- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 542 Views
كتب: ربيع السعدني
تستعد إسطنبول لاستضافة جولة حاسمة من المحادثات اليوم الجمعة 25 يوليو/تموز 2025، تجمع نواب وزراء خارجية إيران والترويكا الأوروبية (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا)، هذه الجولة، الأولى من نوعها منذ الهجمات الإسرائيلية والأمريكية على إيران في 13 يونيو/حزيران 2025، تأتي في ظل تهديدات بتفعيل آلية “سناب باك”، التي ستعيد فرض عقوبات الأمم المتحدة على طهران، الترويكا الأوروبية، التي تحاول إنقاذ ما تبقى من الاتفاق النووي لعام 2015، تضع إيران أمام خيارين: إما العودة إلى طاولة المفاوضات وإما مواجهة عزلة دولية أعمق.
وتعقد هذه المحادثات، اليوم الجمعة، في الساعة التاسعة والنصف صباحا بالتوقيت المحلي، بمبنى القنصلية العامة الإيرانية في إسطنبول بتركيا على مستوى نواب وزيري الخارجية، بحضور مجيد تخت روانجي وكاظم غريب آبادي، ويتركز موضوع المحادثات بين إيران وثلاث دول أوروبية على البرنامج النووي الإيراني، إضافة إلى “رفع العقوبات والمناقشات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، مع فارق أننا سنعلن مواقفنا بوضوح”، على حد تعبير عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني في تصريحات سابقة، وأشار كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية إلى المفاوضات اليوم وقال: “إن جهودنا ستنصب على معرفة الحلول المشتركة التي يمكننا التوصل إليها لإدارة هذا الوضع”.
يُشار إلى أنه في ظل الحكومة الرابعة عشرة (حكومة مسعود بزشكيان) عُقدت حتى الآن أربع جولات من المفاوضات مع الدول الأوروبية الثلاث الأعضاء في الاتفاق النووي (فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا)، في نيويورك، وجنيف، وإسطنبول، وجنيف على التوالي. وأكد إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، أن طهران لا تسعى للتفاوض مع الولايات المتحدة، بل تركز على حماية مصالحها الوطنية عبر الحوار مع الأوروبيين ومع ذلك، فإن هذا الحوار يحمل في طياته مخاطر كبيرة.

وفي حالة فشل المفاوضات، قد تلجأ أوروبا إلى تفعيل آلية “سناب باك”، وهي خطوة قد تُعقّد العلاقات الإيرانية مع حلفائها الشرقيين، روسيا والصين، اللذين قد لا يتمكنان من تقديم الدعم الكافي لمواجهة العقوبات الغربية.
آلية “سناب باك”.. قنبلة موقوتة في يد الترويكا
آلية “سناب باك“، أو إعادة فرض العقوبات تلقائيا، هي السلاح الاستراتيجي الذي تملكه الترويكا الأوروبية للضغط على إيران، وفقا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231، يمكن لأي من الأطراف الموقعة على الاتفاق النووي (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، الصين، روسيا) تفعيل هذه الآلية إذا ثبت أن إيران تنتهك التزاماتها، العملية تبدأ بإحالة النزاع إلى اللجنة المشتركة، ثم إلى مجلس الأمن، حيث يُمنح 30 يوما للتصويت على استمرار تعليق العقوبات، وإذا لم يتم التصويت، تعود العقوبات تلقائيا.
وكان مراسل الميادين في طهران وفقا لما نقلته وكالة أنباء الطلبة الإيرانية “إيسنا”، قد قال في وقت سابقٍ إن إيران وافقت، استجابة لطلب الدول الأوروبية، على عقد جولة جديدة من المحادثات مع ممثلي الترويكا الأوروبية، وإن هذه المحادثات ستعقد على مستوى نواب وزراء الخارجية، وأضاف أن إيران وافقت على عقد جولة جديدة من المحادثات مع ممثلي الترويكا الأوروبية استجابة لطلب الدول الأوروبية، وأكد أن المحادثات بين إيران وأوروبا ستجرى بشكل منفصل عن المحادثات غير المباشرة مع واشنطن.
إيلي غرانمايه، الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، يرى أن الترويكا تسعى لاستخدام هذه الآلية كورقة ضغط لإجبار إيران على العودة إلى الالتزام الكامل بالاتفاق النووي، لكنه يحذّر من أن تفعيل “سناب باك” قد يُشعل فتيل صراع عسكري جديد، خاصة بعد الهجمات الإسرائيلية والأمريكية الأخيرة، التي اعتبرها كثيرون غير قانونية.
غرانمايه يقترح حلا وسطا: تمديد فترة صلاحية الآلية بدلا من تفعيلها أو إنهائها، مما يمنح الأطراف فرصة للتفاوض دون خسارة النفوذ الدبلوماسي.
في سياق متصل، أطلق وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، تحذيرا صلبا خلال كلمته بمناسبة الذكرى العاشرة لتوقيع الاتفاق النووي الإيراني، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) عام 2015، وتوعد بأنه في حال فشلت المفاوضات مع إيران بشأن برنامجها النووي، بحلول نهاية أغسطس/ آب 2025، فإن باريس ستُفعّل ما يُسمى بـ“آلية الزناد”، مما سيؤدي إلى إعادة فرض عقوبات دولية صارمة على طهران.
وأضاف بارو، مدعيا: “لقد نقضت إيران التزاماتها التي تعهدت بها خلال المحادثات النووية قبل عقد من الزمان. ونتيجة لذلك، تمتلك فرنسا وحلفاؤها الحق الكامل في استعادة العقوبات العالمية التي شملت الأسلحة، القطاع المصرفي، والمعدات النووية، والتي كنا قد رفعناها في السابق”.
هل الصين وروسيا حليفان موثوقان؟

مع تصاعد الضغوط الغربية، تجد إيران نفسها مضطرة إلى تعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا، لكن، كما يشير المحلل الإيراني محسن جليلوند، فإن فعالية هذه التحالفات ومدى موثوقية الوعود الشرقية موضع شك.
الصين، التي تسعى لتعزيز مكانتها العالمية، قد تجد في إيران شريكا استراتيجيا لتأمين مصالحها في مجال الطاقة، لكنها غالبا ما تتردد في تقديم دعم مباشر يتعارض مع مصالحها مع الغرب، أما روسيا، التي ستتولى رئاسة مجلس الأمن في أكتوبر/تشرين الأول 2025، فقد تحاول تأخير تفعيل “سناب باك”، لكن مصالحها الخاصة قد تحد من دعمها لطهران، هذا الواقع يضع إيران في موقف صعب: فهي بحاجة إلى حلفاء يمكنها الاعتماد عليهم، لكن التاريخ أثبت أن كلا من بكين وموسكو يضعان مصالحهما الوطنية فوق أي التزامات تحالفية.
ومع ذلك، قد تكون الصين لاعبا رئيسيا في إيجاد حل وسط، مثل إرسال مفتشين خاصين لمراقبة البرنامج النووي الإيراني، كما اقترح بعض الخبراء؛ لتجنب انهيار الاتفاق النووي بالكامل.
إسرائيل وأمريكا.. اليد الخفية وراء التصعيد
في قلب هذا الصراع، تقف إسرائيل والولايات المتحدة كلاعبين رئيسيين يشكلان المشهد الدبلوماسي. تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة، التي طالب فيها بتفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، وتقييد مدى الصواريخ الإيرانية، وعزل إيران عن “محور المقاومة”، تكشف عن استراتيجية واضحة: إضعاف إيران استراتيجيا بأي ثمن. هذه الشروط، التي وصفها جليلوند بأنها “الوجه الآخر للاستسلام غير المشروط”، تُظهر أن إسرائيل ليست مجرد طرف ثانوي، بل صانع قرار رئيسي في المواجهة الإيرانية-الأمريكية.
من جانبها، تبدو الولايات المتحدة، تحت إدارة ترامب، متمسكة بسياسة الضغط الأقصى، تصريحات ترامب الأخيرة، التي منحت فيها روسيا مهلة 50 يوما، تشير إلى احتمال تفعيل “سناب باك” بحلول أوائل سبتمبر/أيلول 2025، هذا التصعيد يأتي في أعقاب هجمات عسكرية استهدفت منشآت نووية إيرانية، مما أثار انتقادات دولية حول شرعيتها، ومع ذلك، فإن عدم إدانة أوروبا لهذه الهجمات يعكس ازدواجية معايير قد تستغلها إيران لكسب تعاطف دول الجنوب العالمي.
حرب باردة أم تصعيد عسكري؟

مع اقتراب الموعد النهائي في أكتوبر/تشرين الأول 2025، تتعدد السيناريوهات المحتملة:
▪︎ تمديد آلية “سناب باك”: إذا نجحت الترويكا في إقناع إيران والصين وروسيا بتمديد الآلية، فقد يُتيح ذلك مساحة للتفاوض على اتفاق نووي جديد.
لكن هذا يتطلب تنازلات من إيران، مثل السماح بمراقبة دولية مشددة، وهو أمر قد يواجه مقاومة داخلية في طهران.
▪︎ تفعيل “سناب باك”: إذا اختارت أوروبا تفعيل الآلية، فقد تواجه إيران عزلة دولية أكبر، مع عودة عقوبات الأمم المتحدة.
هذا قد يدفع طهران إلى الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، مما يزيد من مخاطر التصعيد العسكري.
▪︎ التصعيد العسكري: في حال استمرار الهجمات الإسرائيلية أو الأمريكية، فقد تلجأ إيران إلى بناء منشآت نووية سرية أو تعزيز تحالفاتها العسكرية مع روسيا، مما يهدد بجولة جديدة من الصراع.
الرد الإيراني
ردا على تهديدات أوروبا بتفعيل “آلية الزناد”، رفضت إيران الاتهامات، مؤكدة أن أوروبا فقدت شرعيتها كطرف في الاتفاق النووي بسبب تخلفها عن التزاماتها، وفي هذا السياق، نشر وزير الخارجية، عباس عراقجي، رسالة باللاتينية على منصة X موجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن، محذرا من مساعي أوروبا لتفعيل الآلية.
وكتب عراقجي: “الدول الأوروبية الثلاث (E3) فقدت مكانتها كشريك في الاتفاق النووي عبر دعمها العدوان العسكري غير القانوني لإسرائيل وأمريكا، وخرقها المبادئ الأساسية للاتفاق، وإخفاقها المزمن في الوفاء بالتزاماتها، أي محاولة لإعادة تفعيل قرارات مجلس الأمن الملغاة باطلة قانونا”.
من جانبه، حذر نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي، الترويكا الأوروبية من أن تفعيل الآلية سيُعقّد الأوضاع، محملا الغرب مسؤولية أي تصعيد.
الاستعدادات الأخيرة

على الرغم من تحذير إيران الغرب من مغبة تفعيل “آلية الزناد”، فإنها أبقت قنوات الدبلوماسية مفتوحة، معلنة موافقتها على جولة مفاوضات جديدة مع الدول الغربية في إسطنبول الجمعة المقبل.
وفي سياق التحضيرات لهذا اللقاء المرتقب، استضافت طهران اجتماعا ثلاثيا بين إيران وروسيا والصين لبحث الملف النووي، الاجتماع، الذي عُقد الثلاثاء 22 يوليو/تموز 2025 بوزارة الخارجية الإيرانية، شهد نقاشات معمقة بين ممثلي الدول الثلاث حول آخر تطورات المفاوضات النووية، ورفع العقوبات غير العادلة، والقضايا المرتبطة بها، في خطوة تعكس تنسيقا استراتيجيا قبيل مفاوضات إسطنبول.
وقال ثلاثة دبلوماسيين أوروبيين ودبلوماسي إقليمي ودبلوماسي إيراني إن التركيز الرئيسي في اجتماع إسطنبول اليوم، سيكون على آلية الزناد، وقالوا إن دول الترويكا الأوروبية تنوي أن تقترح على إيران في هذا الاجتماع تمديد الموعد النهائي لتفعيل هذه الآلية لمدة ستة أشهر، وفي المقابل، يتعين على إيران أن تقدم التزامات بشأن قضايا رئيسية، بما في ذلك المفاوضات مع واشنطن، والتعاون الكامل مع الوكالة، والمساءلة عن مخزوناتها من اليورانيوم عالي التخصيب.
إيران على مفترق طرق
إيران اليوم تقف على حافة الهاوية، الضغوط الغربية تدفعها نحو تحالفات شرقية غير مضمونة، فيما تلقي تهديدات “سناب باك” بظلالها على الاقتصاد والدبلوماسية، المفاوضات المرتقبة في إسطنبول قد تكون الفرصة الأخيرة لتجنب التصعيد، لكن نجاحها يعتمد على قدرة الأطراف على تجاوز التوترات وإيجاد أرضية مشتركة.
في هذا السياق، يبقى السؤال المحوري: هل تستطيع إيران المناورة بحكمة في هذا العالم المضطرب، أم أن الصراع الجيوسياسي سيقودها إلى مواجهة لا مفر منها؟

