- زاد إيران - المحرر
- 342 Views
كتب: الترجمان
في خطوة غير مسبوقة في إدارة العلاقة بين الدولة والرأي العام في إيران، كشفت نتائج استطلاع جديد أجراه مركز «إيسبا» لاستطلاعات الرأي بطلب من رئاسة الجمهورية، عن مستوى مقلق من نقص الثقة الشعبية في أداء المسؤولين المحليين والنواب، حيث اعتبر أغلبية المشاركين أداء هؤلاء «ضعيفا»، بينما وصلت نسبة عدم الرضا العام عن الأوضاع في البلاد إلى نحو 92%.
هذه النتائج التي أفرج عنها جزئيا محمد جواد جوادي يكانه، مستشار الشؤون الاجتماعية ورئيس مركز الاتصالات الشعبية في رئاسة الجمهورية، أثارت جدلا واسعا، ليس فقط بسبب أرقامها المرتفعة، بل أيضا بسبب الجرأة في إعلانها من داخل الجهاز التنفيذي نفسه، وهو ما يعكس توجهاً جديداً في تعاطي الحكومة مع الرأي العام.
تحول في لغة السلطة: من الإنكار إلى الاعتراف
كتب جوادي يكانه على حسابه في إنستغرام أن الرئيس مسعود بزشكيان يؤمن بأن «عندما يكون الناس غير راضين، فالمشكلة ليست في الأرقام، بل في أدائنا نحن».
وأضاف أن الرئيس لا يسعى لتغيير الأسئلة أو منهجية الاستطلاع، ولا لتجميل النتائج، بل يعتبر إدراك حجم السخط الشعبي خطوة أولى نحو حل المشكلات.
هذا التصريح البسيط حمل في طياته انعطافة مهمة في العقل السياسي الإيراني. فبينما اعتادت الحكومات السابقة على التشكيك في مصداقية استطلاعات الرأي أو اتهامها بالمبالغة، يبدو أن الحكومة الرابعة عشرة تتجه نحو اعتبار نتائج الرأي العام مرآة تصحيح، لا تهديداً لشرعية النظام.
منهجية الاستطلاع ونتائجه الأولية
تم تنفيذ الاستطلاع في ستة عشر محافظة إيرانية تزامنا مع جولات الرئيس الميدانية فيها، وهدفه قياس رضا المواطنين عن أداء المحافظين والمسؤولين المحليين وممثلي البرلمان.
النتائج، كما نشرها يكانه، أظهرت أن أغلبية المشاركين قيّمت أداء مسؤولي المحافظات بين “ضعيف” و”متوسط”، في حين رأى نحو 59% من المستجيبين أن أداء النواب ضعيف جداً. وتشير هذه النسب إلى فجوة واضحة بين المجتمع المحلي ومؤسسات الدولة المنتخبة والمعيّنة على السواء.
وفي تطور لاحق، نفى جوادي يكانه، رئيس مركز الاتصالات في رئاسة الجمهورية، عبر منشور على منصة «إكس»، صحة الاستطلاع كما صرّح في مقابلة مع إحدى وكالات الأنباء بأن المركز لم يجرِ أي استطلاع يتعلق بشعبية الشخصيات السياسية، ما أثار تساؤلات حول دقة التسريبات الإعلامية وحقيقة الجهة التي تقف وراء نشر النتائج.
وفي تقرير آخر لموقع رويداد 24، نُشرت مقتطفات إضافية من نتائج الاستطلاع نفسه، تحت عنوان: “تسريب نتائج استطلاع سري: حكومة أحمدي نجاد في الصدارة، وحكومتا روحاني وبزشكيان في ذيل القائمة”.
ووفقا لما ورد في التقرير، احتل الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد المرتبة الأعلى في مؤشر الشعبية العامة، بينما جاء حسن روحاني ومسعود بزشكيان في أدنى المستويات. ومع ذلك، تشير مصادر مطلعة إلى أن هذه النتائج تختلف بين طهران وسائر المحافظات، وأن الاستطلاع أُجري أساساً لأغراض داخلية لا للنشر العام.

واقعية بزشكيان في مواجهة إرث الإنكار
تكتسب هذه النتائج معناها الأعمق عندما توضع في سياق السياسة الإيرانية الحديثة. ففي السنوات الماضية، كانت المؤسسات الرسمية تتعامل مع استطلاعات الرأي بوصفها أدوات تهديد لهيبة الدولة. أما اليوم، فالمؤسسة نفسها هي من طلبت الاستطلاع ونشرت بعض نتائجه.
هذا السلوك يعكس تحولا من الذهنية الدعائية إلى الذهنية التقييمية، إذ ترى حكومة بزشكيان أن مواجهة التحدي أفضل من إنكاره. وهو نهج جديد يتسق مع خطاب الرئيس منذ حملته الانتخابية، حين شدد على ضرورة “الاعتراف بالأخطاء قبل تصحيحها”.
ويرى مراقبون أن الجرأة في نشر الأرقام، رغم سلبيتها، تمثل محاولة لإعادة الثقة المفقودة بين الدولة والمجتمع، خصوصاً بعد سنوات من الركود الاقتصادي، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات الهجرة والبطالة.
92% نِسبة صادمة أم مرآة الواقع؟
بحسب البيانات المنشورة، تبلغ نسبة نقص الرضا العام عن أوضاع البلاد نحو 92%، وهي نسبة تاريخية لم تُسجَّل في أي استطلاع رسمي سابق.
لكن الخبراء يشيرون إلى أن هذه النسبة لا تعني بالضرورة فشل الحكومة الحالية، بقدر ما تعكس حالة عامة من الإحباط والتآكل في رأس المال الاجتماعي للدولة.
فمنذ سنوات، تتراجع الثقة بالمؤسسات العامة نتيجة الأزمات الاقتصادية والعقوبات الدولية، وتزايد الفوارق الطبقية، وتنامي الشعور بانسداد الأفق. من هذا المنظور، يُعدّ تدني ترتيب حكومة بزشكيان مقارنة بالحكومات السابقة نتاجاً لظروف بنيوية أكثر من كونه انعكاسا لأداء فردي.

منصّة إصلاح لا وسيلة دعاية
تؤكد مصادر داخل مؤسسة الرئاسة أن الهدف من هذا النوع من الاستطلاعات ليس التسويق السياسي، بل توفير قاعدة بيانات لتصحيح المسار. ويبدو أن بزشكيان يسعى لاستخدام علم الاجتماع السياسي كأداة للحكم، عبر ربط القرارات الاقتصادية والتنموية بواقع الرأي العام.
وفي هذا السياق، يختلف النهج الحالي عن ممارسات حكومات سابقة كانت تتعامل مع الإعلام والأرقام بمنطق الدفاع والتبرير، بينما اليوم هناك محاولة لتبني الشفافية كوسيلة لإعادة بناء الشرعية الشعبية.
بين أحمدي نجاد وبزشكيان: ذاكرة المقارنة الشعبية
تُظهر المقارنات بين الحكومات المتعاقبة أن ذاكرة المواطن الإيراني لا تزال تربط فترة أحمدي نجاد بالإعانات المالية ودعم السلع الأساسية، رغم الأزمات اللاحقة، ما يفسر تصدره مؤشرات الرضا. أما حكومتا روحاني وبزشكيان فواجهتا تحديات اقتصادية أكبر، في ظل العقوبات وتراجع العملة، ما جعل الرأي العام أكثر ميلاً إلى التقييم السلبي.
ومع ذلك، فإن نشر مثل هذه النتائج قد يكون بحد ذاته نقطة قوة لبزشكيان، لأنها تعكس استعداده لمواجهة النقد بشفافية، خلافاً لسلفيه اللذين كانا يفضلان الصمت أو الإنكار.
يبدو أن الحكومة الإيرانية الحالية تسعى إلى بناء ثقافة جديدة في إدارة العلاقة مع المجتمع؛ ثقافة تعترف بالخطأ وتتعامل مع الرأي العام كأداة تشخيص، لا كخصم سياسي.
وإذا تمكنت من ترجمة هذه الواقعية إلى إصلاحات ملموسة في الإدارة المحلية والاقتصاد، فقد يتحول هذا الاستطلاع من مجرد مؤشر إلى بداية مسار تصحيح في العلاقة بين الدولة والمجتمع.
لكن في المقابل، إذا اكتفت الحكومة بالتشخيص دون العلاج، فسيبقى الاعتراف مجرد عنوان جميل في سجل الأزمات المتكررة.

