عودة الجدل الدستوري في إيران: استفتاء غائب ومواد معطلة تهز المشهد السياسي

كتب: الترجمان

تشهد الساحة السياسية في إيران خلال الأسابيع الأخيرة حراكا متصاعدا حول مستقبل الدستور، بين من يرى أن بنية الدستور بعد مرور 45 عاما على وضعه باتت بحاجة إلى مراجعة عميقة، وبين من يعتبر أن الأزمة ليست في نصوص الدستور بل في تعطيل ممنهج لعدد كبير من مواده، خصوصا تلك المتعلقة بحقوق المواطنين والحوكمة السياسية.

هذا الجدل، الذي يعود إلى الواجهة بين الحين والآخر، اكتسب بعدا جديدا عقب اجتماع مشترك بين الحكومة والبرلمان لبحث البرنامج السابع للتنمية. اجتماع قال مشاركون فيه إنه انتهى باعتراف ضمني بالعجز عن تنفيذ بنود الخطة، باستثناء طرح زيادة سعر البنزين، الذي لم يُتفق حتى على كيفية تنفيذه.

عندما تعترف الدولة بأنها «لا تستطيع»… من يتحمل المسؤولية؟

حشمت ‌الله فلاحت ‌بيشه، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية السابق في البرلمان، كان من أوائل الذين أعادوا طرح ملف إصلاح الدستور. ففي تسجيل مصوَّر تناول كواليس اجتماع الحكومة والبرلمان، قال إن الجميع توصّل إلى نتيجة واحدة: «لا يمكن تنفيذ البرنامج». 

وأضاف أن في العالم، عندما تصل الحكومة والبرلمان إلى هذا المستوى من العجز، يستقيل الطرفان ليفسحا المجال لفريق جديد، أما في إيران فالدستور يجعل المواطنين مضطرين لتحمّل نتائج هذا العجز لسنوات أخرى.ويرى فلاحت ‌بيشه أن الدستور، في صورته الحالية، يفتقر آليات لتجاوز حالات الانسداد وأن هذا القصور يعمّق التوتر بين مؤسسات الدولة ويُحَمّل المواطنين كلفة الجمود السياسي.

Image

جدل داخل التيار الإصلاحي

على الجانب الآخر من الخارطة السياسية، يكرر الإصلاحي المعروف رسول منتجب ‌نیا أن مراجعة الدستور من أوجب الواجبات. ويذكّر بأن الإمام الخميني نفسه أقرّ في رسالة عام 1988 بوجود نواقص جدية في الدستور يجب مراجعتها.

ويسأل منتجب ‌نیا: “إذا كان الدستور بعد عشر سنوات يحتاج إلى مراجعة، فماذا عن اليوم بعد مرور 36 عاما أخرى؟”.

لكنّ هذا الرأي لا يحظى بإجماع داخل التيار الإصلاحي نفسه، فهناك من يرى أن المشكلة ليست في النص بل في تعطيل مواده، خصوصا تلك المتعلقة بالحريات العامة والانتخابات وصلاحيات الجهاز التنفيذي. هؤلاء يؤكدون أن تطبيق الدستور كما هو سيكفي لحل جزء كبير من الأزمات.

الفصل الثالث في الدستور معطّل

يُجمع كثير من المراقبين على أن الفصل الثالث من الدستور، الذي يمتد من المادة 19 إلى المادة 42 تحت عنوان «حق الشعب»، هو أكثر الفصول إهمالا أو تقييدا بقوانين لاحقة.

من أبرزهـا حرية الصحافة، إذ ينص الأصل على أن الصحف والنشرات حرة إلا إذا أخلّت بأسس الإسلام أو حقوق العامة.

غير أن إجراءات الترخيص، والقوانين المكمّلة، والمقاربات الأمنية، جعلت هذا الحق مقيدا إلى حد كبير، بحيث تحضر الرقابة وتغيب الحماية، ويتفاوت هامش النقد تبعًا لهوية الحكومة وتوازنات القوى.

ومن الأمور الأخرى المهملة حرية التجمعات والاحتجاجات، فالدستور ينص بوضوح على أن الاجتماعات والاحتجاجات  بدون حمل سلاح أو عدم مخالفة أصول الإسلام مسموح بها.

لكن تنفيذ هذا الأصل، كما يقول الخبراء، شُلّ بسبب اشتراطات متعددة، من ضرورة الحصول على تصريح مسبق، إلى تعقيدات أمنية وسياسية جعلت تطبيق هذا الحق شبه مستحيل. حتى المبادرات التي طرحت سابقا لتخصيص مناطق للتجمعات لم تُنفذ.

الانتخابات والغياب المطلق للاستفتاء

يرى بعض الخبراء بعض المواد الأخرى من الدستور تقع خارج الفصل الثالث، لكنها لا تُعدّ فقط من حقوق الأمة، بل يظهر من نص الدستور أنها وُضعت كأساس للنظام السياسي نفسه. وتنص المادة السادس من الدستور على أنّ شؤون البلاد في الجمهورية الإسلامية يجب أن تُدار بالاعتماد على الآراء العامة من خلال الانتخابات. وهذا أوّل أصل دستوري يقرّ بمشروعية الاستفتاء. 

ومع ذلك، فإن فرض قيود واسعة على دراسة أهلية المرشّحين أدّى إلى أن يتمكّن المشاركون فقط من التصويت لأشخاص اختارهم بضعة أعضاء من مجلس صيانة الدستور، الأمر الذي أفرز مسارا تبرز فيه الأزمات والاختلالات السياسية اليوم، وأدّى إلى تشكيل برلمان من ممثّلين نالوا أربعة أو خمسة في المئة فقط من أصوات الناخبين، وهو ما يُعدّ بحدّ ذاته مؤشرا على تراجع رأس المال الاجتماعي في البلاد.

وبعيدا عن الانتخابات، فإنّ الاستفتاء حول قضايا البلاد لم يُعقد مطلقا. وقد أشار الدستور إلى هذا الأسلوب ليس فقط في المادة السادسة بل كذلك في المواد 59، 99، 110، 123 و177.

وتنص المادة 59 من الدستور على أنه في القضايا الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية شديدة الأهمية، يمكن ممارسة السلطة التشريعية عبر الاستفتاء والاحتكام المباشر إلى آراء الشعب، على أن يحظى طلب اللجوء إلى الآراء العامة بموافقة ثلثي البرلمان.

وليس البرلمان وحده من يمكنه طلب إجراء الاستفتاء؛ فالمادة 110 ينص أيضا على أن هذا الأمر من ضمن صلاحيات واختصاصات المرشد الأعلى. كما تلزم المادة 123 رئيس الجمهورية بوضع نتيجة الاستفتاء بتصرّف الجهات المسؤولة لتنفيذها.

ومن أجل تفعيل هذا الأصل المُهمَل من الدستور، بذل الرئيس الأسبق حسن روحاني خلال فترة حكومته جهودا كبيرة لتنفيذه؛ إلا أنّ كلّ مرة كان يطرح فيها فكرة الاستفتاء في القضايا الجوهرية، كان يواجه هجوما من وسائل الإعلام الأصولية.

Image

المادة 113 عطّلها مجلس صيانة الدستور

تُعدّ المادة 113، التي تعرّف رئيس الجمهورية بصفته المسؤول عن تنفيذ الدستور، واحدة من المواد «نصف-الميتة». فقد صرّح حسن روحاني خلال فترة رئاسته بأن مجلس صيانة الدستور قدّم تفسيرا لهذه المادة جعلها شبه معطّلة، بحيث بدا وكأن المادة 113 لا وجود لها. 

وفي المحصّلة، فإن تفسير مجلس صيانة الدستور ألغى عمليًا فاعلية هذه المادة، إلى حدّ أن رئيس الجمهورية لم يعد قادرًا حتى على تشكيل هيئة للرقابة على تنفيذ الدستور. 

هيئة الإذاعة والتلفزيون؛ إعلامٌ وطني أم منبرٌ لتيار واحد؟

تتضمّن المادة 175، التي تتناول تأسيس الإعلام الوطني، بندًا يجري العمل عمليًا بعكسه. إذ ينصّ مطلع هذه المادة صراحة على أنه : “في الإذاعة والتلفزيون للجمهورية الإسلامية الإيرانية، يجب تأمين حرية التعبير ونشر الأفكار مع مراعاة الضوابط الإسلامية ومصالح البلاد”.
لكن، كما أدّت الحسابات السياسية والأمنية إلى إهمال بعض المواد الدستورية المذكورة، فقد جاء أداء الإذاعة والتلفزيون بحيث تحوّلت في الغالب إلى منبر لتيارات سياسية محدّدة. وباتت هذه المؤسسة الإعلامية عمليا تحت سيطرة مجموعة صغيرة من الأقليّة.

هذه بعض المواد الدستورية التي إمّا أُهملت وإمّا جاءت تفسيراتها على نحو جعلها تبدو بلا تأثير. أمّا مدى ضرورة مراجعة الدستور وإصلاحه في الظروف الراهنة، فذلك حديث آخر.

اللافت في هذا الجدل أنه لا يبدو محصورا في تيار دون آخر، بل يكشف قلقا عاما من طريقة إدارة الأزمات وتراجع مشاركة المواطنين وتآكل أسس التمثيل السياسي. وبين من يدعو إلى إصلاح شامل للدستور ومن يطالب بـ تفعيل مواده الصامتة أولا، تبقى الأسئلة الكبرى معلّقة: هل تعاني إيران من أزمة نص؟ أم أزمة تطبيق؟ أم أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع؟ وهل تسمح الظروف السياسية بإطلاق مسار مراجعة دستورية جديدة؟

أسئلة تبدو مؤجلة، على الأقل راهنا، فيما يتواصل النقاش حول مستقبل أهم وثيقة قانونية في البلاد.