- زاد إيران - المحرر
- 673 Views
كتب: ربيع السعدني
في تصعيدٍ غير مسبوق، وجّهت إيران اتهاماتٍ لاذعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية ورئيسها رافائيل غروسي، مُحمّلة إياهما مسؤولية تمهيد الطريق لحربٍ وصفتها بـ”الإجرامية” ضد منشآتها النووية السلمية.
وفي قلب العاصفة، تقريرٌ مثير للجدل صادر عن الوكالة، وُصف بأنه “سياسي ومنحاز”، أشعل فتيل التوترات الدولية وأثار غضب طهران.
خيانة لمعاهدة منع الانتشار
أعلن مقدم برامج القناة الثالثة الإيرانية أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أقرّت في 15 تقريرا سابقا، بعدم وجود أدلة على استخدام إيران للطاقة النووية لأغراض عسكرية، ومع ذلك، اتهم الوكالة بإصدار تقرير “مُغرض” وصف أنشطة إيران بـ”المشبوهة”، مما مهّد لقرار دولي بزعم “عدم الامتثال” استخدمته قوى غربية وإسرائيل كذريعة لشن هجمات على إيران، وقال بحدة: “يجب معاقبة الوكالة وغروسي على هذا التقرير الذي أشعل حربا ظالمة”.
بقائي: غروسي شريك في الحرب
في تعليق ناري على منصة إكس، كتب إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، موجها خطابه إلى غروسي: “اعترافك المتأخر بعدم وجود أدلة على برنامج نووي عسكري إيراني لا يكفي! أخفيت الحقيقة في تقريرك المتحيز، الذي استُخدم لتبرير قرار دولي ظالم ضد إيران”.
وأضاف بقائي، في لهجةٍ غاضبة، أن هذا القرار شكّل الذريعة الأخيرة لنظامٍ “مُحرض على الحرب” لمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، متسائلا: “هل تعلم كم من الإيرانيين الأبرياء قُتلوا أو أُصيبوا بسبب هذه الحرب؟”.
بقائي لم يكتفِ بالانتقاد، بل وجّه اتهاما مباشرا لغروسي بالخيانة، قائلا: “لقد جعلت الوكالة أداة بيد دول غير أعضاء لتجريد إيران من حقوقها بموجب معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية”، وفي رده على تقاعس المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أكد المتحدث باسم وزارة خارجية إيران أن “الوكالة أصبحت شريكة في هذه الحرب الظالمة والعدوانية”.
“أين ضميرك؟”.. ظريف يدعو إلى محاكمة غروسي
من جهته، انضم وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف، إلى جوقة المنتقدين، داعيا إلى محاكمة غروسي، وكتب ظريف على منصة إكس: “تقرير الوكالة غير المسؤول تسبب بضرر لا يُمكن إصلاحه لمصداقيتها، يجب محاسبة غروسي على تورطه في مقتل أبرياء إيرانيين جراء عدوان إسرائيلي استند إلى تقريره المضلل”.
إيران تُطالب بمحاسبة دولية
في ختام تصريحاته، شدد بقائي على أن “الروايات المضللة لها عواقب وخيمة”، مؤكدا أن الوكالة أصبحت “شريكة في حرب ظالمة” ضد إيران.
وهذه ليست المرة الأولى التي يصف فيها المسؤولون الإيرانيون تقارير الوكالة بأنها متحيزة.
لكن تصريحات ظريف القاسية ضد المدير العام تشير إلى مستوى متزايد من الانتقادات، خاصة في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية كما طالب المسؤولون في طهران بإجراءات حاسمة لمحاسبة الوكالة ومديرها، غروسي، مُحذرين من أن استمرار هذه السياسات سيُفاقم الأزمة الدولية.
إلى أين تتجه الأزمة؟
بحسب التصريحات الإيرانية، أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) 15 تقريرا أكدت فيها عدم وجود أدلة تشير إلى استخدام إيران لبرنامجها النووي لأغراض عسكرية.
هذه التقارير، التي تُركز على مراقبة التزام إيران باتفاق الضمانات الشاملة والبروتوكول الإضافي المتعلق بمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (NPT)، أشارت إلى أن الأنشطة النووية الإيرانية ظلت ضمن إطار الاستخدامات السلمية، مثل إنتاج الطاقة والبحث العلمي، ومع ذلك، أثارت الوكالة في تقارير لاحقة تساؤلات حول “أنشطة مشبوهة” محتملة، بما في ذلك: مواد نووية غير معلنة: زعمت الوكالة وجود آثار لمواد نووية في مواقع لم تعلن عنها إيران، مثل موقعي “توركوزاباد” و”ماريفان”، مما أثار شكوكا حول الشفافية الكاملة لطهران.
أنشطة غير مُصرح بها: أشارت الوكالة إلى احتمال إجراء تجارب أو أنشطة متعلقة بتطوير تقنيات نووية في مواقع غير خاضعة للتفتيش الدوري.
عدم التعاون الكامل: اتهمت الوكالة إيران بعدم تقديم إجابات مرضية أو السماح بالوصول الكامل لمفتشيها إلى بعض المنشآت، مما اعتُبر “عدم امتثال” جزئي لالتزاماتها هذه الاتهامات استندت جزئيا إلى معلومات قدمتها أطراف ثالثة، وضمن ذلك إسرائيل والولايات المتحدة، التي زوّدت الوكالة بوثائق مزعومة تُشير إلى أنشطة نووية سابقة محتملة (ما يُعرف بـ”الأرشيف النووي” الذي استولت عليه إسرائيل عام 2018).
إيران، من جانبها، رفضت هذه الادعاءات ووصفتها بأنها “ملفقة” و”سياسية”، مؤكدةً أن مواقع مثل توركوزاباد كانت تُستخدم لأغراض مدنية، مثل تخزين مواد صناعية وردا على ذلك، صرح نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي بأن “الوكالة كررت ادعاءات الماضي بهدف الاستغلال السياسي من قبل بعض الدول”، وكتب: “إن اعتراف الوكالة يشير إلى أن هذه المنظمة، تحت الضغط السياسي من بعض الدول، أصبحت أداة لإعادة إثارة قضايا الماضي المغلقة من أجل الضغط على إيران”.
صدر تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مايو/أيار 2025، وانتقد إيران لعدم تعاونها الكامل مع الوكالة.
وركز غروسي على وجود آثار تخصيب يورانيوم في موقعين غير معلنين (توركوزاباد وماريفان)، دون تقديم إيران تفسيرات فنية مرضية، وأشار إلى تخزين إيران 400 كجم من اليورانيوم عالي التخصيب (60%).
وهو مستوى يثير قلقا بشأن الأغراض العسكرية المحتملة، وفي هذا التقرير، كرر رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، مرة أخرى الادعاءات السياسية بشأن البرنامج النووي السلمي لبلادنا، مدعيا أن هذا المستوى من التخصيب هو “خطوة تقنية قصيرة” إلى مستوى 90% (المعروف بمستوى الأسلحة).
وزعم أن “إيران هي الدولة الوحيدة غير النووية التي تُخصّب اليورانيوم بهذا المستوى”. ووفقا للتقرير، دعا غروسي أيضا إلى “تعاون إيران الكامل والفعال” مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية واتهم إيران بتقييد وصول مفتشي الوكالة وتسريع تخصيب اليورانيوم بما يتجاوز حدود اتفاق 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة).
نقطة التحول: حين اعتمد مجلس المحافظين (35 دولة) في 12 يونيو/حزيران 2025، قرارا يدين إيران بـ”عدم الامتثال” لالتزاماتها بموجب معاهدة منع الانتشار النووي وصوتت 19 دولة لصالح القرار، عارضته 3 (روسيا، الصين، بوركينا فاسو)، وامتنعت 11 عن التصويت وطالب إيران بتعزيز التعاون، وإلغاء الحظر على مفتشي الوكالة، وتقديم تقرير شامل بحلول ربيع 2026، كما هدد بإحالة الملف إلى مجلس الأمن الدولي إذا لم تمتثل إيران.
كيف مهدت التقارير للحرب؟
▪︎ تصعيد الضغط الدولي: التقرير المثير للجدل قدم أساسًا لفرض عقوبات إضافية وقرارات دولية ضد إيران، مما زاد من التوترات السياسية والدبلوماسية.
▪︎ تبرير العمل العسكري: بحسب التصريحات الإيرانية، استُخدم القرار المتعلق بـ”عدم الامتثال” كذريعة من إسرائيل لشن هجمات على منشآت نووية، مثل نطنز أو فوردو، بدعوى منع تطوير أسلحة نووية مزعومة.
▪︎ تشويه مصداقية الوكالة: إيران تتهم الوكالة بتحويل دورها من جهة فنية محايدة إلى أداة سياسية تخدم مصالح دول غربية وإسرائيل، مما أدى إلى فقدان الثقة بين طهران والوكالة.
▪︎ التأثير الإنساني: أشارت التصريحات الإيرانية إلى أن الهجمات الناتجة عن هذه التقارير تسببت في سقوط ضحايا أبرياء، مما عزز الرواية الإيرانية بأن الوكالة وغروسي شريكان في “حرب ظالمة”.
مع تصاعد التوترات أكثر، تظل الأنظار متجهة نحو ردود الفعل الدولية على هذه الاتهامات الحادة، فهل ستتمكن الوكالة من استعادة مصداقيتها، أم أن هذا التصعيد سيُعمّق الشرخ بين إيران والمجتمع الدولي؟

