ردود فعل على تعيين علي لاريجاني: سعيد جليلي يشبّه دعاة التفاوض بعبدة العجل

في مشهد يعكس تصاعد التوتر داخل التيارات السياسية الإيرانية عقب تعيين علي لاريجاني أمينا عاما للمجلس الأعلى للأمن القومي، أثارت تصريحات لافتة للقيادي المحافظ سعيد جليلي جدلا واسعا بعد أن شبّه دعاة التفاوض والدبلوماسية بـ”عبدة العجل” من بني إسرائيل، في إشارة مبطنة حملت رسائل سياسية عميقة فُسرت على أنها انتقاد مباشر للخط الجديد في الحكم، ومحاولة لوضع نفسه في موقع “النبي الغائب”، في وقت يرى فيه مراقبون أن إيران بصدد تحول استراتيجي في إدارة ملفها النووي والعلاقات مع الغرب.

نشرت وكالة أنباء “خبر أونلاين” الأربعاء 6 أغسطس/آب 2025، تقريرا حول تداعيات وردود فعل تعيين علي لاريجاني أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وذكرت أنه ليس مجرد خطوة إدارية عادية، بل حمل في طيّاته رسائل وأثار ردود فعل واسعة، ففي الداخل الإيراني، فُسّر هذا التعيين على أنه إشارة إلى تغيّر في نهج الحوكمة، بينما اعتبرت وسائل إعلام أجنبيةٌ الخطوة تمهيدا لحل الملف النووي الإيراني.

ردود فعل وسائل الإعلام الأجنبية على تعيين لاريجاني

ذكرت الوكالة أن وسائل إعلام أجنبية رأت أن تعيين علي لاريجاني يُعدّ خطوة إيرانية في مرحلة ما بعد الحرب تهدف إلى إعادة بناء السياسات الاستراتيجية، فمؤسسة دراسة الحرب الأميركية (ISW) فسّرت هذا التعيين على أنه يندرج ضمن تمكين التيارات المعتدلة والبراغماتية داخل النظام الإيراني في أعقاب الحرب.

أما وكالة “بلومبرغ” الأمريكية فاعتبرت تعيين لاريجاني مؤشرا على محاولة واسعة لإعادة النظر في آليات القيادة الاستراتيجية الإيرانية، فيما كتبت صحيفة “الشرق الأوسط” أن تغييرات هيكلية تشهدها المؤسسات الحاكمة في إيران بعد حرب الـ 12 يوما مع إسرائيل.

وأضافت أن صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، وصفت وجود لاريجاني في موقعه الجديد بأنه يشكّل تهديدا مباشرا لإسرائيل، وذكّرت الصحيفة بتصريحات لاريجاني في شهر أبريل/نيسان 2024، حين قال في مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني:
“نحن لا نسعى لامتلاك سلاح نووي، ولكن إذا ارتكبتم خطأ بشأن الملف النووي الإيراني، فقد تجد إيران نفسها مضطرة إلى السير في هذا الاتجاه دفاعا عن نفسها”.

في الداخل الإيراني.. تعيين لاريجاني يُقرأ كتغيير في منهج الحوكمة

ذكرت الوكالة أنه في الأوساط السياسية داخل إيران، فُسِّر تعيين علي لاريجاني في منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي على أنه انعكاس لتحوّل في أساليب إدارة شؤون الحوكمة،
وقد أكّد الرئيس الإيراني مسعود بزشکیان، في مرسوم تعيينه، ضرورة انتهاج سياسات “شعبية” تضع المواطنين في صلب الاعتبارات الأمنية، وهو ما اعتُبر مؤشرا على اتجاه نحو مرونة أكبر في معالجة الملفات الحساسة.

وأضافت أن أهمية هذا التوجّه تبرز في ظل النقاشات الدائرة حول قوانين مثل ” قانون الحجاب”، حيث كان المجلس الأعلى للأمن القومي قد أقرّ قرارا حال دون تنفيذ هذا القانون، وكان بزشکیان قد صرّح في وقت سابق بأنه “لن يقف في مواجهة الشعب”.

وأوضحت أنه ورغم ذلك، فإن أغلب التحليلات تشير إلى أن تعيين لاريجاني يرتبط بملف إيران النووي والعلاقات مع الغرب، خصوصا أن لاريجاني كان قد تولى لمدّة عامين إدارة المفاوضات النووية حين كان أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد.

ترحيب واسع من وزراء “الدبلوماسية والميدان” بتعيين لاريجاني

تابعت الوكالة أن تعيين علي لاريجاني قوبل بترحيب لافت من شخصيات بارزة في السياسة الخارجية والدفاع، إضافة إلى فاعلين سياسيين ودينيين، فوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بعث برسالة تهنئة إلى لاريجاني أعرب فيها عن استعداده للتعاون الوثيق معه، وكتب:
“أنا وزملائي في وزارة الخارجية مستعدون للتعاون القريب والصادق معكم في أداء المهمة الدقيقة لأمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، خصوصا في مجال الدبلوماسية والسياسة الخارجية، بما يحفظ مصالح إيران الوطنية وأمنها، ويعزز قوتها وتقدمها الشامل”.

وأضافت أن وزير الدفاع عزيز نصير زادة، كتب إلى لاريجاني قائلا:
“في هذه المرحلة الحساسة، لا شك في أن وجود سياسي مخضرم وذو بصيرة عميقة في هذا الموقع المصيري سيكون مؤثرا ومفتاحا للحلول.”

وأوضحت لم يقتصر الترحيب على هذين الوزيرين المعنيين بـ”الدبلوماسية والميدان”، بل عبّرت شخصيات ووسائل إعلام وناشطون سياسيون عن رضاهم بتعيين لاريجاني.

وفي السياق نفسه، كتب علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى ووزير الخارجية الأسبق، على منصة “إكس”:
“الاستعانة بكوادر مجرّبة وذات خبرة تربّت في ظل الجمهورية الإسلامية في هذا الظرف الإقليمي والدولي المتوتر، يعكس حكمة وبعد نظر النظام.”

شخصيات سياسية: تعيين لاريجاني بداية العودة إلى الاعتدال

ذكرت الوكالة أن محمود واعظي، السياسي المعتدل رحّب بتعيين علي لاريجاني أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وكتب:
“الروح العابرة للتيارات، والإدارة التنموية، والمنهج المعتدل لعلي لاريجاني، ستكون منطلقا لتحول إيجابي في قرارات الأمانة العامة للمجلس، هذه التغييرات تشير إلى تعزيز فكر الاعتدال والعقلانية، وإن كانت تأتي ضمن مسار لتغيير النهج وإرسال رسالة إلى الشعب، فأعتبرها خطوة بناءة.”

وأضافت قول حشمت‌ الله فلاحت‌ بيشه، رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الأسبق، إن تعيين لاريجاني يحمل رسالتين؛ داخلية تعني فشل مشروع المتشددين، وخارجية، مفادها أن إيران تبحث عن التفاوض.

حضور لاريجاني يفتح باب التأويلات

ذكرت الوكالة أن عودة علي لاريجاني إلى المشهد السياسي أثارت جملة من التحليلات والتكهنات في الأوساط الإعلامية الإيرانية، حيث تنوّعت القراءات ما بين من يراه قائدا محتملا للمفاوضات النووية، ومن يربط ظهوره بنهاية دور التيار المتشدد المتمثل في سعيد جليلي.

وأضافت أن موقع تابناك أشار إلى أن لاريجاني “سيكون حتما له دور محوري في إدارة مفاوضات الملف النووي”، إلا أنه استبعد قيادته المباشرة لهذه المفاوضات نظرا لأن المفاوضين الحاليين، وفي مقدمتهم وزير الخارجية، يحظون بدعم مباشر من المرشد الأعلى.

وتابعت أنه من جهتها، اعتبرت صحيفة شرق أن التغيير في الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي يتجاوز مجرد تبديل شخصي، ويمثل بداية لتحول استراتيجي أوسع، بل رأت أن “عصر سعيد جليلي قد انتهى.”

وأشارت إلى أن صحيفة فرهيختكان قد خصصت افتتاحيتها للحديث عن خصائص لاريجاني التي تؤهله – حسب رأيها – لإعادة بناء المشروع الوطني، مشيدة بنضجه السياسي، وعمقه النظري، وبلاغته الخطابية. وكتبت:
“دعونا نبدأ بالترحيب بهذا التعيين، ونتحدث عن الفرص التي يتيحها، والصفات التي يمتلكها لاريجاني والتي يحتاجها البلد، على أن نؤجل النقد والمساءلة عن ماضيه وفريقه إلى وقت لاحق.”

جليلي يهاجم أنصار التفاوض بالتشبيه ببني إسرائيل

ذكرت الوكالة أنه بالتزامن مع تعيين علي لاريجاني أمينا عاما للمجلس الأعلى للأمن القومي، شنّ التيار المقرب من سعيد جليلي هجوما لاذعا على هذا التعيين، حيث لم يخفِ جليلي ومقرّبوه امتعاضهم من عودة لاريجاني إلى أحد أبرز مفاصل صناعة القرار الأمني في إيران، مستخدمين لهجة غير معتادة في هذا السياق.

وأشارت إلى تغريدة نشرها جليلي، قال فيها:
“لقد بعث الله نبيا لبني إسرائيل لينقذهم من ظلم فرعون، ولكنهم بعد انتصارهم عليه، وحين غاب نبيهم أربعين يوما إلى طور سيناء، عبدوا العجل! واليوم، بعد أن هاجم العدو إيران أثناء المفاوضات، وخرجت الأمة منتصرة، يعاود البعض الحديث عن التفاوض مجددا”.

وأضافت أنه رغم أن جليلي ألقى هذه التصريحات قبل إعلان تعيين لاريجاني رسميا، فإنها جاءت متزامنة مع ازدياد الحديث عن احتمال خلافة لاريجاني له في المجلس الأعلى، ما جعل المراقبين يرون في التغريدة ردا مبكرا على تعيين وشيك.

وأشارت إلى أن الهجوم لم يقتصر على جليلي وحده، بل امتد إلى مساعديه والمقرّبين منه،
فأميرحسين ثابتي، المستشار السابق لجليلي في الانتخابات الرئاسية والنائب في البرلمان الإيراني، كتب على منصة “إكس”:
“تعيين لاريجاني لا يبدو سياسيا فقط، بل وظيفي بامتياز، فضعف الرئيس بزشکیان في إدارة الدولة سيعوّضه لاريجاني كرئيس حكومة ظلّ من خلال منصب أمين المجلس الأعلى، وهو موقع يمكنه من التنسيق بين الوزارات والمؤسسات المختلفة”. 

أما حميد رسائي، النائب المحافظ البارز، فغرّد مهاجما لاريجاني، مذكّرا بتصريحات سابقة له قال فيها:
“مع هذا الدولار الغالي والغلاء المعيشي، لا معنى للوفاق”.
وتابع رسائي بسخرية:
“نأمل أن لا يرى لاريجاني في موقعه الجديد أنه مضطر لفرض وفاق مع الحكومة بأي ثمن”.

وأوضحت الوكالة أنه في المحصلة، يبدو أن تعيين لاريجاني لم يمرّ بسلاسة داخل المعسكر الأصولي، بل فجّر تناقضات قديمة بين الخط التقليدي العقلاني والتيار الراديكالي الذي يمثله جليلي، ما يعكس حجم الرهانات السياسية على مستقبل التفاوض والدبلوماسية الإيرانية.

الرسائل المبطنة في خطاب جليلي

ذكرت الوكالة أنه في لحظة حساسة من التغييرات داخل منظومة الحكم في إيران، وتزامنا مع تعيين علي لاريجاني ، خرج سعيد جليلي — أحد أبرز وجوه التيار الراديكالي — بتصريح مفاجئ ومثير للجدل، شبّه فيه أنصار الدبلوماسية بأنهم قوم بني إسرائيل الذين عبدوا العجل في غياب نبيّهم موسى.

وأضافت أنه ظاهريا، يبدو أن جليلي أراد التشكيك في جدوى العودة إلى طاولة التفاوض بعد ما يعتبره “انتصارا” ضد العدو، لكن باطن هذا التشبيه يكشف ما هو أعمق: فهو يضع نفسه في موضع “موسى”، القائد الغائب، ويعتبر دعاة التفاوض خائنين للمسار الذي رسمه.

وأوضحت أن هذا الخطاب لم يمرّ مرور الكرام، إذ يثير تساؤلات مشروعة:

  1. إذا كان جليلي يرى نفسه موسى، فهل “يده البيضاء” كانت… العقوبات؟
    فعهد جليلي في الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي شهد أشد مراحل العقوبات الأممية والدولية على إيران، بعد فشل جولات التفاوض النووي حينها، فهل يقبل جليلي بأن إنجازه الأكبر كان إحكام الحصار لا كسره؟
  2. لماذا يتقاطع غضب جليلي مع قلق إسرائيل؟
    في الوقت الذي ترى فيه أطراف داخلية عودة لاريجاني خطوة عقلانية لتغيير مسار الحكم والأمن القومي، وفي حين تصف مؤسسات إسرائيلية هذه العودة بأنها تهديد واضح لها، يصطف جليلي بجانب هذا القلق الخارجي في رفضه لهذه الخطوة.
    هل هذا التقاطع مجرد صدفة؟ أم أن جليلي بات يُعبّر عن خيبة سياسية من تراجع دوره، فاندفع نحو تصريحات غير محسوبة؟

وتابعت أنه في كلتا الحالتين، يُظهر الخطاب الأخير لجليلي نوعا من الارتباك السياسي وربما الإحباط الشخصي، أكثر مما يعكس موقفا استراتيجيا ناضجا، ومثل هذه التصريحات، لا تليق بمن شغل لسنوات مفاصل حساسة في منظومة القرار، وتُظهر قصورا في تقبّل التحولات السياسية، أو كما يمكن تسميته: سوء خسارة.

واختتمت أن الأهم من ذلك، أن إيران- وهي على مشارف مرحلة جديدة في سياساتها الإقليمية والدولية- تحتاج إلى نُضج سياسي يتجاوز تشبيهات متشنجة من زمن القصص القرآني، ويؤسس لخطاب عقلاني يُقدّم الأمن القومي على المكاسب الفئوية.