- زاد إيران - المحرر
- 735 Views
في لحظة وصفت بالرمزية الثقيلة، وبعد مرور أكثر من 15 عاما على وضعه قيد الإقامة الجبرية، استقبل مير حسين موسوي، أحد أبرز وجوه الحركة الإصلاحية في إيران، ثلاثة من أصدقائه القدامى بمنزله الواقع في زقاق أختر، الزيارة التي حظيت بموافقة أمنية مسبقة، لم تمر مرور الكرام، بل أطلقت موجة من التفاعل السياسي والإعلامي، في وقت تعيش فيه إيران توترا داخليا على وقع نتائج الحرب الأخيرة وتصاعد الحراك الشعبي.
زيارة نادرة.. وظروف استثنائية
فقد استقبل موسوي يوم الخميس 24 يوليو/تموز 2025، كلا من مسيح مهاجري مدير تحرير صحيفة جمهوري إسلامي، ومحمد رضا بهشتي تجل رجل الدين الشهير الراحل محمد بهشتي، وغلام رضا آقا زادة وزير النفط خلال الحرب الإيرانية العراقية، بعد أن حصلوا على موافقة من السلطات الأمنية ورضا موسوي نفسه، وحسب مصادر إخبارية، فالزيارة، والتي استمرت ساعتين داخل المنزل المغلق منذ عقد ونصف، تخللتها أحاديث ودية واستعادة للذكريات.

تأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتصاعد الانتقادات من أطراف إصلاحية وأصولية حول شكل ومستقبل النظام السياسي، فضلا عن تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية على طهران بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل.
وبحسب مصادر إعلامية أصولية، فقد تخلل الجلسة انتقاد من الحاضرين لموسوي، معتبرين أن بيانه الأخير يصب في مصلحة الإطاحة بالنظام، وأكدوا أن توقيته بعد الحرب يحمل تأثيرات ضارة على المجتمع ويصب في خط الصهاينة.

هذا فيما تعددت التأويلات لتلك الزيارة، فالتيار الإصلاحي اعتبرها بادرة أمل ورسالة انفتاح من النظام تجاه أحد أهم رموزه المعارضة في الداخل، في المقابل، رأى منتقدو الزيارة أنها خطوة إعلامية مدروسة هدفها امتصاص الغضب الشعبي، من دون تقديم أي تنازل فعلي أو رفع الإقامة الجبرية بشكل رسمي.
بيان موسوي صدى الحرب والدعوة إلى إعادة التأسيس
قبل أسابيع من تلك الزيارة، وتحديدا في 11 يوليو/تموز 2025، كان موسوي قد أصدر بيانا لافتا بشأن الحرب الأخيرة، واصفا الهجوم الإسرائيلي بأنه عدوان صهيوني، وأدان بشدة أي تواطؤ أو سكوت تجاه هذا الهجوم، لكنه في الوقت ذاته دعا إلى ضرورة إعادة بناء النظام السياسي الإيراني.

البيان دعا صراحة إلى إجراء استفتاء وطني وتشكيل مجلس تأسيسي لإعادة النظر في بنية الجمهورية، حيث ذكر موسوي أنه “بعد كل ما جرى، لدى الشعب توقعات من النظام، وعدم الاستجابة لها يسعد العدو، وعلى المدى القصير، فإن خطوات سريعة ورمزية، مثل الإفراج عن السجناء السياسيين وتغيير واضح في نهج الإعلام الرسمي، تعتبر من أدنى المطالب”.
ويتابع: “إلى جانب ذلك، فإن الوضع المؤلم الذي مرت به البلاد كان نتيجة سلسلة من الأخطاء الكبرى، وقد أظهرت تجربة الحرب أن ضمان إنقاذ البلاد يكمن في احترام حق جميع المواطنين في تقرير مصيرهم، وأن البنية الحالية للنظام لا تمثل جميع الإيرانيين، والشعب يريدون أن يروا مراجعة لتلك الأخطاء، إن إجراء استفتاء لتشكيل جمعية تأسيسية لصياغة دستور جديد، من شأنه أن يمهد الطريق لتحقيق حق الشعب في تقرير مصيره، ويحبط أطماع أعداء الوطن في التدخل في شؤون البلاد”.
على أن هذا البيان قد أثار ردود فعل واسعة النطاق، حيث كتب رحمت الله بيكدلي، أحد الشخصيات الإصلاحية، منتقدا البيان: “بينما لا تزال البلاد تواجه تهديد هجوم جديد من إسرائيل والولايات المتحدة، فإن الحديث عن استفتاء ومجلس تأسيسي يعطي ذريعة للعدو لنشر الفوضى والإعداد لعدوان جديد”.

كذلك، فقد اعتبر الصحفي الإصلاحي أحمد زيد آبادي، أن البيان لا ينسجم مع اللحظة الراهنة، حيث ذكر أنه “إذا كان الهدف تحريك قواعد الحركة الخضراء، وهي الحركة الاحتجاجية التي قامت في العام 2009 بعد فوز أحمدي نجاد بولايته الثانية وكان موسوي أحد رموزها، فلا أعتقد أن هذه الدعوة تتوافق مع الظروف المعقدة الحالية، بل إنها قد تكلف الجميع ثمنا باهظا”.

بدوره كتب سعيد رضوى فقيه، أحد أبرز نشطاء التيار الإصلاحي: “إن مجرد طرح هذا النوع من الاقتراحات في خضم حرب لا تزال مستمرة، وفي وقت تعمل فيه كل الأجهزة الأمنية والعسكرية بكامل طاقتها لرصد تحركات الأعداء، هو أمر غير عقلاني، الآن ليس وقت المساومات السياسية”.

فيما كتب حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة كيهان الأصولية ولسان حال المرشد علي خامنئي، مقالا بعنوان “هل هو بيان أم إملاء من إسرائيل والولايات المتحدة؟!”، انتقد فيه بشدةٍ البيان، متهما إياه بتنفيذ أجندة غربية لإسقاط النظام.

ففي مقاله، اعتبر شريعتمداري أن بيان موسوي، ليس سوى نسخة مشوهة لأهداف إسرائيل وأمريكا الفاشلة في الحرب، وقد تبنى هذا الطرح ليكمل مشروع تغيير النظام بعد أن عجز الأعداء عن تحقيقه عسكريا، كما اتهم موسوي صراحة بأنه يمثل تيارا خائنا، وأن ترشحه عام 2009 وانسحاب خاتمي لصالحه كانا بتنسيق مباشر مع واشنطن، مستشهدا بندوة في جامعة ستانفورد تحدثت فيها الباحثة غيل لابيداس عن الحاجة إلى يِلتسين إيراني بدلا من غورباتشوف، في إشارة إلى تفضيل موسوي على خاتمي، وتقصد أن تأتي شخصية تعمد إلى تغييرات تغير بنية النظام بالكامل.
رأس الفتنة والشخصية الثورية.. من هو مير حسين موسوي؟
ولد مير حسين موسوي في 11 مارس/آذار عام 1942، وهو سياسي إصلاحي إيراني بارز، وفنان تشكيلي ومعماري. تخرج في جامعة الشهيد بهشتي بمجال الهندسة المعمارية والتخطيط المدني، ونال درجة الماجستير عام 1969.

برز اسمه خلال الثورة الإيرانية في العام 1979 كأحد مؤسسي حزب الجمهورية الإسلامية، وكان أول رئيس تحرير لجريدة الحزب، ثم تولى وزارة الخارجية لفترة قصيرة في حكومة محمد علي رجائي، قبل أن يرشحه البرلمان ليكون خامس وآخر رئيس وزراء للجمهورية من عام 1981 حتى 1989، حين أُلغيت هذه الوظيفة الدستورية بعد تعديل الدستور.

كان موسوي رئيس وزراء في فترة شديدة الحساسية خلال الحرب العراقية الإيرانية، وتمت الإشارة إليه في أدبيات النظام برئيس وزراء الإمام، نظرا إلى تأييد روح الله الخميني، قائد الثورة في إيران، له بشكل صريح، رغم خلافه مع بعض أركان النظام آنذاك، خصوصا مع المرشد الحالي علي خامنئي، ورغم أن خامنئي كان رئيس الجمهورية في حينه، فقد رفض في عام 1985 التجديد لموسوي في رئاسة الحكومة، فإن الخميني تدخل شخصيا وأصدر حكما مباشرا بتمديد ولاية موسوي.


بعد وفاة الخميني وتعديل الدستور، غادر موسوي المشهد التنفيذي، لكنه لم يختفِ من الساحة، فقد عين عضوا في مجمع تشخيص مصلحة النظام، ثم أسس أكاديمية الفنون الإيرانية عام 1998 وترأسها حتى عام 2009، كما كان عضوا في المجلس الأعلى للثورة الثقافية بين عامي 1984 و2011.
لكن التحول المفصلي في مسيرته كان عام 2009، حين ترشح للانتخابات الرئاسية العاشرة، في مواجهة محمود أحمدي نجاد، وبعد إعلان فوز الأخير، رفض موسوي النتائج، واعتبرها نتاج تزوير واسع النطاق، وخرجت مظاهرات غير مسبوقة في طهران ومدن أخرى، عرفت لاحقا باسم الحركة الخضراء.
وبسبب موقفه، تم وضعه وزوجته زهراء رهنورد رهن الإقامة الجبرية منذ عام 2011، دون محاكمة أو توجيه اتهام رسمي، وخلال هذه الفترة، أصدر موسوي عدة بيانات، منها ما يندد بالحرب الإقليمية ومنها ما يدعو إلى إصلاح سياسي شامل، وقد قوبلت بياناته بتفاوت في المواقف بين التيار الإصلاحي الذي يتردد أحيانا في دعمه، والنظام الذي يعتبره رمزا للفتنة.

هذا في حين يعتبر المحللين أن الخلاف بين موسوي والنظام ليس خلافا شخصيا بقدر ما هو خلاف جذري حول شكل الدولة، ومركزية السلطة، وشرعية الولاية المطلقة للفقيه، وهي قضايا يطرحها موسوي منذ ما بعد عام 2009 بلهجة أكثر وضوحا، ورغم سنوات الإقصاء، لم يفقد موسوي مكانته في ذاكرة الحراك الإصلاحي، ويبدو أن زيارته الأخيرة، وردوده السياسية المتتالية، أعادت النقاش حول إمكانية عودته إلى الحلبة السياسية، وإن بشكل رمزي، لقيادة مشروع بديل في المستقبل.

