روحاني يُشعل أزمة شرعية في طهران بعد تصريحاته ضد البرلمان

في مشهد سياسي يعكس عمق الانقسام داخل بنية النظام الإيراني، تفجّرت أزمة جديدة بين البرلمان والرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، إثر تصريحات للأخير شكّك فيها بشرعية البرلمان، وقدرته على تمثيل الإرادة الشعبية. 

هذه المواجهة، التي بدت في ظاهرها سجالاً سياسياً، تحمل في عمقها سؤالاً أكبر حول طبيعة الشرعية داخل النظام الإيراني بعد مرور أكثر من أربعة عقود على قيام الجمهورية الإسلامية، وحول حدود الصراع بين التيار المحافظ والمؤسسة الإصلاحية التي يمثلها روحاني.

روحاني يُشعل فتيل الأزمة

في مقطع مصوّر بثّه مؤخراً، وجّه حسن روحاني انتقادات لاذعة للبرلمان الإيراني، معتبراً أنه لا يمثل غالبية الشعب، وأن القوانين التي يصدرها تفتقر إلى الشرعية الشعبية، حتى وإن حظيت بمصادقة الهيئات الدستورية.
قال روحاني إن “ثمانين إلى تسعين بالمئة من الشعب يعارضون قرارات البرلمان”، وهو تصريح حمل طابعاً صدامياً أعاد فتح ملفات التمثيل السياسي والانتخابات البرلمانية التي شهدت أدنى نسب مشاركة في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

هذه التصريحات جاءت في وقت حساس، بعد أشهر قليلة من انتخاب مسعود پزشكيان رئيساً لإيران بدعم من التيار الإصلاحي، الأمر الذي أعاد الأمل إلى أنصار روحاني، لكنه في الوقت نفسه زاد من قلق المحافظين الذين يرون في عودة الخطاب الإصلاحي تهديداً لموازين القوى التي استقرت خلال السنوات الأخيرة.

ردّ البرلمان: من الاتهام إلى الهجوم

لم تتأخر المؤسسة التشريعية في الرد على روحاني، فقد شنّ عدد من النواب هجوماً واسعاً عليه، واعتبروا تصريحاته “إهانة لسلطة الشعب”.
المتحدث باسم هيئة رئاسة البرلمان، عباس كودرزي، اتهم روحاني بأنه المسؤول الأول عن الأزمات الاقتصادية التي تعيشها البلاد اليوم، مشيراً إلى أن سياساته خلال ثمانية أعوام من الحكم “عطّلت حركة التنمية الوطنية وربطت مصير الاقتصاد الإيراني بإرادة الأعداء”.
وقال كودرزي: “سياسات روحاني أوقفت عَجَلة أجهزة الطرد المركزي كما أوقفت عجلة الاقتصاد”، في إشارة إلى الاتفاق النووي الذي أبرمته حكومته مع القوى الغربية عام 2015.

وأضاف أن البرلمان والحكومة الحالية يعملان على “تصحيح المسار” و”إحباط مؤامرات الأعداء”، في حين يسعى روحاني ـ بحسب تعبيره ـ إلى “إثارة الرأي العام وتشويه صورة البرلمان”. وختم بالقول: “من يجلس في بيت زجاجي لا ينبغي له أن يرشق الآخرين بالحجارة”، في إشارة رمزية إلى ضعف الموقف الأخلاقي والسياسي لروحاني.

Image

اتهامات بالانفصال عن المجتمع

اتهم نواب آخرون الرئيس الأسبق بالانفصال عن الواقع الاجتماعي.
النائب كامران غضنفري عن طهران، قال إن روحاني “يقضي وقته في متابعة قنوات معارضة مثل بي‌بي‌سي وصوت أمريكا، بعيداً عن نبض الناس والمناسبات الشعبية”، مضيفاً أن تقديراته حول معارضة 90% من الشعب لقرارات البرلمان “لا تستند إلى أي استطلاع علمي أو ميداني، بل إلى أوهام شخصية”.

أما النائب إحسان عظيمي‌راد عن مشهد، فاعتبر أن غياب التيار الإصلاحي عن البرلمان الحالي “كان نتيجة عزوف أنصار روحاني عن صناديق الاقتراع”، مضيفاً أن “البرلمان يمثل الشعب كله، ومن يطعن في شرعيته يطعن في إرادة الأمة”.

الاتفاق النووي يعود إلى قفص الاتهام

عاد ملف الاتفاق النووي ليكون محور الهجوم الأساسي على روحاني.
فقد حمّله النواب مسؤولية الأضرار الاقتصادية والأمنية التي تلت توقيع الاتفاق، معتبرين أن رهانه على الغرب كان خطأً استراتيجياً. وأوضح النائب غضنفري أن “روحاني بدلا من الانشغال بتبريراته، عليه إعداد لائحة دفاع أمام القضاء لمحاسبته على سياساته التي كبّدت البلاد خسائر فادحة”.

من جانبه، أشار مالك شريعتی، النائب عن طهران، إلى أن روحاني “بعد فشل سياسة سناب باك التي صاغها مع ظريف، بدأ يهاجم الرئيس الحالي پزشكيان”، معتبراً أن ذلك “تناقض صريح”، لأن انتخاب پزشكيان نفسه تم بموافقة مجلس صيانة الدستور، وهي الجهة التي يشكك روحاني اليوم في قراراتها.

التصعيد الشخصي: “كم كانت نسبة أصواتك أنت؟”

بلغ الهجوم البرلماني على روحاني ذروته عندما تساءل النائب عليرضا سليمي موجهاً كلامه له: “كم كانت نسبة الأصوات التي حصلت عليها عندما كنت نائباً في البرلمان الأول؟”، مشيراً إلى أن روحاني نفسه لم يكن يحظى آنذاك بتأييد واسع.
كما شكك سليمي في المؤهلات الأكاديمية لروحاني، متسائلاً عن سبب وصفه نفسه بـ”دكتور” رغم أن وثائق البرلمان – بحسب قوله – تشير إلى أنه لم يكن قد نال شهادة الدكتوراه من بريطانيا في تلك الفترة.

التصعيد لم يتوقف عند حدود الخطاب، إذ نقلت صحيفة “آرمان ملي” أن بعض النواب رددوا هتافات “الموت لفريدون روحاني” داخل القاعة، في إشارة إلى الاسم الحقيقي للرئيس الأسبق، ما كشف عن مدى التوتر والانقسام في أروقة السلطة التشريعية.

Image

غياب المحاسبة ومبدأ “البيت الزجاجي”

يرى بعض النواب أن ما يصفونه بـ”جرأة روحاني المفرطة” ناتج عن غياب المحاسبة القضائية خلال السنوات الماضية.
النائب أبوالفضل أبوترابي عن نجف‌آباد، قال إن تجاهل القضاء متابعة ملفات روحاني، مثل “ازدواج الجنسية ونشر الأكاذيب حول نظام سويفت” و”الأوامر غير القانونية بوقف إنتاج اليورانيوم المعدني”، شجعه اليوم على مهاجمة البرلمان دون خشية من المساءلة.
أما النائب علي خزاعي فأكد أن روحاني يتحمل مسؤولية مباشرة عن التضخم والمفاوضات العقيمة، مشيراً إلى أن من “تولّى أعلى منصب تنفيذي في البلاد لا يحق له التقليل من شأن مؤسسات الدولة المنتخبة”.

وأضاف النائب محمد صالح جوكار من يزد أن شرعية البرلمان “مستمدة من القانون ومصادقة مجلس صيانة الدستور”، وأن تصريحات روحاني “لا تزيد إلا الانقسام بين أبناء الشعب”.

ما وراء الصدام: أزمة الشرعية والتمثيل

وراء هذا السجال السياسي الحاد، تكمن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الشرعية في النظام الإيراني. فبينما يستند المحافظون إلى مؤسسات الدولة الدستورية كدليل على شرعية البرلمان، يرى الإصلاحيون أن ضعف المشاركة الشعبية في الانتخابات الأخيرة يقوّض هذه الشرعية عملياً.
تصريحات روحاني، في هذا السياق، ليست مجرد جدل سياسي، بل محاولة لإعادة فتح النقاش حول معنى “الإرادة الشعبية” في ظل هيمنة المؤسسات غير المنتخبة، وهو نقاش ظلّ مؤجلا منذ احتجاجات 2009 وما تلاها من انغلاق سياسي.

في المقابل، يوظف البرلمان المحافظ هذا الهجوم لتثبيت موقعه في مواجهة التيار الإصلاحي الصاعد، وتأكيد أن البرلمان الحالي – رغم نسب المشاركة المنخفضة – يمثل الاستقرار والانسجام مع مؤسسات الدولة، لا سيما في ظل التحديات الاقتصادية والعقوبات المتواصلة.

تختزل الأزمة الأخيرة بين البرلمان وروحاني مشهد الصراع الداخلي في إيران بين شرعية دستورية وشرعية شعبية، وبين تيار يسعى إلى تثبيت الواقع وآخر يدعو إلى إعادة تعريفه.
وفيما يواصل كل طرف تحميل الآخر مسؤولية الانهيار الاقتصادي وتراجع الثقة العامة، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل يستطيع البرلمان، وهو يواجه هذا التشكيك الجوهري في تمثيله الشعبي، أن يستعيد ثقة المواطنين ويقود البلاد نحو إصلاح اقتصادي حقيقي؟
أم أن الأزمة الأعمق هي في بنية النظام ذاته، حيث لا تزال الشرعية موزعة بين مؤسسات متنافسة، ولكل منها تعريف مختلف لمفهوم “إرادة الشعب”؟