- زاد إيران - المحرر
- 583 Views
أجرت صحيفة شرق الإصلاحية، الأربعاء 13 أغسطس/آب 2025، حوارا مع السياسي البارز مشاء الله شمس الواعظين حول التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط وجهود نزع سلاح الفاعلين غير الحكوميين وأبعاد الهندسة الأمنية الجديدة في المنطقة، واستعرض خلال الحوار أهداف هذه العمليات وآثارها المحتملة على توازن القوى والأمن الإقليمي، وفي ما يلي نص الحوار:
برأيك، إذا وافق حزب الله على نزع سلاحه، فهل سيضمن ذلك استمراره كقوة سياسية في لبنان أم سيُرفض وجوده السياسي؟
لقد أشرت إلى نقطة مهمة جدا، فحينما تسعى السعودية وبعض الدول العربية الأخرى، والدول الأوروبية، والولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة إسرائيل، بشكل مستمر لنزع سلاح حزب الله في لبنان، وتضغط باستمرار على حكومة الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، فإن ذلك يدل على أن الهدف النهائي لديهم يتجاوز مجرد نزع السلاح، لكن القضية التي يجب أخذها بعين الاعتبار هي التناقض الموجود في هذا الموضوع.
ما هو هذا التناقض؟
إذا كانت هجمات إسرائيل قد دمّرت قيادة حزب الله وقدراته العسكرية كما يدّعي الغربيون والعرب، فلماذا يُمارس هذا الضغط لإجباره على نزع السلاح؟ هذا يوضح أن التهديد الذي يشكله الحزب لإسرائيل لم يتراجع رغم الهجمات والاغتيالات واستشهاد الأمين العام السابق لحزب الله اللبناني حسن نصر الله.
هل المسألة اليوم تتجاوز مجرد نزع السلاح؟
إن العملية التي شهدناها تُظهر ذلك بوضوح، فإذا كانوا يدّعون أن حزب الله ضعيف ومنهار على الصعيد العسكري والدفاعي، فلماذا يُمارس كل هذا الضغط؟ ومن جهة أخرى، فإن استمرار هذا الضغط لنزع السلاح يدل على أنه، على العكس من كل الدعاية والادعاءات، لا يزال حزب الله يمتلك قدراته العسكرية، بحيث أنه، وفق بعض التقديرات والتقارير العسكرية، حتى بعد فقدانه جزءا من قيادته وغياب نصر الله، يستطيع بسهولة السيطرة على شمال فلسطين المحتلة.
وهذا يدل على أن الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد فشلهما في بلوغ أهدافهما عسكريا، تسعيان إلى تحقيقها عبر الساحة الدبلوماسية من خلال الضغط على الحكومة اللبنانية، ويظهر جدية هذا الضغط حتى في ترتيبات المساعدات الاقتصادية والتجارية للبنان، ورفع بعض العقوبات، وخاصة على مصرف لبنان، والمساعدة في إعادة إعمار المناطق المتضررة جراء هجمات إسرائيل، والفرص الاقتصادية، كلها مرتبطة بشروط نزع سلاح حزب الله.
وكل هذا يدل على أن القلق الغربي، وبالأخص الإسرائيلي، من قوة حزب الله لا يزال قائما، ووفق تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، هناك جهد جاد حاليا عبر الضغط على حكومة بيروت لحسم هذا الملف مرة واحدة وللأبد، لذلك، وفق رأيي، المسألة لا تتعلق بسلاح حزب الله فقط، بل بالحياة السياسية والإيديولوجية المقاومة محورها، وهي جوهر كل هذه المخاوف.
إذا وافق حزب الله في النهاية على خطة نزع السلاح، فهل هناك ضمان لبقائه السياسي؟
إن الخطة التي تسعى الدول العربية والغربية، خاصةً الولايات المتحدة وإسرائيل، لتطبيقها عبر الضغط على حكومة لبنان لنزع سلاح حزب الله تنقض جميع الحقوق الأساسية للإنسان.
كيف؟
ابتداء من المادة 18 فصاعدا في ميثاق الأمم المتحدة، لا يحق لأي دولة سلب حق المقاومة من أي دولة أخرى ضد الاحتلال والمحتلين، واللافت أن الدول العربية نفسها، والولايات المتحدة، وأوروبا، وحتى إسرائيل، واعية بذلك، لكنها تحاول التحايل على هذه القوانين الدولية وحقوق الدول الأساسية في مواجهة الاحتلال، للضغط على حكومة لبنان لتجريد حزب الله من حقه في المقاومة.
واليوم ترتبط الوعود الغربية بالمساعدات السياسية والاقتصادية والمعيشية وإعادة الإعمار بنزع سلاح حزب الله، لكنها ليست سوى شعارات تهدف لدفع حكومة جوزيف عون ونواف سلام للإسراع في ذلك، أما الجنة التي يُوهم بها اللبنانيون بعد نزع السلاح فليست سوى سراب.
وكيف ترى رد فعل حزب الله على ذلك؟
طالما أننا نشهد احتلال جزء من أراضي لبنان من قبل إسرائيل، وتقوم الولايات المتحدة وأوروبا بدعم ذلك، فلا يمكن السماح بتغيير معادلات المقاومة، وبناء على ذلك، لا يرى حزب الله أي منطق في تسليم سلاحه طالما أن جزءا من أراضي لبنان تحت الاحتلال الإسرائيلي.
فالتاريخ يثبت أنه كلما قامت إسرائيل باحتلال جزء من أراضي دولة أخرى، لم تتخلى عنه طواعية أبدا، ولن تفعل ذلك إلا بقوة المقاومة، لذلك، من المؤكد أن الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية وإسرائيل لا يمكنهم فرض أو إملاء صيغة الاستسلام على حزب الله عبر ضغط حكومة بيروت.
هل صحيحٌ أن انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان مشروط بنزع سلاح حزب الله كما تدعي حكومة نواف سلام؟
إن الادعاءات الأمريكية حول انسحاب إسرائيل بعد نزع سلاح حزب الله مجرد أكاذيب، فإسرائيل لم تتراجع طواعية عن أي أراض محتلة، بما في ذلك جنوب لبنان وسوريا، والوسيلة الوحيدة لمواجهة هذا الاحتلال العدواني هي المقاومة، لذا يجب على حكومة جوزيف عون ونواف سلام الضغط على الأمريكيين لضمان تنفيذ قرار مجلس الأمن 1701 بانسحاب إسرائيل.
والجدير بالذكر أن الخطة الإسرائيلية والغربية لا تقتصر على نزع سلاح حزب الله، بل تربط ذلك برفع العقوبات والمساعدات وإعادة الإعمار، بهدف خلق انقسام داخلي وإضعاف دوره السياسي، وهذا التوجه يمتد إلى العراق عبر السعي لنزع سلاح الحشد الشعبي، وإلى فلسطين بمقترحات تجميد الجناح العسكري لحماس، ما يشير إلى مشروع أوسع لإعادة تشكيل النظام الأمني في الشرق الأوسط.
أي نوع من النظام الجديد تقصدون؟
إن النظام الجديد يستهدف القضاء على كل القوى التي تتبنى المقاومة ضد العدوان الإسرائيلي، بدءا بنزع السلاح وصولا للإقصاء السياسي والاجتماعي ومحو أيديولوجية المقاومة.
وهو ما تقوده إسرائيل والولايات المتحدة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ضد حزب الله والحشد الشعبي وحماس والجهاد وأنصار الله وإيران، وبنفس المنطق الذي استخدمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه البرنامج النووي الإيراني بطرح خيار القبول بشروطه أو التعرض للقصف، وكلاهما يؤدي للنتيجة نفسها.
هل تعتقدون أن أي اتفاق مع الولايات المتحدة قبل الحرب التي استمرت 12 يوما كان سيؤدي لنتيجة القصف نفسها؟
نعم، لأن الأمريكيين أظهروا أن ما لم يستطيعوا الحصول عليه من إيران على طاولة المفاوضات، حققوه عبر قصف المنشآت النووية، وبالمثل، لدى إسرائيل نفس الخطة لكل محور المقاومة في المنطقة: إما استسلام كامل أو نزع السلاح والقضاء على أيديولوجية المقاومة، مع العلم أن الاستسلام الكامل لا يختلف عن نزع السلاح.
كيف نحلل نجاح تركيا في نزع سلاح حزب العمال الكردستاني وضغوطها على حكومة أحمد الشرع لنزع سلاح الأكراد السوريين ضمن النظام الإقليمي والهندسة الأمنية الجديدة في غرب آسيا؟
إن الدول تسعى لرسم نظام إقليمي جديد وفق أيديولوجياتها؛ فإيران ركزت على محور المقاومة، وتركيا تحاول القضاء على مراكز التهديد مثل الأكراد قبل رسم نظامها الجديد، أما بعض الدول العربية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد أسست نظامها بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ضمن توسيع اتفاق إبراهيم، حيث لا خيار سوى الانضمام إليه أو مواجهة الإقصاء والعزلة، ضمن مبدأ السلام مقابل السلام.
هل يعني هذا أن شمس الواعظين يعترف بأن السلام مقابل الأرض كصياغة سابقة في المنطقة فقدت معناها؟
بالضبط، بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يعد لمفهوم السلام مقابل الأرض معنى، والنظام الجديد لإسرائيل والولايات المتحدة يعتمد على السلام مقابل السلام بمعناهم الخاص، فالدول التي تريد علاقات دبلوماسية يجب أن تنضم إلى اتفاق إبراهيم، وإلا تُصنّف على أنها متطرفة أو إرهابية، والمنطقة الآن تشهد ثلاثة أنظمة جديدة: نظام إيران، ونظام تركيا، ونظام عربي-عبري-غربي.
هل سيهيمن النظام الغربي-العبري-العربي أم نظام تركيا على منطقة الشرق الأوسط؟
على العكس من سؤالك، أعتقد أن وزن نظام محور المقاومة لم ينخفض، بل ازداد.
هل أثرّت حرب الـ12 يوما وعمليات الوعد الصادق والاتفاقيات الأخيرة على الوضع الإقليمي؟
نعم، فإذا أردنا رسم الصورة الأكبر للنظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط، فإن مكوناته وأُسسه واستراتيجياته العسكرية والأمنية تغيّرت وفقا لنظام محور المقاومة.
كيف؟ ما نوع هذا التغيير؟
قبل هذه التحولات، كان محور المقاومة قائما بشكل محوري، لكن بعد خطأ إسرائيل والولايات المتحدة الاستراتيجي في الهجوم على إيران، تشكّلت معادلات جديدة في المنطقة والعالم العربي والإسلامي، وفشلت جهود تطبيع العلاقات مع إسرائيل بسبب تجاوزاتها وعدم التزامها بالاتفاقات، ما دفع الدول العربية إلى الحذر والتردد في الانضمام لاتفاق إبراهيم.
في حرب الإثني عشر يوما، أنهت إيران أسطورة الانتصار الذي لا يُقهر لإسرائيل، ما أدى إلى تحول محور المقاومة من شكل محوري إلى شكل قاعدي، فأيديولوجية المقاومة صامدة وتتوسع في الدول العربية والإسلامية، من جاكرتا حتى شرق المتوسط، ما يجعل وزن نظام محور المقاومة أكبر من النظام التركي أو النظام العربي-الإسرائيلي.
أليست عبارتك هذه تميل قليلا إلى الطرح الراديكالي وتعتمد على روايات عاطفية أو أيديولوجية أو حتى حنينية؟
إن تحليلي المبني على معطيات ما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 يرى أن إيران، عبر عمليتي وعد صادق وحرب الـ12 يوما، كسرت أسطورة تفوق إسرائيل، وأن قوتها لا تتراجع حتى دون دعم حلفائها، إذ انتقلت أيديولوجية المقاومة من النطاق المحوري إلى القاعدي وانتشرت أفقيا في العالم الإسلامي، وتسارعت بعد حرب الـ12 يوما، وسط تحذيرات عربية من تناميها.
مع احتمال بروز ربيع عربي أو إسلامي جديد يرتكز على مقاومة الاحتلال ويمتد لغرب آسيا وشمال إفريقيا، حيث تملك الشعوب أدوات لتغيير موازين الحكومات والقوى الكبرى.
إن تغيّر موازين القوى بعد حرب الـ12 يوما ورد إيران على إسرائيل شجّع دولا عربية على تصور إمكانية تعديل المعادلات العسكرية لصالحها، فيما تتحرك دول أوروبية وأستراليا وكندا ونيوزيلندا وهولندا للاعتراف بدولة فلسطينية وفق قراري الأمم المتحدة 242 و338، ما يضع على بريطانيا عبئا سياسيا وقانونيا وأخلاقيا بسبب وعد بلفور.
ومع تصاعد جرائم غزة، تزايدت الحاجة لتنفيذ هذا الالتزام، بينما بات النظام العربي-الغربي-العبري المرتبط باتفاقيات أبراهام محل شك، ومشاريع نزع السلاح تهدد بإدخال المنطقة في دوامة دائمة من انعدام الأمن وتصاعد الراديكالية.
لماذا؟
إن النظام الإقليمي والعالمي الجديد يدفع نحو عدم الاستقرار، وطرح السلام مقابل السلام دون مقابل يخلق نظاما بلا أمن أو ثبات، نوزع السلاح يهدف لتشكيل نظام قد ترفضه المنطقة، فيما تسعى إسرائيل والولايات المتحدة للتخلص من النظام الذي أنشأه محور المقاومة بعد العدوان على إيران، لعلمهما بتغير شكله وتوسعه المنظم.
هل سيؤدي المسار الحالي إلى نزع سلاح حزب الله والحشد الشعبي والفصائل الفلسطينية؟
أرى أن نزع السلاح في فلسطين أو العراق أو خصوصا لبنان مرتبط بعوامل معقدة ولا يخضع بالكامل لإرادة الغرب، وحزب الله لن يتخلى عن سلاحه قريبا إلا إذا تغيرت الظروف السياسية والأمنية ووجد توافق يرضي الأطراف، مثلما قد يحدث في مفاوضات إيران والولايات المتحدة بشأن التخصيب، لذا يجب انتظار التطورات.

