- زاد إيران - المحرر
- 988 Views
كتب: الترجمان
في مشهد يعيد رسم الخارطة الشعبية في شرق إيران، شهدت محافظة خراسان الجنوبية، وعاصمتها مدينة بيرجند، تظاهرات حاشدة ضمت آلاف المواطنين الذين خرجوا للتعبير عن رفضهم القاطع لأعمال الشغب الأخيرة والتدخلات الخارجية. لم تكن هذه المسيرات مجرد تجمع عابر، بل حملت في طياتها دلالات سياسية وعقائدية عميقة في توقيت حساس تمر به البلاد.
المصحف والشارع: دلالة الرمزية الدينية
لعل المشهد الأبرز في مسيرات بيرجند كان رفع المتظاهرين للمصاحف الشريفة. هذه الحركة الرمزية تأتي كرد فعل مباشر على ما وصفته التقارير الميدانية بتعرض المقدسات للإساءة خلال الاضطرابات الأخيرة. من خلال “حرب المصاحف” السلمية، يسعى المتظاهرون إلى تأطير الصراع باعتباره معركة بين قيم المجتمع الدينية وبين أجندات تستهدف الهوية الإسلامية للدولة، مما يمنح التحرك الشعبي غطاء شرعيا وأخلاقيا واسعا.
جغرافيا الاحتجاج والخطاب السياسي
انطلقت الحشود من نقطة الارتكاز في “تقاطع الشهيد قرني” وصولا إلى “ميدان القدس”، وهو مسار يحمل رمزية ثورية وتاريخية. ولم تقتصر الهتافات على الشأن المحلي، بل ربطت بوضوح بين “مثيري الشغب” في الداخل وبين “المخططات الأمريكية والإسرائيلية”. هذا الربط يعكس رؤية الدولة التي ترى في أي اضطراب داخلي امتداداً لضغوط خارجية تهدف إلى إضعاف النظام السياسي.
رسائل إلى الخارج والداخل
المسيرات التي امتدت لتشمل مختلف مدن المحافظة تبعث برسالة مزدوجة، رسالة للخارج مفادها أن الرهان على تفكيك الجبهة الداخلية من خلال العقوبات أو التحريض الإعلامي لم يحقق أهدافه في المحافظات الطرفية مثل خراسان الجنوبية.
أما رسالة الداخل فتبين أن هناك قاعدة شعبية صلبة لا تزال مستعدة للنزول إلى الميدان للدفاع عن خياراتها السياسية، وأن “صوت الشارع” ليس حكرا على طرف واحد.
لا يمكن قراءة مسيرات خراسان الجنوبية بوصفها مجرد رد فعل عاطفي أو تجمهر عابر، بل هي تجسيد لاستراتيجية “العمق الشعبي” التي تعتمد عليها الدولة الإيرانية في مواجهة الأزمات المركبة. ومن خلال تحليل المشهد الختامي، يمكن استخلاص عدة أبعاد استراتيجية:
أولا: إعادة تعريف الصراع نجحت هذه التحركات في نقل الصراع من مربع “المطالب السياسية أو المعيشية” إلى مربع “الحفاظ على الهوية والاستقلال”. فرفع المصاحف والهتاف ضد القوى الخارجية يهدف إلى إرسال رسالة مفادها أن المساس بالنظام العام هو مساس بالهوية الدينية والوطنية، مما يجعل القاعدة الشعبية المحافظة تشعر بأنها في معركة وجودية تتجاوز الخلافات السياسية العابرة.
ثانياً: الجغرافيا السياسية للمحافظات تمثل محافظة خراسان الجنوبية، بتركيبتها الاجتماعية وهدوئها النسبي، نموذجا للمحافظات التي تراهن عليها الدولة لإثبات اتزان الجبهة الداخلية. خروج الحشود في هذه المناطق البعيدة عن العاصمة طهران يرسل إشارة قوية للأطراف الدولية بأن التماسك المجتمعي لا يزال حاضرا، وأن الاحتجاجات لم تنجح في إحداث شرخ أفقي يمتد إلى كافة الأقاليم.
ثالثا: موازين القوى في “حرب الإرادات” تمثل هذه المسيرات أداة في “حرب الإرادات” الإعلامية والميدانية؛ فبينما تحاول وسائل الإعلام المعارضة تصوير الشارع ككتلة واحدة رافضة، تأتي هذه الحشود لتثبت وجود “شارع مقابل” يمتلك قدرة عالية على الحشد والتنظيم، ويؤمن بأن الأمن القومي يتقدم على أي اعتبار آخر. إنها رسالة حاسمة بأن التغيير من خلال “الفوضى” سيصطدم بكتلة بشرية ترى في الاستقرار قيمة عليا لا يمكن التفريط بها.
رابعا: التحصين ضد “الاختراق” :التركيز على “العوامل الأمريكية-الإسرائيلية” ليس مجرد خطاب إنشائي، بل هو محاولة لتحصين الوعي الجمعي ضد أي اختراق خارجي. فالدولة تسعى من خلال هذه الفعاليات إلى ربط أي تحرك احتجاجي “عنيف” بالأجندات الخارجية، مما يؤدي بالضرورة إلى عزل العناصر المتطرفة اجتماعياً وسياسياً، ويمنح الأجهزة التنفيذية تفويضاً شعبياً لإعادة ضبط الأمن.
خلاصة القول أم ما حدث في خراسان الجنوبية هو عملية “تجديد شرعية” ميدانية، تؤكد أن الدولة لا تزال تسيطر على أدوات التعبئة الكبرى، وأن الرهان على انهيار التماسك الداخلي يصطدم بواقع تعززه الهوية الدينية والارتباط الوثيق بالقيادة السياسية. إنها لحظة تعيد فيها الدولة تعريف قواعد اللعبة، مؤكدة أن “صوت الغالبية الصامتة” – كما تصفها – هو الكلمة الفصل في حماية نظام الجمهورية الإسلامية.

