- زاد إيران - المحرر
- 423 Views
أجرت صحيفة فرهيختكان الأصولية، السبت 6 سبتمبر/أيلول 2025، حوارا مع حامد حاجي حيدري، عضو الهيئة العلمية في قسم علم الاجتماع بجامعة طهران، حول تراجع معدل المشاركة في الانتخابات الأخيرة وأبعاده الاجتماعية والسياسية وسبل تجاوزه، وفي ما يلي نص الحوار:
لماذا لم تكن المشاركة الشعبية في الانتخابات الأخيرة (منذ عام 2021 فصاعدا) بالمستوى المطلوب واللائق بالنظام الإسلامي؟
يرى عالم الاجتماع البريطاني أنتوني غيدنز أن العولمة هي أول موضوع يجب أن يتعرف إليه طالب العلوم الاجتماعية، لأنها تتيح دراسة الظواهر في أفق عالمي مقارن، فكثير من القضايا، مثل البطالة، ترتبط باتجاهات عالمية كالتوسع في التكنولوجيا، ما يساعد على فهم جذور المشكلة محليا ورصد الفرص ونقاط الضعف بدقة.
وينطبق ذلك على المشاركة السياسية أيضا، إذ يشهد العالم تراجعا في الأشكال التقليدية كالتصويت، مقابل صعود أنماط جديدة مرنة وشبكية، رغم تراجع الحجم الكلي للمشاركة بسبب تصاعد النزعات الفردية.
إذا هناك نقطتان أساسيتان، أولا، إن المشاركة السياسية تعني كل فعل يستهدف التأثير في السلطة، وتتجلى في أشكال عدة، أبرزها الانتخابات التي تُعد الشكل الأكثر تقليدية اليوم، غير أن المؤسسات المرتبطة بها كالأحزاب والاقتراع والبرلمانات تفقد تدريجيا فعاليتها ومصداقيتها، بينما تتقدم أشكال جديدة من المشاركة السياسية المستمرة.
والنقطة التالية هي أن الحرب العالمية الثانية وجهت ضربة لفكرة الديمقراطية، إذ بدأت مع ديمقراطية جماهيرية يقودها الزعيم السياسي الألماني الأسبق أدولف هتلر، بينما أنهتها شخصيات مثل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل والرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور والرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول الذين برزوا عبر الكفاءة والتخصص لا عبر المسارات الديمقراطية.
وبذلك كان مسببو الحرب قادة ديمقراطيين شعبيين، أما من عالج آثارها فمسؤولون خبراء ومتخصصون.
وظهر اليسار الجديد ناقدا للديمقراطية الحديثة باعتبارها غير ممثلة بصدق للشعب، ومع إخفاق الحركات الطلابية عام 1968 برز مسار عالمي لتراجع المشاركة الانتخابية، باستثناء بعض الدول الإسكندنافية ذات الخصوصيات التي تسمح بمعدلات تفوق 80 أو 90%، فإن المشاركة في أغلب الديمقراطيات المستقرة لا تتعدى 50% برلمانيا و60% رئاسيا، بينما في الولايات المتحدة هي أضعف (40% للكونغرس و50% للرئاسة)، مقابل متوسط عالمي أعلى بنحو 10%.
ويبقى التراجع مفسَّرا بثلاثة دوافع رئيسية وراء عزوف نصف الناخبين:
- الأول (نحو 10%) ترفض أصلا النظام الانتخابي والدستوري وتبحث عن بديل سياسي.
- الثاني (حوالي 20%) تنسحب عن وعي، معتبرة أن السياسة المعاصرة معقدة وتستدعي تكلفة قرار عالية لا يقدر عليها المواطن العادي إلا إذا ضمن فائدة ملموسة.
- الثالث (نحو 20%) راضية عن الوضع القائم أو ترى أن الانتخابات غير مجدية في تغييره، فتتعامل مع المشاركة السياسية كرفاهية لا ضرورة لها.
وفي المحصلة، يظهر أن انخفاض نسب المشاركة الانتخابية جزء من مسار عالمي يتجه نحو تراجع الأشكال التقليدية للمشاركة، مقابل صعود أنماط جديدة أكثر مرونة وشبكية مثل النشاط عبر الإنترنت، والتوقيعات الإلكترونية، والحركات الاحتجاجية، والعلامات الاجتماعية، والمقاطعة الاقتصادية.
ما التفسير العلمي غير السياسي لانخفاض المشاركة الانتخابية؟
في الواقع، بعد الحرب العالمية الثانية ومع صعود النيوليبرالية، تراجعت شرعية الديمقراطية مع تقليص دور الدولة وتحولها إلى كيان صغير عاجز عن تمثيل الإرادة الوطنية، وهو ما عمّق الفجوة بين الدولة والأمة، بالتوازي، انتشرت الفردانية التي دفعت الأفراد إلى بناء هوياتهم في مواجهة أي تنظيم ضخم، سواء كان دولة أو شركة، ما جعل التعارض بين التنظيم والناس ظاهرة عالمية.
وعند تطبيق هذا التحليل على إيران، يظهر تمييز حاسم بين الأجهزة التنفيذية التي تُرى كبيروقراطية منفصلة عن الناس، وبين أصل النظام الذي يرتبط بالهوية والقيم ويشكّل مفتاح فهم سلوك المجتمع الإيراني.
والأجهزة التنفيذية في نظر الناس تمثل التنظيم البيروقراطي الكبير الذي يعتمدون عليه وظيفيا لكنهم ينتقدونه ويضعون حدا فاصلا معه لأنه لا يعكس إرادتهم ويعمل ضمن منطق نيوليبرالي بعيد عن حياتهم اليومية.
وفي المقابل، هناك أصل النظام بوصفه النواة الأيديولوجية والهويّاتية للثورة، المندمج في حياة الناس والمبني على القيم والعاطفة، وتمثله مؤسسات شعبية وثورية مثل المساجد والبسيج والحرس والجهاد، إضافة إلى الجمعيات الخيرية، وهذه المؤسسات تتحرك بين المجال الحياتي والبنيوي وتحقق مشاركة شعبية واسعة عند طرحها قضايا كبرى.
والمثال البارز على ذلك حملة إيران همدل التي وظّفت الشبكات الشعبية والدينية لخلق خطاب تضامني وتنظيم مساعدات جماعية، ما أظهر نموذجا فريدا سيظل موضع دراسة اجتماعية طويلة.
ما دور الشبكات الاجتماعية التقليدية والرقمية في تعبئة وتنظيم المشاركة السياسية؟
إن المجتمع الإيراني يمتلك تاريخيا أسسا قوية للتعاون والمشاركة عبر مؤسسات تقليدية كالأسرة، والمساجد، والنقابات، والتعاونيات، على عكس ما يُتصور عنه كمجتمع فردي، فالمشكلة ظهرت في فترة الإصلاحات حين جرى استيراد نماذج غربية للمشاركة مثل مجالس الأحياء والمنظمات، لكنها لم تنجح لأنها لم تنسجم مع البنية الاجتماعية المحلية.
وتجربة مجالس الأحياء بقيادة الباحث والمفكر الاجتماعي الإيراني برويز پيران مثال واضح، إذ فشلت لأنها تجاهلت المؤسسات التقليدية القائمة وشبكات الثقة المجتمعية التي تملك فعليا القدرة على تحقيق تعبئة شعبية فعالة.
وأثبتت دراسات أنثروبولوجيين إيرانيين مثل جواد صفي نجاد وفرهادي أن المجتمع الإيراني يمتلك آليات محلية معقدة وناجحة للتنظيم الذاتي والمشاركة، سواء عبر إدارة المياه التقليدية أو ثقافة التعاون القروي، وهذه القدرات تجلت بأوضح صورها خلال الحرب العراقية – الإيرانية، حين اعتمدت هيئة التعبئة الاقتصادية على شبكات المساجد والأسواق والهيئات القائمة لتعبئة الموارد بدل بيروقراطية جديدة.
وفي الحرب العراقية – الإيرانية أُعيد اختبار هذا النموذج عبر مقر إيران على مستوى الحي، لكنه توقف بانتهاء الحرب ولم يتحول إلى مسار دائم، والخلاصة أن النماذج المحلية المتجذرة في البنية الاجتماعية أثبتت فعاليتها، بخلاف النماذج المستوردة التي تظل سطحية وغير قابلة للاستمرار.
هل ما زالت هذه المؤسسات التقليدية تحتفظ بفاعليتها في العصر الرقمي الحالي؟ أم ينبغي التوجه نحو قدرات جديدة؟
إن الثورة الرقمية فتحت مجالا جديدا للفعل السياسي يتجاوز الأشكال التقليدية، ولم يعد التركيز على الانتخابات وحدها كافيا، فالتكنولوجيا تتيح للدولة أن تتابع تحولات الرأي العام بشكل لحظي ومتواصل، كل بضع ثوان، عبر إحصاءات شاملة ودقيقة بدلا من الانتخابات الدورية أو استطلاعات الرأي المحدودة.
وهذا التحول يحوّل المشاركة السياسية من فعل موسمي إلى عملية مستمرة، حيث يشعر المواطن أن الدولة على اتصال دائم معه، تفهم اهتماماته وتقدم حلولا مناسبة، وهكذا يتشكل نموذج الدولة العصبية/الاستشعارية القائمة على تواصل شعوري عميق ودائم بين المجتمع والحاكمية.
إن المنصات الاجتماعية صارت ساحة مركزية للنقاش والاقتراح والتنظيم الجماعي، وتشكل مصدرا مثاليا للتواصل الشعوري الدائم بين الدولة والشعب، ومع دمج قدرات الذكاء الاصطناعي والنمذجة، يمكن أن تتولد حكمة اجتماعية جديدة تعزز نموذج الدولة العصبية/الاستشعارية.
فالمشاركة السياسية لم تعد محصورة بالانتخابات، بل أصبحت عملية مستمرة تقوم على تنظيم الأفكار والمشاعر والأفعال المتفرقة في المجتمع، بما يخلق حكمة جماعية تردم الفجوة بين الدولة والأمة.
إلى أي مدى يؤثر مستوى التنافس وتنوع المرشحين في الانتخابات على حافز الناس للمشاركة، وما خصائص المرشحين التي تلعب الدور الأكبر في ذلك؟
إن الأحزاب والتنظيمات السياسية اليوم حول العالم، بما فيها إيران، عاجزة إلى حد كبير عن إنتاج مرشحين مؤهلين وكاريزميين، وغالبا ما يُلقى اللوم على هيئات مثل مجلس صيانة الدستور بسبب قيودها، لكن القضايا تتعلق بالأمن القومي وحفظ النظام، فالنظام الحزبي التقليدي لم يعد يجذب أفضل المواهب، مما يؤدي إلى إنتاج سياسيين مهنيين أقل كفاءة مقارنة بالنخب من مجالات الأعمال أو العلوم أو التكنولوجيا.
ومثال الولايات المتحدة يظهر فجوة كبيرة بين توقعات الشعب والمرشحين، حيث يميل الناس إما للشعبويين أو للسياسيين المعتادين، والنظام الثنائي يحول الانتخابات إلى صراع هوياتي وثقافي يعزز المشاركة عبر الخوف والكره أكثر من الحماس.
وفي فرنسا، تعكس الشخصيات البارزة أزمة السياسة القديمة والشخصنة المفرطة، حيث يفتقر المرشحون إلى المصداقية والقدرة على إدارة مجتمع معقد، ما يؤدي إلى ضعف المشاركة وتحولها إلى احتجاجات شعبية، كما ظهر في السترات الصفراء، وعالميا، تتراجع جودة القادة السياسيين ويزداد عدم الاستقرار حتى في الدول المستقرة، مما يعكس أزمة شرعية وثقة واسعة.
لذا، فإن مستوى التنافس وتنوع المرشحين يؤثر مباشرة على حافز المشاركة، لكن المطلوب تنوع في الجودة والأفكار والشخصيات، مع التركيز على الصدق والكفاءة والتعاطف وتقديم رؤية واضحة وملهمة، إذ أن الحملات الانتخابية مكلفة بشريا وليس ماليا فقط.
والحملات الانتخابية الحالية تعتمد على أساليب سلبية مثل تشويه الخصوم ونشر الشائعات، ما يبعد الكفاءات والنخب المتخصصة عن المشاركة، لذلك، يحتاج المجتمع إلى إعادة نظر شاملة في آليات الترشيح والاختيار، مع اعتماد نظام ثنائي المراحل قائم على التخصص، حيث يقوم خبراء منتخبون من الشعب بفرز المرشحين المؤهلين، ويشارك الشعب في المرحلة الأولى عبر منصات رقمية.
وهذا النموذج يضمن الكفاءة، ويقلل التكاليف والأضرار للحملات، ويحافظ على شعور الناس بالمشاركة، ويحول السياسة من صراع شخصيات إلى منافسة أفكار، مع توفير فرص حقيقية للنخب المؤهلة.
ما قدرة الأحزاب والمنظمات على تنظيم المشاركة وما العوامل التي تؤثر في استدامتها؟
إن المؤسسات التقليدية، سواء الأحزاب أو النقابات أو المنظمات المدنية، فقدت فعاليتها كوسيط بين الدولة والشعب، وتحولت إلى ملعب للسياسيين الماكرين بدل ظهور الكفاءات الحقيقية، وهذا القصور يعود إلى آليات الاختيار والترقية التي تفضل الشعبوية والخداع على الكفاءة والأخلاق.
والحل يكمن في دمج الجدارة بالمشاركة الشعبية، كما في نموذج انتخاب المرشد الأعلى في إيران، لضمان اختيار الأكفاء وتقليل الخداع والتكاليف العالية للحملات، مع الحفاظ على حق الشعب في الاختيار، وبذلك يمكن إحياء هذه المؤسسات المتدهورة.
ما الحلول العملية لتعزيز المشاركة السياسية بشكل أصيل وفعّال؟
المفتاح الأول هو إعادة تعريف المشاركة السياسية بعيدا عن التركيز على الاقتراع فقط، إذ أصبحت المشاركة متعددة الأبعاد وتشمل تقديم المقترحات، والنقد البناء، والنشاط الاجتماعي السلمي، والمقاطعة الواعية، ويجب أن يكون النظام مستعدا لاستقبال هذه الأشكال.
ثانيا، العمليات الانتخابية التقليدية مكلفة وتثير الانقسامات، مما يقلل من رغبة الناس في المشاركة، ولذلك هناك حاجة لإعادة النظر في آليات اختيار القادة.
ثالثا، الثورة الرقمية فتحت آفاقا جديدة للمشاركة عبر ما يمكن تسميته بالحكم العصبي أو الحوار المستمر، حيث يمكن رصد وتحليل نبض الرأي العام بشكل لحظي، ما يتيح حكما قائما على البيانات والذكاء الجماعي بدل الاكتفاء بالانتخابات.
رابعا، الانتقال إلى تخصصية المشاركة مع آليات اختيار ثنائية المراحل يضمن الكفاءة ويقلل تكاليف الحملات، عبر انتخاب المؤسسات المتخصصة رقميا لتختار القادة الأكفاء علميا وأخلاقيا، مع الحفاظ على حق الشعب في تقرير مصيره.
الخلاصة، إن الانتقال من المشاركة الكمية إلى النوعية، ومن الانتخابات المؤقتة إلى الحوار الدائم، ومن الحكم بالتخمين إلى الحكم بالبيانات الحية والذكاء الجماعي، يعزز جودة المشاركة ويطور الحكم بشكل غير مسبوق.

