- زاد إيران - المحرر
- 629 Views
كشف محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني الأسبق، في مطلع الأسبوع الماضي، عن مبادرة نووية جديدة للمنطقة، تهدف إلى جعل الشرق الأوسط خاليا من السلاح النووي، ويحمل هذا المقترح اسم “المنارة“، وهو مركز إقليمي للبحث والتطوير والتقدّم النووي، هدفه تأسيس مؤسسة إقليمية لاستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية وخفض التوترات النووية في المنطقة.
نشرت وكالة أنباء “خبر أونلاين” السبت 9 أغسطس/آب 2025، حوارا مع مهدي ذاكيان، خبير الشؤون الدولية، حول الجوانب العملية لمقترح ظريف وإمكانية مشاركة دول أخرى في هذا المشروع، مع التطرق إلى المواقف الداخلية المؤيدة والمعارضة له. وفي ما يلي نص الحوار:

إلى أي مدى يمكن أن يكون مقترح إنشاء شبكة شرق أوسطية للبحث والتطوير النووي (المنارة) قابلا للتنفيذ؟
برأيي، هذه المشاريع غير قابلة للتنفيذ، وهي أقرب إلى الشعارات منها إلى الخطط الواقعية، وتعتمد على نوع من الرؤية الداخلية للمسائل ذات بعد دولي، فبعض الأشخاص داخل إيران، عندما يواجهون مشكلات، يحاولون عبر طرح مقترحات على العالم إظهار إيران كطرف نشط، لكنني لا أرى هذه المقترحات عملية.
ما سبب هذا الرأي؟
السبب هو أن معظم دول منطقة الشرق الأوسط على خلاف مع إيران، لا توجد أي منها حليفا لإيران، ولا توجد شراكات خاصة، بل حتى منافسة صحية لا نراها، في الواقع، يمكن القول إن الكثير من هذه الدول في حالة عداء مع إيران.
هل يعني هذا أنه لا توجد أساسا أرضية للتعاون الإقليمي في هذا المجال؟
نعم، في الحقيقة لا توجد أي أرضية للتعاون بين إيران وبقية دول الشرق الأوسط، وقد رأينا هذا بوضوح خلال حرب الـ 12 يوما الأخيرة، إذ لم تُبدِ أي من دول المنطقة أي رد فعل داعم لإيران، ومن المدهش أن يخرج مقال بهذا القدر من التفاؤل من شخصية مثل محمد جواد ظريف، المعروف بعلمه وخبرته، ولا أعلم ما إذا كان خلال تلك الحرب قد لاحظ أن دول المنطقة لم تُبدِ أي موقف داعم لإيران.
والآن، افترض أن هذه الدول نفسها تريد الانضمام إلى تحالف نووي جاءت فكرته من إيران، وليس من القوى الكبرى أو منظمات كالأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، عادة، هذه الدول لا تُعير اهتماما لمقترحات إيران ولا تأخذها على محمل الجد، إلا إذا جاءت من دولة تربطها بها علاقة استراتيجية. فكيف يمكن لإيران أن تقول لدول المنطقة: “تعالوا نتعاون في مجال البحث والتطوير النووي”، وأي دولة ستستجيب لهذا الطرح؟ إن الأساس الذي يقوم عليه الشرق الأوسط وتشكيله تحدده الولايات المتحدة وإسرائيل.
أليست الصين من بين أهم انشغالات إدارة ترامب؟
ليس الأمر كذلك، فعلى عكس الادعاءات السابقة التي قالت إن الولايات المتحدة حوّلت تركيزها نحو الصين ولم تعد تولي الشرق الأوسط أهمية، فإن الواقع يُظهر أنه مع اتفاقات مثل “اتفاق إبراهام” وتطبيع العلاقات بين بعض الدول العربية وإسرائيل، شهدت المنطقة تغيرات كبيرة، لكن كل هذه التطورات أثبتت أن الشرق الأوسط لا يزال منطقة شديدة التوتر، وفي مثل هذا المناخ، لا يمكن أن يتشكل تعاون إقليمي بسهولة، خاصة عندما يكون أحد أطراف هذا التعاون، وهو إيران، يُنظر إليه من قبل النظام الدولي على أنه أحد الأسباب الرئيسية لهذه التوترات، ولا سيما بسبب أنشطته النووية والصاروخية ونفوذه الإقليمي.

قبل الثورة الإسلامية، عندما بدأ الشاه السعي وراء النشاط النووي، ورغم محاولات العرقلة الأمريكية، تمكن من خلق نوع من الشعبية والشرعية الدولية لإيران، فمن الناحية الاقتصادية، كان يتعامل مع جميع دول العالم، ومن الناحية السياسية كان يلعب دورا إيجابيا بين الكتلتين الشرقية والغربية، ولم يكن سببا في زيادة التوترات، بل العكس كان يتبع سياسة “التوازن الإيجابي”.
في تلك الفترة، لم تكن لإيران علاقات جيدة مع دول عدم الانحياز فحسب، بل أيضا مع دول المنطقة، مما مكّنها من لعب دور فاعل في إنشاء نظام نزع السلاح ومعاهدة حظر الانتشار النووي (NPT). كما تولت إيران رئاسة مؤتمر نزع السلاح لمدة عشر سنوات، وكان الراحل داوود باوند أحد رؤساء هذه المؤتمرات. وبالمحصلة، استطاعت إيران آنذاك أن تقيم تفاعلا إيجابيا مع النظام الدولي وتوفر بيئة تمكّنها من القيام بأنشطة نووية داخلية، وفي الوقت ذاته تحظى بترحيب عالمي، حيث استثمرت دول مختلفة، منها فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، في برامج إيران النووية.
صحيح أن تلك الدول استثمرت في البرنامج النووي الإيراني في ذلك الوقت، لكن اليوم هي تتدخل في برنامجنا النووي ولا ترغب برؤية إيران تحقق تقدما في هذا المجال.
والسبب أن الظروف اليوم مختلفة تماما، فإيران تُعدّ بنفسها أحد أطراف التوتر، ومن المدهش أن يُنشر مقترح كهذا باسم ظريف في وقت يصدر فيه مجلس الحكام قرارات ضد إيران، وتشارك في هذه القرارات العديد من دول المنطقة نفسها.
في مثل هذا المناخ، هل يمكن توقع أن يحظى المقترح الإيراني بالقبول؟
لا، ففي نص هذا المقترح وُجهت إهانات إلى إسرائيل، وبالرغم من أن النظام الدولي قد يدين بعض ممارسات إسرائيل، إلا أنه في الواقع يُدين أكثر أفعال حركة حماس، فمن وجهة نظره، فإن هجوم السابع من أكتوبر، حتى لو جرى تبريره تحت عنوان “المقاومة”، فإن الأفعال التي تُعد انتهاكا لحقوق الإنسان وقوانين الحرب لا يمكن قبولها.
أشرتم إلى أن دول المنطقة لا تتعاون، فهل تعتقدون أن المسؤولين في إيران وكذلك في الولايات المتحدة سيستقبلون مثل هذا المقترح بالترحيب أم لا؟
بالطبع يجب أن نلاحظ أن الولايات المتحدة لا يمكن فصلها عن شعبها، فترامب شخص فاز بدورتين انتخابيتين، وحتى الآن لديه فرصة للفوز مجددا، ورغم مواقفه الحادة وانتقاداته الكثيرة، فإنه يحظى بدعم شريحة واسعة من الشعب الأمريكي. لذا، عندما نقول “أمريكا”، فنحن لا نعني الحكومة فقط، بل الشعب والكونغرس وسائر المؤسسات أيضا.
أما داخل إيران، فإن الذين قدّموا هذا المقترح لم يحظوا حتى بدعم من الهيئات التنفيذية أو البحثية أو الاستراتيجية في، فعلى سبيل المثال، دخول مسعود بزشكيان إلى سباق الانتخابات الرئاسية كان بفضل جهود محمد جواد ظريف، ولو لم يكن ذلك الخطاب القوي منه، لربما كان الرئيس الحالي شخصا آخر. لكن هذا الشخص نفسه، أي بزشكيان، لم يدعم ظريف. فكيف نتوقع أن تدعم مؤسسات أخرى مثل البرلمان أو السلطة القضائية أو الأجهزة الأمنية والعسكرية أو حتى مكتب المرشد الأعلى خامنئي هذا المقترح؟
لذلك، يجب أن نكون واقعيين؛ فإذا كان شخص يجلس في قصر الباستور ويَدِين بهذا القدر من الفضل لـ ظريف لا يجرؤ على دعمه، فكيف يمكن أن يحظى مقترح صادر عنه بقبول على المستوى الوطني أو الدولي؟

وماذا عن المسؤولين الأمريكيين؟
في الولايات المتحدة أيضا، لا يمكن توقع أن يُقبل هذا المقترح، فبلد كان على خلاف مع إيران حتى قبل خمسين يوما فقط، كيف يمكن أن يسمح الآن لإيران وبقية دول المنطقة بأن ينفذوا، ضمن تحالف، أنشطة بحث وتطوير نووي؟
ما معنى شرط “عدم السعي للحصول على سلاح نووي” الوارد في المقترح؟
هذا ببساطة ما يعنيه الانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT)! أي الالتزام بعدم السعي لامتلاك السلاح النووي، ولهذا السبب فوجئت برؤية هذا الشرط في المقترح، إذ إن ظريف يعرف أكثر من أي شخص آخر أن إيران هددت بالانسحاب من المعاهدة، ولكن الانسحاب منها، سواء من الناحية القانونية أو السياسية، له كلفة عالية جدا على إيران، وهو أمر غير مقبول أساسا.

