جولة إسطنبول.. إيران وأوروبا تستأنفان الحوار

عباس عراقجي- منصات التواصل

في تطور لافت لمسار المفاوضات الأوروبي الإيراني، استضافت مدينة إسطنبول يوم الجمعة 16 مايو/أيار 2025، جولة جديدة من المفاوضات بين إيران والدول الأوروبية الثلاث فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، المعروفة بالترويكا، ذلك الاجتماع، الذي انعقد خلف أبواب مغلقة في مقر القنصلية الإيرانية، أعاد إحياء الحراك الدبلوماسي بين طهران والدول الأوروبية وذلك بعد فترة صراع طويلة وتبادل للتهديدات.

جلسة حوار بمشاركة شخصيات رفيعة

فقد عقدت الجولة الرابعة من المحادثات بين إيران وأوروبا في إسطنبول، يوم الجمعة 16 مايو/أيار، بعد أيام من انعقاد الجولة الرابعة من المفاوضات غير المباشرة بين إيران وأمريكا في مسقط، وقد ترأس الوفد الإيراني في هذه الجولة مجيد تخت روانجي نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية، ورافقه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية.

وعلى الجانب الأوروبي، حضر المديرون السياسيون في وزارات الخارجية لكل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا، وسط متابعة حثيثة من الاتحاد الأوروبي، الذي مثله لاحقا أولاف سكوغ، نائب مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد، في اجتماع منفصل مع الوفد الإيراني.

هذا وقد كانت آلية العقوبات الأوروبية، المعروفة بآلية الزناد أو سناب باك، المحور الرئيسي لهذه المفاوضات، في الوقت الذي تقترب فيه طهران والعواصم الأوروبية من نقطة تحوُّل في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وهو الوقت المحدد لعودة العقوبات إذا ما قرر الاتحاد الأوروبي عدم التزام إيران بتعهداتها النووية، ما يرجح أن تكون هذه المفاوضات قد ركزت إلى حد كبير على كيفية التعامل مع هذه القضية الحساسة، إلى جانب ذلك فقد تناولت الجولة مناقشة القضايا الثنائية وإطلاع الاتحاد الأوروبي على سير المفاوضات مع أمريكا.

وحول تلك الجولة، قال كاظم غريب ‌آبادي، مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، إن إيران والدول الأوروبية الثلاث عازمة على الحفاظ على الدبلوماسية والاستفادة القصوى منها، وكتب على منصة إكس بعد انتهاء المفاوضات “استضفنا مدراء السياسة الخارجية للدول الأوروبية الثلاث في إسطنبول، وناقشنا آخر مستجدات المفاوضات غير المباشرة بشأن الملف النووي ورفع العقوبات”، وقد أشار إلى أنه “عند الضرورة، سنلتقي مجددا لمواصلة الحوار”.

هذا وقد أعلنت كريستين ترنر، المديرة السياسية لوزارة الخارجية البريطانية، بعد اجتماع الجمعة في إسطنبول، أن الدول الأوروبية الثلاث ترحب بالمفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن حول الملف النووي الإيراني. وكتبت على “إكس”: “أكدنا التزامنا بالحوار، كما رحبنا بالمحادثات بين إيران وأمريكا وبالطابع العاجل لها، واتفقنا على مواصلة اللقاءات”.

جديرا بالذكر أن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، كان قد تحدث عن تلك الآلية وتفعيلها خلال تغريدة له على منصة إكس 11 ميو/أيار 2025، حيث قال: “لقد عبرت إيران عن موقفها بوضوح، لقد حذرنا رسميا جميع الموقعين على الاتفاق النووي من أن استغلال آلية الزناد سيؤدي إلى عواقب، ليس فقط إنهاء دور أوروبا في هذا الاتفاق، بل أيضا تصعيد التوترات إلى مستوى قد يصبح غير قابل للعودة، على مجموعة الدول الأوروبية الثلاث أن تسأل نفسها كيف وصلت الأمور إلى هذا الطريق المسدود”.

وتابع: “بعد المشاورات الأخيرة في روسيا والصين، أعربت عن رغبتي في السفر إلى باريس وبرلين ولندن لبدء فصل جديد. وقد أدت هذه المبادرة إلى مناقشات أولية على مستوى نوّاب وزراء الخارجية بداية هشّة لكنها تبعث على الأمل. ومع ذلك، فإن الوقت يوشك على النفاد، فالطريقة التي سنتعامل بها مع هذا المنعطف الحاسم ستحدد مستقبل العلاقات بين إيران وأوروبا بعمق أكبر مما يتصور كثيرون، إن إيران مستعدة لقلب الصفحة، ونأمل أن يكون شركاؤنا الأوروبيون كذلك أيضا”.

تأتي هذه الجولة في وقت حساس للغاية على الصعيدين الإقليمي والدولي، فالملف النووي الإيراني لا يزال يشكل محور توتر دائم بين طهران والغرب، في ظل مخاوف أوروبية من تسارع البرنامج النووي الإيراني في غياب آليات رقابة فعالة، بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق في 2018 وفشل مفاوضات فيينا لاحقا، وفي المقابل، تصر طهران على أن أنشطتها النووية ذات طابع سلمي بحت، وتشدد على أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يتضمن رفعا شاملاً للعقوبات الأمريكية والأوروبية، وضمانات بعدم تكرار الانسحاب الأحادي من أي اتفاق.

تفاعل محدود من واشنطن… ولكن بعين المراقب

على الجانب الآخر، ورغم أن اللقاءات الإيرانية الأوروبية لم تشمل ممثلين أمريكيين، فإن واشنطن كانت حاضرة في خلفية المشهد، فالمحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، التي تتم عبر قنوات عمانية، يبدو أنها باتت محل قبول أوروبي ورضا ضمني أمريكي، فقد تحدثت مصادر مقربة من الخارجية الأمريكية لوسائل إعلام دولية عن أن واشنطن تتابع عن كثب تطورات حوار إسطنبول، وترى أن أي تحرك إيجابي من شأنه إعادة فتح الطريق نحو اتفاق مرحلي أو طويل الأمد.

ماذا بعد إسطنبول؟

رغم التقييم الإيجاب للمحادثات بين طهران والترويكا الأوروبية، فإن السؤال حول مدى فاعلية هذه المفاوضات وفلسفتها لا يزال مطروحا، وبهذا الشأن صرح عبد الرضا فرجي ‌راد، أستاذ الجيوسياسة والسفير الإيراني السابق لدى النرويج والمجر، خلال لقاء مع صحيفة “دنياي اقتصاد”، السبت 17 مايو/أيار 2025، قائلا: “إن الولايات المتحدة لم تعد ضمن مجموعة 5+1 بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، وبالتالي لا يمكنها تفعيل آلية سناب ‌باك، في هذا الوضع، يمكن لأوروبا أن تستغل هذه الآلية كأداة ضغط، فتعرقل أي اتفاق محتمل بين إيران وأمريكا”.

وأضاف: “نظرا إلى أن العلاقات بين أوروبا وترامب ليست جيدة، فمن الممكن أن تستخدم أوروبا آلية سناب ‌باك كوسيلة للمساومة أو لتعطيل المحادثات، ولا يمكننا الجزم بأن أوروبا ستتخلى تماما عن تفعيل هذه الآلية، فقد تثير مطالب إضافية، مثل المطالبة بأدنى حد من تخصيب اليورانيوم، أو إثارة قضايا أخرى”.

وتابع فرجي راد: “في اتصال هاتفي بين كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، وعراقجي، تم التركيز على العلاقات العسكرية بين إيران وروسيا. كذلك، أثار الفرنسيون خلال الأسابيع الأخيرة قضية البرنامج الصاروخي الإيراني، ويبدو أن هذه المطالب تأتي لحماية مصالحهم وضمان حصولهم على دور في حال تم التوصل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن”.

كما اعتبر فرجي ‌راد أن أوروبا من غير المرجح أن تفعل آلية سناب ‌باك، وقال: “إذا تم التوصل إلى تفاهم بين إيران وأمريكا، فلن تكون واشنطن وحدها رافضة لتفعيل الآلية، بل حتى روسيا والصين والأمم المتحدة لن تؤيد تفعيلها في ظل أجواء إيجابية، وبالتالي، لن تملك أوروبا مبررا قانونيا أو سياسيا لتفعيلها، إلا إذا صدر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقرير سلبي عن البرنامج النووي الإيراني”.

وعن احتمال إصدار تقرير سلبي حتى في حال الاتفاق مع أمريكا وخضوع البرنامج لمراقبة مشددة، صرح: بأنه “إذا أقرت الوكالة بسلمية النشاط النووي الإيراني، فلن يكون هناك مجال لتقارير سلبية”.

كما أوضح أن أحد أهداف الحوار مع أوروبا هو إدخال الأوروبيين في مسار التفاهم مع واشنطن، بحيث لا يشعرون بالتهميش أو يتخذون موقفا معارضا في حال حصول اتفاق، موضحا: “لا يمكننا تأكيد أن أوروبا لن تفعل سناب ‌باك إطلاقا في حال الاتفاق مع واشنطن. فقد تختلق ذرائع مثل المطالبة بتخصيب صفر بالمئة، وتتجه نحو عرقلة الاتفاق، وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فستزداد احتمالية تنسيق المواقف بين واشنطن وبروكسل لتفعيل آلية الزناد”.

واختتم فرجي راد بقوله: “في حال استمرار الحوار بين طهران والعواصم الأوروبية رغم غياب التفاهم مع واشنطن، ستزيد مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية من إيران. ومع ذلك، تبقى هناك سبل لتفادي تفعيل سناب ‌باك، شريطة تأكيد الوكالة على سلمية البرنامج الإيراني بالكامل”.