حين أخطأت الترجمة.. فصار الأرز أغلى من الذهب!

في عالم الترجمة، ليس كل ما يُقرأ يُفهم كما هو، وأحيانا قد تقود كلمة واحدة إلى موقف لا يُنسى! بعد أن شاركتكم حكاية العنوان السياسي الذي كاد يوقعنا في مأزق إعلامي، أعود اليوم بقصة لا تقل طرافة. 

بطلتها مترجمة طموحة، وقعت في فخ مصطلح اقتصادي، فكتبت، بكل ثقة: “شيء لا يمكن أن يصدقه عقل! كيف حدث ذلك؟ وما كانت النتيجة؟ دعونا نخوض سويا هذه الحكاية الجديدة من كواليس غرفة الترجمة، حيث لا تخلو الأخطاء من دروس، ولا المواقف من ضحك دفين”.

كنا في منتصف الأسبوع، ولدينا تقارير كثيرة، وترجمات متعددة، إضافة إلى التحليلات السياسية والحوارات الصحفية الحصرية لموقع “زاد إيران”. 

في زحمة الملفات، وصل تقرير اقتصادي صادر عن وكالة رسمية إيرانية يتحدث عن “ارتفاع أسعار السلع الأساسية”، وكان المطلوب ترجمته على وجه السرعة. تولّت المهمة إحدى الزميلات المترجمات حديثة العهد بالاقتصاد ولكنها غزيرة الحماس، لديها شغف كبير بالتعلم وخوض التجربة بكل ما تحمل الكلمة من معنى. 

أرسلت المترجمة النص المترجم إليّ حتى أقوم بمراجعته قبل التدقيق، وإذ بي أتفاجأ بجملة تقول:
“وقد بلغ سعر الكيلو الواحد من الأرز المحلي 200 دولار!”

أعدت القراءة مرارا لعلّي لم أر الرقم بشكل صحيح، ظننت أنني أتوهم… عدتُ إلى النص الفارسي على الفور، فإذا بالمفاجأة، وجدت النص الفارسي يقول:
“قیمت هر کیلو برنج داخلی به 200 هزار تومان رسید”.

هنا وقع الخطأ الكبير الفادح الذي أذهلني ولو أنه نُشر على الموقع لكانت مصيبة كبيرة. لقد قرأت الزميلة “200 ألف تومان” على أنها “200 دولار”، متناسيةً أن التومان الإيراني ليس بالدولار الأمريكي، بل أقلّ منه بأضعاف كثيرة جدا، وأن كل 1000 تومان تقريبا لا تساوي حتى ربع دولار!

اتصلت بالمترجمة على الفور، وسألتها كيف تكون قيمة كيلو أرز واحد في إيران براتب موظف طوال الشهر؟! ضحكتُ، ثم كتمت الضحكة، ثم ضحكت أكثر وقلتُ لها: “لو كان الأرز فعلا بهذا السعر، لكان راتب الموظف في إيران برقم لا يمكننا قراءته بالتومان”! 

لكن الحق يُقال: لم يكن الخطأ بلا فائدة، فقد فتح لنا هذا الخطأ بابا للنقاش الموسع حول أهمية فهم السياق، والمعادلات المالية، وقيمة العملة، لا سيما في الترجمة الاقتصادية، حتى لا نقع في هذا الخطأ مرة أخرى.

الترجمة، كما أقول دائما، ليست نقل كلمات، بل نقل عقل، وقد تعتقد أن المترجم لا يفعل أكثر من البحث في القواميس وضبط الجمل، لكن الحقيقة أن غرفة الترجمة أحيانا تكون مسرحا لمواقف لا تخطر على بال، من فرط طرافتها أو غرابتها.

في المقال القادم، أشارككم قصة طريفة جديدة من كواليس غرفة الترجمة، بطلتها مترجمة أخرى وقعت في فخ من نوع مختلف؛ حيث ترجمت اسم امرأة معروفة على أنه اسم رجل، في تقرير رسمي كان من المفترض أن يُعبّر بدقة عن حدث نسوي بامتياز. كيف حدث هذا الخطأ؟ وما هي انعكاساته على النص والسياق؟ نستعرض تفاصيله في المقال التالي، حيث لا تزال الترجمة تفاجئنا بما تخفيه من مواقف لا تُنسى.