- زاد إيران - المحرر
- 632 Views
بعد أكثر من عقد ونصف من الغياب عن الساحة السياسية والإعلامية، عاد رجل الدولة الإيراني علي أكبر ناطق نوري إلى واجهة الأحداث بتصريحات غير تقليدية أثارت جدلا واسعا داخل إيران وخارجها، فالرجل الذي كان يوما أحد أبرز وجوه التيار الأصولي، وأحد المقربين من القيادة الإيرانية، اختار أن يتحدث هذه المرة بلهجة نقدية، هادئة لكنها صريحة، متناولا ما وصفه بالأخطاء الكبرى التي ارتكبت منذ الثورة الإيرانية عام 1979 وحتى اليوم.

ظهور ناطق نوري، الرئيس الأسبق للبرلمان الإيراني وأحد الوجوه التي جمعت بين الخبرة السياسية والتجربة الدينية، جاء في مقابلة مطولة مع موقع اكو إيران بعد أن شاع قبلها خبر مشاركته في لقاء ضم عددا من الشخصيات الإصلاحية البارزة، من بينهم الرئيس الأسبق محمد خاتمي ومهدي كروبي وغلام حسين كرباسجي، ورغم أن نوري اختار في ذلك اللقاء الصمت، إلا أن خروجه الإعلامي الأخير أعاد فتح ملفات ظلت محرمة لعقود، على رأسها العلاقة مع الولايات المتحدة، وإشكالية التشدّد السياسي، والخلل في إدارة الحوار داخل إيران.
لماذا صمت ناطق نوري؟ الأسباب الحقيقية وراء الغياب الطويل
في مطلع حديثه، نفى نوري أن يكون قد التزم الصمت طيلة هذه السنوات، لكنه أقر بأنه قلل كثيرا من ظهوره العلني والإعلامي، مبررا ذلك بقوله إن المناخ السياسي في إيران لم يعد مهيأ لحوار نقدي بناء، مشيرا إلى أن “الضوابط الواضحة للنقاش الحر والنقد المسؤول لم تتشكل بعد”، وأن أي تصريح يمكن أن يُساء فهمه أو يستغل سياسيا في الداخل والخارج، وأضاف موضحا: “لا يوجد صمت، أنا لم أصمت، مكتبي كل يوم مكان لقاء مع مجموعات وشخصيات من مختلف الاتجاهات، لكنني أقل إجراء للمقابلات وأقل حضورا في الخطب الرسمية، أنا لا أحب التوترات ولا أوافق عليها، لأنها تتحول إلى ذريعة لوسائل الإعلام المعادية، وتضر بالبلاد أكثر مما تنفعها”.

كذلك، أشار نوري إلى أن ما دفعه إلى هذا الابتعاد هو رغبته في تجنب سوء الفهم والتأويلات السياسية الضارة، مؤكدا أنه ما زال يمارس دوره الاستشاري بعيدا عن الأضواء، ويلتقي ممثلين عن التيارات كافة دون تمييز، في محاولة للحفاظ على قنوات التواصل في مجتمع يصفه بأنه لم يبلغ بعد الثقافة الكافية لتحمل النقد مع الحفاظ على الاحترام.
من اليمين التقليدي إلى الرؤية العابرة للتيارات
رغم أن ناطق نوري كان يعرف طوال التسعينيات بأنه أحد أعمدة التيار الأصولي، بل كان من أبرز وجوه ما كان يعرف آنذاك بالجناح اليميني في الحياة السياسية الإيرانية، لكنه في حديثه الأخير بدا متحررا من الانتماءات الحزبية، مؤكدا أنه لم يعد يعرف نفسه ضمن أي معسكر، فيقول بهذا الشأن: “تختلف الأصولية كما كانت في زمننا عن مفهومها اليوم، في الماضي كنا نعرف باليمين أو بجناح الثورة، وكان هناك التيار اليساري الذي صار يسمى الإصلاحيين، نعم، كنت آنذاك من خدام الجناح اليميني، لكنني في تعاملاتي لم أكن حزبيا، اليوم أتعامل بفوقية عن الانتماءات، لا يهمّني إن كان الطرف الآخر إصلاحيا أو أصوليا، المهم هو المصلحة العامة”.

وخلال حديثه، استحضر ناطق تجربة رئاسته للبرلمان في دورته الخامسة بين أعوام 1996 و2000، ليقدم مثالا على رؤيته المعتدلة، إذ قال إنه فاز برئاسة المجلس بفارق ضئيل أمام منافسه عبد الله نوري، وإنه أدار البرلمان بتوازن بين التيارين رغم الاستقطاب الحاد، كما صرح بأنه بعد فوز محمد خاتمي في انتخابات 1997، وكان هو منافسه المباشر، كان أول من هنأه.
الخطايا الكبرى في التاريخ السياسي الإيراني
على أن الجزء الأكثر جرأة في حديث ناطق نوري تمثل في اعترافه بوقوع أخطاء جوهرية خلال العقود الأربعة الماضية، كانت لها تبعات عميقة على السياسة الخارجية والاقتصاد وحتى على البنية الداخلية للنظام، وقد لخّصها في ثلاث محطات أساسية، وصفها بأنها الخطايا الكبرى.
اقتحام السفارة الأمريكية عام 1979
اعتبر ناطق نوري أن حادثة اقتحام السفارة الأمريكية في طهران، المعروفة باسم أزمة الرهائن، كانت خطأً فادحا شكل نقطة الانطلاق لمعظم أزمات إيران مع الغرب، حيث قال بوضوح: “إن احتلال السفارة الأمريكية كوكر للتجسس كان خطأ كبيرا، كثير من مشكلاتنا بدأت من هناك”، وأضاف أن كل سفارات العالم تضم بطبيعتها أقساما أمنية واستخبارية، وأن رد الفعل الذي تم آنذاك افتقر إلى الخبرة السياسية، مؤكدا أن قلة التجربة والنضج الثوري بعد انتصار الثورة جعلت اتخاذ القرار أقرب إلى الحماس منه إلى الحكمة.

كما أشار إلى أن الرد الأمريكي المتمثل في تجميد الأموال الإيرانية والاستيلاء على السفارة الإيرانية في واشنطن كان نتيجة مباشرة لذلك الفعل، وأن سلسلة من الأزمات المتلاحقة في العلاقات الدولية تعود جذورها إلى تلك اللحظة.
الهجوم على السفارات السعودية والبريطانية
وفي استعادة أخرى لأحداث أكثر قربا، وصف ناطق نوري الاعتداء على سفارتي السعودية وبريطانيا في طهران بأنه خطأ محض، وقال: “هذه الأفعال ما زالت تبعاتها تلاحقنا حتى اليوم، لقد خلقت ضغوطا سياسية واقتصادية علينا وأضعفت موقفنا الدبلوماسي في العالم”.

الخطاب المتشنج والتطرف الداخلي
لم يكتف ناطق بالحديث عن الأخطاء الخارجية، بل انتقد أيضا ما وصفه بالخطاب الحاد لبعض المتشددين أو القلقين الذين يهاجمون خصومهم السياسيين ويثيرون الكراهية والانقسام، حيث قال: “بعض السلوكيات والأقوال المتشنجة للمتشددين ليست في مصلحة البلاد ولا النظام، بل تسيء إلى الوحدة الوطنية وتتعب الناس”.
في السياسة الخارجية.. بين الواقعية والدبلوماسية
تناول نوري أيضا ملف العلاقات الخارجية لإيران، خاصة مع الغرب، مؤكدا أن إيران لم تقل يوما إن طريق الدبلوماسية مغلق، وأضاف أن كلا من القيادة والرئيس ووزير الخارجية لم يصرحوا يوما برفض التفاوض، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة أن تكون المفاوضات بعيدة عن الإذلال والضغوط الأحادية، حيث صرح: “يجب أن نتحاور ونتفاوض بعين تروم حل المسائل، لكننا لا يمكن أن نخضع لشروط مهينة، إذا جاءوا ليقولوا تعالوا نتفاوض، لكن أولا أوقفوا برنامجكم الصاروخي وتخلوا عن التخصيب السلمي، فهذا مرفوض”.

وفي موقف لافت، أكد نوري أن إيران لا تسعى إلى امتلاك السلاح النووي، مستشهدا بفتوى دينية صريحة صادرة منذ عهد الخميني واستمرارا في عهد القيادة الحالية، تحرم تصنيع القنبلة النووية، وقال إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تراقب المنشآت الإيرانية بانتظام، حتى بعض المختبرات الجامعية، مما يثبت الطابع السلمي للبرنامج النووي، لكنه في الوقت نفسه انتقد بشدة ما وصفه بالازدواجية الدولية في مجلس الأمن، خاصة حين يستخدم حق النقض، الفيتو، لإلغاء قرارات إنسانية، مثل تلك المتعلقة بوقف العمليات العسكرية في غزة، وأضاف متسائلا: “هل من العدل أن تلغى إرادة الأغلبية في مجلس الأمن بفيتو سياسي واحد؟ كيف يمكن القبول بهذا النظام الدولي الذي يسمح باستمرار المجازر؟”.
لم يكن هذا متوقعا منك!
على أن تلك المقابلة لم تمر مرور الكرام، ورغم أن نوري لم يكن ذا العمامة الوحيد الذي انتقد النظام علنا في الآونة الأخيرة، فقد سبقه مهدي كروبي وتصريحاته وتحركاته، إلا أن كيهان، ورئيس تحريرها حسين شريعتمداري، قد وجهوا انتقادا لنوري عقب تصريحاته تلك، ففي عددها الصادر 13 أكتوبر/تشرين الأول 2025، كتب شريعتمداري: “قال السيد نوري إنه، ومن وجهة نظره، كان احتلال السفارة الأمريكية بوصفها وكر التجسس خطأ كبيرا، إن السيد نوري يعتبر من المجاهدين القدامى، ولهذا تحديدا يبدو تصريحه حول احتلال وكر التجسس أمرا غريبا! لأن هذا الرأي، لا هو علمي، ولا منطقي، ولا ينسجم مع الوثائق الموجودة، ويتعارض صراحة مع التعاليم الإسلامية التي يفترض أنه من المروّجين لها”.

ويتابع شريعتمداري: “تظهر وثائق وكر التجسس، السفارة الأمريكية، التي حاول موظفو السفارة الأمريكية إتلافها بسرعة، لكن معظمها أُعيد ترميمه بجهد متواصل من الطلاب الذين اقتحموا السفارة، ونشرت في عشرات المجلدات، بوضوح أن السفارة الأمريكية في إيران كانت قد تحولت إلى مركز لعمليات التجسس والإرهاب والتخطيط لانقلاب ضد الجمهورية الإسلامية الوليدة، من المستبعد أن يكون السيد ناطق نوري، بالنظر إلى مناصبه العليا في النظام، غافلا عن هذه الحقيقة”.
ويضيف: “قال ناطق إنه بعد احتلال وكر التجسس استمرت سلسلة من المشكلات وردود الأفعال، والتي أراها ناتجة عن تلك القرارات الأولى، ومن المستبعد أيضا أن يجهل السيد ناطق هذه الحقيقة البديهية، أن الصراع بين أمريكا وإيران الإسلامية صراع جوهري، نابع من طبيعة كل من الطرفين، ولهذا السبب تحديدا قتلت أمريكا خلال الثورة آلاف الإيرانيين، وبعدها وحتى قبل احتلال السفارة دبرت عدة انقلابات وأثارت الفتن في مناطق مختلفة من البلاد، ولم تترك أي فرصة للتآمر ضد إيران الإسلامية وشعبها الشريف”.

ويتابع: “السيد ناطق يعلن اتباعه لنهج الخميني وللقيادة الحالية، ولكن، حتى لو افترضنا أنه لا يلتزم بآراء الإمام في حادثة احتلال السفارة، فإن مجرد نظرة سريعة إلى مواقف الإمام الراحل وخلفه الحالي تظهر بوضوح أن احتلال السفارة كان منطقيا وعلميا وضروريا، فالخميني وصف اقتحام وكر التجسس من قبل الطلاب السائرين على نهج الإمام بأنه الثورة الثانية، واعتبره أعظم من الثورة الأولى، وأطلق على أمريكا لقب الشيطان الأكبر، وسمّى سفارتها وكر التجسس”.
ويختتم شريعتمداري بقوله: “وأخيرا، في ظل الظروف الحساسة الحالية وبعد الحرب الأخيرة التي استمرت 12 يوما والهجوم العسكري المشترك الأمريكي الإسرائيلي على إيران الإسلامية، فإن تصريحات السيد ناطق نوري الأخيرة تحمل معنى ومغزى أكثر سوءا من أي وقت مضى، على السيد ناطق نوري العزيز أن لا يغفل عن وساوس المغرضين والمنحرفين”.

