودها، وتحويلها إلى مكاسب سياسية قبل أن تتحول إلى عبء ثقيل. فالأوراق الاستراتيجية التي تبدو في لحظة ما مصدر تفوق قد تفقد قيمتها سريعا إذا طال أمد الأزمة أو اتسعت دائرة المتضررين منها. وبين منطق الردع ومنطق الاستنزاف، يصبح الفارق دقيقا بين استخدام القوة لبناء موقع تفاوضي أفضل، والانزلاق إلى مسار يفتح الباب أمام عزلة أوسع ومخاطر يصعب التحكم فيها. ومن هنا تبرز أهمية قراءة التحذيرات الصادرة من داخل النخبة السياسية الإيرانية بوصفها مؤشرا على إدراك متزايد لحساسية اللحظة، وخطورة ترك أدوات الضغط تعمل بلا أفق سياسي واضح.

جنتي يحذر…شيك هرمز يجب أن يصرف قبل أن يفقد قيمته

قدم على جنتي، الذي شغل منصب وزير الثقافة في حكومة الرئيس الأسبق حسن روحاني وابن أحمد جنتي رئيس مجلس صيانة الدستور، قراءة لافتة لطبيعة الحرب الجارية، خلال لقاءه مع موقع اقتصاد نيوز 29 إبريل/ نيسان 2026، معتبرا أن الولايات المتحدة لا تسعى في جوهرها إلى التفاوض بقدر ما تسعى إلى دفع إيران نحو الاستسلام، حيث قال إن التصريحات المتناقضة الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تكشف أن واشنطن تضع طهران أمام معادلة حادة، إما قبول المطالب الأمريكية، أو التعرض لهجمات جديدة تستهدف الجسور والبنية التحتية والمنشآت ومحطات الطاقة، فمن وجهة نظره، لا يمكن توقع اتفاق حقيقي ما لم يتغير هذا النهج الأمريكي.

Image

وفي تقييمه لمسار الحرب، يرى جنتي أن تحويل المواجهة إلى حرب إقليمية كان قرارا مناسبا من جانب إيران، لأن الاقتصار على الرد على إسرائيل وحدها كان سيجعل إيران مضطرة للرد من مسافة بعيدة، من دون أن تدرك الدول العربية حجم المخاطر التي تنطوي عليها استضافة القواعد الأمريكية أو الانخراط غير المباشر في الصراع. وبحسب جنتي، فإن الولايات المتحدة لم تكن طرفا محايدا في الحرب، بل شاركت فيها فعليا من خلال دعم إسرائيل بالطائرات والقواعد العسكرية، بل واستهداف المنشآت النووية الإيرانية في أصفهان ونطنز وفوردو.

وفي هذا السياق، يقسم جنتي مصادر القوة الإيرانية إلى ثلاثة أركان، الركن الأول هو القوة العسكرية، ولا سيما القدرة الصاروخية التي يعتقد أنها فاجأت الولايات المتحدة وإسرائيل بحجمها واستمراريتها وقدرتها على استهداف مراكز القوة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. أما الركن الثاني فهو العمل الدبلوماسي، الذي يربطه بجهود المجلس الأعلى للأمن القومي والحكومة ووزير الخارجية عباس عراقجي، مشيرا إلى أن زياراته إلى إسلام آباد ومسقط وروسيا وغيرها تعكس قناعة إيرانية بأنه لا بديل عن المسار الدبلوماسي. أما الركن الثالث فهو الدعم الشعبي، إذ يرى أن خصوم إيران كانوا يتوقعون خروج الشارع ضد النظام بعد بدء الهجمات، لكن ما حدث، بحسبه، كان العكس، حيث تجمعت فئات واسعة خلف فكرة الدفاع عن وحدة البلاد وسيادتها.

Image

غير أن أكثر ما يلفت في حديث جنتي هو تحذيره من سوء استخدام مضيق هرمز، فهو يعتبر أن إدارة إيران للمضيق حتى الآن كانت خطوة إيجابية، وأن السيطرة على هذا الممر تمثل ورقة ضغط كبرى ضد الولايات المتحدة. بل يذهب إلى القول إن مسألة هرمز بالنسبة لواشنطن أهم من تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، لأن إغلاقه أو تعطيله ينعكس فورا على أسعار النفط والبنزين والبتروكيماويات والسلع التجارية، ويؤثر في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الأسر الأمريكية نفسها.

لكن جنتي لا يتعامل مع هذه الورقة بوصفها مطلقة أو دائمة. فهو يحذر بوضوح من أن لكل ورقة ضغط تاريخ صلاحية، وأن عدم استثمارها في الوقت المناسب قد يؤدي إلى فقدانها قيمتها. ومن هنا تأتي عبارته اللافتة بأن على إيران أن “تصرف شيك مضيق هرمز بسرعة أكبر”، بمعنى أن المضيق لا ينبغي أن يبقى أداة تهديد مفتوحة بلا نهاية، بل يجب تحويله إلى مكسب سياسي أو تفاوضي قبل أن تتحول كلفة تعطيله إلى عبء على إيران نفسها.

Image

ويخشى جنتي تحديدا من أن يؤدي الاستخدام الخاطئ لهذه الورقة إلى نتائج عكسية. فإذا طالت الأزمة، وبدأت الدول المتضررة من ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الملاحة في تشكيل جبهة سياسية أو عسكرية ضد إيران، فقد تفقد طهران التعاطف أو التفهم الذي حصلت عليه في بداية المواجهة. وعندها لن ينظر إلى مضيق هرمز بوصفه أداة دفاع إيرانية، بل بوصفه تهديدا مباشرا للاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، وهو ما قد يفتح الباب أمام عزلة أوسع أو تدخل عسكري دولي أشمل.

القانون الدولي وحدود القوة… لماذا تحتاج إيران إلى عمان؟

تكمن معضلة مضيق هرمز في أن أهميته الاستراتيجية لا تمنح إيران وحدها حرية مطلقة في إدارته. فيصرح الخبراء أن إيران تملك بالفعل شريطا ساحليا مؤثرا على المضيق، وصحيح أن لديها قدرة عسكرية على خلق اضطراب كبير في حركة الملاحة، لكن المضيق ليس ممرا إيرانيا خالصا. فهو يتكون من مياه إقليمية إيرانية وأخرى عمانية، وقد تم ترسيم الحدود البحرية بين البلدين في عام 1974 على أساس خط الوسط، ما يعني أن جزءا كبيرا من حركة الملاحة، خاصة المسارات الرسمية العميقة، يمر من الجانب العماني.

Image

هذه الحقيقة القانونية والجغرافية تجعل الحديث عن إدارة إيرانية كاملة للمضيق أكثر تعقيدا مما يبدو في الخطاب السياسي. فإيران تستطيع، وفق قوانينها الداخلية وبعض تفسيراتها لقانون البحار، أن تطبق ترتيبات معينة في مياهها الإقليمية، مثل اشتراط إذن مسبق لعبور السفن الحربية أو السفن ذات الحمولة النووية، أو تعليق المرور في ظروف محددة. لكن توسيع هذه الإجراءات لتشمل الجانب العماني يتطلب تفاهما مع مسقط، وإلا فإن أي محاولة لفرض واقع أحادي قد تواجه اعتراضا دوليا واسعا.

ومن هنا تبرز أهمية الطرح الذي قدمه الدبلوماسي الإيراني السابق كوروش أحمدي، الدبلوماسي السابق، والذي يرى أن أي نظام خاص لإدارة المضيق أو فرض رسوم أو تحصيل مبالغ مقابل خدمات يجب أن يتم بالتفاهم بين إيران وعمان. فإذا توصل البلدان إلى صيغة مشتركة، يمكنهما تقديم بروتوكول أو آلية خاصة إلى المجتمع الدولي وطلب الاعتراف بها. أما إذا حاولت إيران فرض رسوم عبور أو إجراءات من جانب واحد، فإن ذلك سيصطدم غالبا باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تمنع فرض رسوم عبور على السفن، ولا تسمح إلا بتحصيل مبالغ مقابل خدمات محددة تقدم لسفن محددة وبناء على طلبها.

Image

هذا البعد القانوني مهم للغاية لأنه يكشف حدود تحويل مضيق هرمز إلى ورقة مالية أو سياسية مباشرة، فإيران قد تستطيع عمليا تعطيل الملاحة، لكنها قد لا تستطيع قانونيا تحويل العبور إلى مورد منظم من دون تفاهمات إقليمية ودولية. وهنا يصبح الفارق كبيرا بين القدرة على التهديد والقدرة على بناء نظام مستدام، فالأولى تعتمد على القوة العسكرية والردع، أما الثانية فتحتاج إلى شرعية قانونية وتوافقات مع الدول الساحلية والمستخدمة للمضيق.

هذا وتمنح المادة 43 من اتفاقية قانون البحار فرصة نظرية لبناء آلية تعاون، لأنها تدعو الدول الساحلية للمضائق والدول المستخدمة لها إلى التعاون من أجل تسهيل الملاحة ومنع التلوث. وقد استخدم هذا المنطق في مضيق ملقا، حيث أنشأت إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة عام 2007 آلية تعاون لجمع مساهمات طوعية من الدول وشركات الشحن، بهدف تمويل مشاريع السلامة البحرية والبيئة والملاحة. غير أن هذا النموذج يقوم على التطوع والتعاون، لا على الفرض أو الابتزاز.

Image

لذلك، فإن أي محاولة إيرانية لتحويل هرمز إلى أداة دائمة لتحصيل الأموال أو فرض التصاريح ستحتاج إلى صياغة دقيقة حتى لا تبدو كإغلاق مقنع أو ابتزاز للملاحة الدولية. وإذا غابت هذه الصياغة، فإن الورقة التي تراها طهران أداة ضغط قد تتحول إلى ملف قانوني تستخدمه الولايات المتحدة وحلفاؤها لتوسيع التحالف ضدها، بدعوى حماية حرية الملاحة والتجارة العالمية.

كما أن موقع عمان يمنحها دورا محوريا في أي ترتيب مقبل. فمسقط، التي اعتادت لعب دور الوسيط بين إيران والغرب، قد تكون الجسر الوحيد القادر على تحويل أزمة المضيق من مواجهة عسكرية إلى آلية تفاوضية. لكن إذا وجدت عمان نفسها أمام إجراءات إيرانية أحادية تهدد مياهها أو مصالحها أو علاقاتها الدولية، فقد تتحول من وسيط محتمل إلى طرف متضرر، وهو ما لا يصب في مصلحة طهران.

وبهذا المعنى، فإن مضيق هرمز ليس ورقة إيرانية خالصة، بل ورقة مشتركة بحكم الجغرافيا والقانون. قوة إيران فيه كبيرة، لكنها ليست مطلقة. وكلما تجاهلت طهران هذا الواقع، زادت احتمالات تحول المضيق من أصل استراتيجي إلى عبء سياسي وقانوني.

من أداة ردع إلى فخ استنزاف… كيف يمكن أن تنقلب ورقة هرمز؟

على أن الخطر الأكبر في أزمة مضيق هرمز لا يكمن فقط في احتمال اندلاع حرب كبرى بقرار واع، بل في أن تتدحرج الأحداث من حادث محدود إلى مواجهة واسعة. فالمضيق مساحة ضيقة ومزدحمة وحساسة، حيث تتحرك السفن التجارية والناقلات والقوارب العسكرية والطائرات المسيرة وأنظمة المراقبة في نطاق جغرافي محدود. وفي مثل هذا المسرح، قد تكون رسالة لاسلكية خاطئة، أو قارب سريع اقترب أكثر مما ينبغي، أو لغم مجهول المصدر، كافية لإطلاق سلسلة من الردود المتبادلة.

فإيران، حسب تحليلات، تدرك أنها لا تستطيع بسهولة هزيمة البحرية الأمريكية في مواجهة تقليدية مباشرة، لكنها لا تحتاج إلى ذلك كي تجعل الحصار مكلفا. تستطيع، عبر وسائل الحرب غير المتكافئة، أن ترفع كلفة الوجود الأمريكي وتزيد مخاطر التأمين والشحن وتدفع الشركات إلى تغيير مساراتها أو تعليق عملياتها. الألغام البحرية، القوارب السريعة، الصواريخ الساحلية، الطائرات المسيرة، السفن غير المأهولة، والتحذيرات البحرية، كلها أدوات لا تهدف بالضرورة إلى السيطرة الكاملة على المضيق، بل إلى خلق شك دائم حول أمنه.

Image

وهنا تكمن قوة الورقة الإيرانية وخطورتها في آن واحد. فكلما نجحت إيران في جعل الملاحة غير مضمونة، ارتفعت كلفة الحصار على واشنطن وحلفائها. لكن كلما زاد الاضطراب، زاد أيضا عدد الدول المتضررة. فالصين، مثلا، التي قد تستفيد سياسيا من إضعاف النفوذ الأمريكي، تعتمد في الوقت نفسه على تدفق مستقر للطاقة من الخليج. واليابان وكوريا والهند وأوروبا كلها ليست معنية بتحويل هرمز إلى ساحة دائمة للمساومة. وإذا شعرت هذه الدول بأن إيران تمسك بخناق الطاقة العالمي، فقد تنتقل من الحياد أو الدعوة إلى التهدئة إلى دعم ترتيبات بحرية تقودها واشنطن.

كما أن إطالة الأزمة قد تمنح الولايات المتحدة فرصة لإعادة تعريف الحصار لا بوصفه إجراء ضد إيران فقط، بل بوصفه مهمة دولية لحماية الملاحة. وكلما زادت حوادث التوقيف أو الهجمات أو التهديد بالألغام، أصبحت واشنطن أكثر قدرة على استقطاب قوى أوروبية وآسيوية للمشاركة في عمليات المرافقة أو إزالة الألغام أو المراقبة البحرية. وفي هذه الحالة، تفقد إيران جزءا من قدرتها على تصوير المواجهة كصراع ثنائي بينها وبين الولايات المتحدة، وتجد نفسها أمام جبهة أوسع عنوانها أمن الطاقة العالمي.

Image

من ناحية أخرى، لا يعني ذلك أن الحصار الأمريكي سهل أو مضمون النتائج. فواشنطن نفسها قد تقع في فخ استنزاف إذا تحولت مهمة مراقبة المضيق وتفتيش السفن ومنع صادرات النفط الإيرانية إلى عملية مفتوحة زمنيا. فكل يوم إضافي يعني تكاليف عسكرية، ومخاطر احتكاك، وضغوطا من أسواق الطاقة، وأسئلة داخلية حول جدوى التصعيد. وإذا لم يكن هناك مسار سياسي واضح يحدد ما الذي تريده واشنطن مقابل تخفيف الحصار، فإن الأداة العسكرية قد تتحول إلى سياسة بلا نهاية.

وهنا يعود جوهر تحذير جنتي. فمضيق هرمز ورقة رابحة فقط إذا كان استخدامها مضبوطا بغاية سياسية واضحة. أما إذا تحول إلى ساحة استنزاف مفتوحة، فإن قيمته التفاوضية قد تتآكل. إيران تستطيع جعل الإغلاق أو الاضطراب مكلفا للعالم، لكنها لا تستطيع تحمل تبعات ذلك إلى ما لا نهاية. اقتصادها نفسه يتضرر، علاقاتها الإقليمية تتدهور، وخطر المواجهة المباشرة يتصاعد.

كما أن الرهان على الصبر الاستراتيجي ليس مضمونا، صحيح أن إيران اعتادت العيش تحت العقوبات وبناء شبكات التفاف لبيع النفط ونقله بطرق غير مباشرة، لكن الحصار البحري الواسع، إذا ترافق مع رقابة مالية واستخباراتية وعسكرية مشددة، سيزيد كلفة هذه الشبكات ويقلص عوائدها. وقد تستطيع طهران بيع جزء من نفطها عبر الاقتصاد الرمادي، لكنها ستفعل ذلك بتخفيضات أكبر، ومخاطر أعلى، واعتماد أكبر على وسطاء وشبكات قابلة للاختراق.

Image

في المقابل، قد ترى القيادة الإيرانية أن قبول التراجع الكامل سيكلفها داخليا أكثر من التصعيد. فالنظام الإيراني يقدم نفسه باعتباره نظاما مقاوما للضغوط الأمريكية، وأي تنازل غير محسوب قد يقرأ داخليا وخارجيا على أنه هزيمة. لذلك قد تلجأ طهران إلى تصعيد محدود أو رمزي، مثل توقيف سفينة أو تنظيم عرض بحري أو فرض تصاريح عبور، للحفاظ على صورة الردع. لكن هذه الخطوات الرمزية قد تكون هي نفسها مصدر الخطر إذا أخطأ أحد الأطراف في تقديرها.

لذلك، فإن السؤال الذي يطرحه هذا المشهد ليس ما إذا كان مضيق هرمز ورقة قوية بيد إيران، أما السؤال الحقيقي الذي يطرح الخبراء ما إذا تستطيع إيران تحويل هذه القوة إلى مكسب سياسي قبل أن تتحول إلى عبء؟ هنا تبدو نصيحة جنتي شديدة الأهمية. فهو لا يدعو إلى التخلي عن الورقة، بل إلى استخدامها بعقلانية وفي توقيت مناسب. فالأوراق الاستراتيجية، حين تبقى على الطاولة أكثر مما ينبغي، قد تفقد قيمتها أو تصبح سببا في خسارة أكبر.

الخلاصة أن مضيق هرمز يقف اليوم بين احتمالين متناقضين. قد يكون جسرا نحو تفاوض جديد يخفف الحصار ويمنح إيران مكاسب سياسية وأمنية، وقد يتحول إلى فخ يستنزف الجميع ويزيد عزلة طهران ويمنح خصومها ذريعة لتدويل المواجهة. وبين الورقة الرابحة والفخ الاستراتيجي، تبدو المسافة قصيرة جدا، وربما لا تفصلها إلا حادثة بحرية واحدة أو قرار متسرع واحد.

كلمات مفتاحية: