- زاد إيران - المحرر
- 38 Views
كتب: الترجمان
في أعقاب واحدة من أعنف الأزمات العسكرية التي شهدتها المنطقة، والتي استمرت لأربعين يوما من المواجهات المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بدأت ملامح فصل جديد من الصراع تتبلور بعيدا عن ساحات القتال المباشرة. فبينما كان العالم يترقب صمود الهدنة التي بدأت في أوائل أبريل/نيسان 2026 بوساطة باكستانية، فجرت تقارير استخباراتية وإعلامية أمريكية، قادتها شبكة “سي بي إس“، جدلا واسعا حول تحركات جوية إيرانية غامضة باتجاه الأراضي الباكستانية والأفغانية.
هذه التحركات، التي وُصفت بأنها محاولة لإنقاذ الأصول الجوية الاستراتيجية من تدمير محقق، وضعت الدول الجارة في موقف حرج، محولة إياها من مجرد وسطاء أو مراقبين إلى أطراف متهمة بتوفير ملاذات آمنة لآليات عسكرية إيرانية في ذروة الاستنفار الأمريكي.
الرواية الأمريكية: هروب تكتيكي تحت مظلة الوساطة
تستند الرواية التي روجت لها الدوائر الرسمية في واشنطن ونقلتها الوسائل الإعلامية الكبرى إلى معطيات تشير بأن طهران استغلت الدور الدبلوماسي الذي تلعبه إسلام آباد لتنفيذ عملية نقل سرية لطائراتها. فوفقا لمسؤولين أمريكيين، لم تكن باكستان مجرد رابط دبلوماسي بين طهران وواشنطن، بل سمحت بشكل مستتر باستضافة طائرات عسكرية إيرانية في قواعدها الجوية، وعلى رأسها قاعدة “نور خان” الاستراتيجية.
وتذهب الادعاءات إلى أن هذا الإجراء تم اتخاذه خصيصا لحماية هذه الطائرات من الهجمات الجوية الأمريكية التي كانت تستهدف البنية التحتية العسكرية داخل العمق الإيراني. الرؤية الأمريكية ترى في هذا التصرف اختراقا لمبدأ الحياد الذي يجب أن تتحلى به الدولة الوسيطة، معتبرة أن توقيت وصول هذه الطائرات، الذي تزامن مع إعلان الرئيس ترامب عن وقف إطلاق النار، يشير إلى استغلال إيراني ذكي لثغرات التهدئة الدبلوماسية لتأمين معدات حساسة مثل طائرة الاستطلاع من طراز “RC-130”.

قاعدة “نور خان” في ميزان الحقيقة والادعاء
تعد قاعدة “نور خان” الجوية، الواقعة في ضواحي مدينة راولبندي، محور النزاع الاستراتيجي في هذه الرواية، فهي منشأة عسكرية فائقة الأهمية تقع في قلب منطقة توصف بأنها مدينة الثكنات العسكرية.
وردا على المزاعم الأمريكية، يبرز التشكيك الباكستاني من زاوية جغرافية وعملية بحتة؛ حيث يؤكد المسؤولون العسكريون في إسلام آباد أن القاعدة ليست منشأة معزولة في الصحراء، بل هي منشأة تقع في قلب تجمع سكني كثيف، مما يجعل من المستحيل منطقيا إخفاء أسطول جوي كبير أو طائرات شحن ضخمة عن أعين الجمهور المحلي أو الأقمار الصناعية التجارية.
هذا التناقض بين الادعاء الأمريكي بالاستضافة السرية وبين الواقع الجغرافي للقاعدة يطرح تساؤلات حول دقة المعلومات الاستخباراتية المسربة، ويدفع باتجاه فرضية أن الوجود الإيراني، إن وجد، كان محدوداً ومعلناً لأغراض لا علاقة لها بالعمليات القتالية.
الموقف الرسمي الباكستاني: الدبلوماسية مقابل التسييس العسكري
في مواجهة هذه الموجة من الاتهامات، خرجت وزارة الخارجية الباكستانية ببيان رسمي حازم، تلاه المتحدث طاهر أندرابي، لوضع الأمور في سياقها الدبلوماسي الصرف. أوضحت إسلام آباد أن التقارير المنتشرة عبر شبكة “سي بي إس” هي تقارير مضللة، وتهدف بشكل أساسي إلى تقويض الجهود الإقليمية الرامية لإحلال السلام.
الحقيقة، من وجهة النظر الباكستانية، تكمن في أن الطائرات الإيرانية (وكذلك طائرات أمريكية) وصلت إلى باكستان خلال فترة الهدنة لتسهيل حركة الوفود الدبلوماسية والأطقم الأمنية والإدارية المشاركة في جولات التفاوض المعقدة.
وتؤكد الخارجية الباكستانية أن بقاء بعض الطائرات بشكل مؤقت كان انتظارا لجولات جديدة من المحادثات، وأن هذه الترتيبات لوجستية بحتة، وقد تم إبلاغ الأطراف المعنية بها بشفافية، مما ينفي عنها صفة “الهروب العسكري” أو “الاستتار من القصف”.

الطائرة “RC-130” والجدل حول القدرات الاستخباراتية
أحد أكثر النقاط إثارة للجدل في التقارير المسربة هو الحديث عن وجود طائرة من طراز “RC-130” التابعة للقوات الجوية الإيرانية في قاعدة نور خان. هذه الطائرة ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي منصة متطورة لجمع المعلومات الاستخباراتية والاستطلاع الإلكتروني، مشتقة من طراز “لاكهيد سي-130 هرکولس” الأمريكي الشهير.
بالنسبة لوشنطن، فإن وجود مثل هذه الطائرة في بلد يمتلك علاقات أمنية قوية مع الولايات المتحدة مثل باكستان يعد تهديدا أمنيا وتجاوزا للخطوط الحمراء. إلا أن التفسير الباكستاني يظل متمسكا بأن أي طائرة إيرانية جاثمة حاليا في مطاراتها قد وصلت في سياق زيارات رسمية، منها زيارتان لوزير الخارجية الإيراني إلى إسلام آباد، حيث تم تقديم الدعم اللوجستي المعتاد لهذه الرحلات، مؤكدين أن الطائرة لا تمارس أي نشاط عسكري وأنها متوقفة تماما عن الحركة بانتظار استكمال الترتيبات السياسية.

أفغانستان والمسار الموازي: طائرات “ماهان” في كابل وهراة
لم تقتصر الاتهامات على الجبهة الباكستانية، بل امتدت لتشمل أفغانستان تحت حكم طالبان. تشير المعلومات المتقاطعة إلى أن طائرات مدنية إيرانية، وتحديداً تابعة لشركة “ماهان إير” المتهمة أمريكيا بصلات عسكرية، قد هبطت في مطار كابل قبيل اندلاع الأعمال العدائية. ومع إغلاق الأجواء الإيرانية وتشديد الحصار الجوي، بقيت هذه الطائرات عالقة في الأراضي الأفغانية.
اللافت في هذا المسار هو ما نُقل عن مسؤولين في الطيران المدني الأفغاني حول نقل إحدى هذه الطائرات من كابل إلى مطار هراة القريب من الحدود الإيرانية، كإجراء وقائي خشية تعرض مطار كابل لقصف جوي باكستاني خلال فترات التوتر الحدودي بين طالبان وإسلام آباد. هذا التفصيل يظهر تعقيد المشهد، حيث تتداخل الصراعات البينية (باكستان-طالبان) مع الصراع الإقليمي الأكبر (إيران-أمريكا)، مما يجعل من المطارات الأفغانية ساحة اضطرارية لحفظ الأصول الجوية.
إنكار طالبان: نفي الحاجة ونفي الوجود
على الجانب الآخر من الحدود، تبنى المتحدث باسم حكومة طالبان، ذبيح الله مجاهد، موقفا دفاعيا قاطعا، حيث نفى وجود أي طائرات إيرانية عسكرية أو مدنية في المطارات الأفغانية لأغراض الحماية. تصريح مجاهد بأن “إيران لا تحتاج للقيام بمثل هذا العمل” يحمل في طياته رسالة سياسية مزدوجة؛ فهي من جهة تنفي تورط كابل في إخفاء أصول إيرانية، ومن جهة أخرى تعكس رغبة طالبان في عدم الانجرار إلى الصراع الإيراني الأمريكي القائم.
ومع ذلك، تظل التقارير التي تتحدث عن طائرة “ماهان” في هراة قائمة كشاهد على حالة الارتباك التي أصابت حركة الطيران في المنطقة أثناء الأزمة، حيث تتقاطع المصالح الأمنية مع الضرورات الملاحية في ظل أجواء حربية غير مستقرة.

رد الفعل السياسي في واشنطن: لیندسي غراهام والتهديد بالقطيعة
أدت هذه الأنباء إلى اشتعال الساحة السياسية في واشنطن، حيث سارع السيناتور الجمهوري لیندسي غراهام إلى المطالبة بمراجعة شاملة للعلاقة مع باكستان. غراهام، الذي يعبر عن تيار واسع في الكونغرس، اعتبر أنه إذا ثبتت صحة تقارير استضافة الطائرات الإيرانية، فإن دور باكستان كـ وسيط يجب أن ينتهي فورا.
التصريحات الأمريكية تعكس شكوكا عميقة في “الحياد الباكستاني”، خاصة مع تذكير غراهام بمواقف سابقة لبعض المسؤولين العسكريين الباكستانيين تجاه إسرائيل. هذا الضغط السياسي يهدف إلى إحراج إسلام آباد ودفعها لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه الوجود الإيراني على أراضيها، مما يضع جهود السلام الدائم التي يتطلع إليها الطرفان تحت خطر الانهيار نتيجة الضغوط المتبادلة.
مستقبل الوساطة في منطقة ملتهبة
في نهاية المطاف، يظل ملف الطائرات الإيرانية في باكستان وأفغانستان مرآة لتعقيدات الجغرافيا السياسية في المنطقة. فبينما تحاول باكستان تكريس نفسها كـ (وسيط محايد) لإنقاذ المنطقة من حرب إقليمية شاملة، تجد نفسها محاصرة ببيانات استخباراتية تطالبها بإثبات براءتها من الانحياز لطهران.
إن نجاح أو فشل الهدنة الحالية لا يتوقف فقط على ما يدور في غرف المفاوضات المغلقة في إسلام آباد، بل يعتمد أيضاً على مدى قدرة الأطراف على تبديد الشكوك حول التحركات العسكرية في القواعد الجوية.
وسواء كانت تلك الطائرات قد جاءت للحماية أو للتمثيل الدبلوماسي، فإنها قد أصبحت بالفعل “أوراق ضغط” في لعبة الشطرنج الكبرى بين إيران والولايات المتحدة، حيث تمثل كل طائرة جاثمة على مدرج مطار نور خان أو هراة عنوانا لقصة لم تنتهِ فصولها بعد في سياق البحث عن صلح دائم أو مواجهة مؤجلة.

