من الصناعة إلى الصمت: خطأ في الترجمة يُضحك ويُربك

كتب: الترجمان

في عالم الترجمة، هناك أخطاء تمرّ كمرور نملة فوق سجادة إيرانية، وهناك أخطاء تُضحِك، وأخرى تُربِك، ثم تأتي الأخطاء التي لا تكتفي بأن تربك أو تضحك، بل تعيد تشكيل الوزارات، وتفتح بابا إلى بيروقراطية لم يتخيّلها حتى واضعو الدستور الإيراني! وهذه واحدة من تلك النوادر التي لا تُنسى.

كان ظهر يوم هادئ في غرفة الترجمة داخل موقع “زاد إيران”. كنت منشغلا بمراجعة بعض التقارير عن قطاع الطاقة حين وصلتني مسودة لخبر مترجَم عن بيان حكومي. العنوان بدا غريبا، غريبا إلى درجة جعلتني أتوقف عن القراءة وأرفع رأسي:

“وزارة الصمت تصدر قرارا جديدا بشأن الصناعات الثقيلة”

في البداية ظننتها مزحة من الزملاء، فغرف الترجمة لا تخلو من الدعابات التي توازن ضغط العمل. لكن لا، العنوان مكتوب على محمل الجد، ومُعدّ للنشر خلال دقائق.
قرأت العنوان مرة أخرى، ثم ثالثة، ثم تركت الورقة على الطاولة وضحكت ضحكة قصيرة تشبه الضحك الذي يخرج من إنسان يحاول استيعاب ما يحدث.

وزارة الصمت؟
هل أسست إيران وزارة جديدة تُشرف على الهدوء العام؟
هل هي مسؤولة عن ضبط مستوى الضوضاء في الشوارع؟
أم ربما هي وزارة روحانية تتبنى التأمل الجماعي وتروّج للفلسفة الهادئة؟
أم أننا أمام ابتكار بيروقراطي جديد كليا: وزارة تُصدِر القرارات… وهي صامتة؟

فضولي اللغوي – وهو فضول لا يهدأ- دفعني لفتح النص الفارسي الأصلي. وهناك اتضحت الحقيقة التي يعرفها كل مترجم مرّ على الأخبار الإيرانية يوما واحدا:

وزارت صمت
وهي ليست حالة روحية، ولا برنامجا حكوميا للسكينة النفسية، بل اختصار رسمي شائع للغاية لوزارة ضخمة ومؤثرة:

صنعت، معدن و تجارت
أي: وزارة الصناعة والتعدين والتجارة.

ضحكت مرة أخرى. ليس سخرية من أحد، ولكن من غرابة أن تتحوّل وزارة بهذه الأهمية إلى وزارة “الصمت” بسبب عدم إدراك أنها اختصار.

استدعيت المترجمة، وسألتها:

– لماذا ترجمتي “صمت” إلى “الصمت”؟

رفعت رأسها بثقة لغوية وقالت:
– هي كلمة عربية، فظننت أنها “صمت” بمعناها العربي.

ابتسمتُ، وقلت لها:
– صحيح أن الإيرانيين يكتبون كثيرا باختصار، وأن الكلمة قد تبدو “صمت”، لكن “وزارت صمت” ليست حالة بشرية، بل اختصار رسمي لوزارة من أضخم الوزارات الاقتصادية. تحويلها إلى وزارة الصمت يعني أن الوزير سيجلس في مكتبه متأملا في سكون، بينما في الواقع هو مسؤول عن المصانع والمناجم والأسواق!

ثم شرحت لها أن الإيرانيين يستخدمون الاختصارات الوزارية بكثافة، حتى أن بعضها يتحوّل إلى علامات لغوية لا تحتاج إلى شرح:
“صمت” للصناعة والتعدين والتجارة،
“راه” للطرق، و”نيرو” للطاقة، و”کشور” للداخلية، وغيرها.

وأن أي مترجم سياسي يجب أن يحفظ هذه الاختصارات كما يحفظ جدول الضرب. فترجمتها حرفيا تشبه ترجمة “UAE” إلى “أُوي!” بدل “الإمارات العربية المتحدة”.

المشكلة ليست لغوية فقط، بل سياقية أيضا.
فالقارئ العربي حين يقرأ “وزارة الصمت” لن يفهم أبدا أن المقصود هو وزارة تشرف على الصناعة. سيظن أننا أمام جهة تنظم الضوضاء، أو جهة تنتج أجهزة عزل الصوت، أو ربما—في مخيّلته—جهة مسؤولة عن ضبط الأعصاب العامة!

والطريف أن بعض المواقع العربية التي نسخت الخبر دون مراجعة، نشرت العنوان كما هو، فانتشرت العناوين بشكل كوميدي:

“وزارة الصمت الإيرانية تكشف خطتها لخمس سنوات”
“وزارة الصمت تتحدث عن مستقبل الصناعة”
(وكأنها تتحدث… وهي صامتة!)

لو قرأها أي إيراني لابتسم ساخرا وقال:
– لا يوجد في إيران وزارة تصمت أصلا، فالوزارات هنا لا تتوقف عن إصدار البيانات لحظة واحدة!

في نهاية المطاف، صححنا الخبر، وأعدنا الوزارة إلى اسمها الحقيقي، وخرج “الصمت” من المشهد بصفته حالة بشرية، لا مؤسسة حكومية.

وقلت للمترجمة – مازحا- قبل أن تغادر المكتب:
– الخطأ وارد يا زميلتي… لكن لو استمررنا بهذا الشكل، سنجد يوما خبرا يقول: “وزارة الضوضاء تحتج على كثرة الكلام”!

وإلى اللقاء في نادرة جديدة من نوادر المترجمين.