ثورة نقدية أم حركة استعراضية؟ الحكومة الإيرانية تقر مشروع حذف أربعة أصفار من العملة الوطنية 

في خطوة تاريخية ومثيرة للجدل، أقر مجلس الوزراء الإيراني، خلال جلسته المسائية يوم الأحد 10 أغسطس/آب 2025، مشروع قانون يهدف إلى إزالة أربعة أصفار من العملة الوطنية، الريال، ليحل التومان مكانه كعملة رسمية، مع الاحتفاظ بالريال كوحدة نقدية صغيرة. 

وبحسب وكالة أنباء إيرنا الرسمية، أعلنت فاطمة مهاجراني، المتحدث باسم الحكومة، للصحفيين على هامش اجتماع حكومي: “بهذه الطريقة، سيصبح التومان والقيران العملة الوطنية، وبطبيعة الحال، ستستغرق عملية تغيير العملة الوطنية وقتا، وسيتم استخدام العملتين لفترة من الوقت”.

يأتي هذا القرار في محاولة لتبسيط المعاملات المالية، وتقليل التعقيدات النقدية، وإعادة هيكلة النظام النقدي في ظل اقتصاد يعاني من تحديات عميقة لكن، هل ستكون هذه الخطوة بوابة للإصلاح الاقتصادي، أم مجرد مسرحية رمزية لا تعالج جذور الأزمة؟

في مؤتمر صحفي عقب الاجتماع أعلن المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، علي ربيعي، أن مشروع القانون حظي بموافقة أغلبية أعضاء مجلس الوزراء، مؤكدا أن التومان سيصبح العملة الرسمية، بينما سيظل الريال وحدة فرعية تعادل 100 قيران.

وأوضح أن كل ريال جديد سيعادل 10 آلاف ريال حالي، مما يعني أن التومان الجديد سيحمل قيمة أعلى بكثير من العملة الحالية، وأشار ربيعي إلى أن الحكومة ستعمل على استكمال التفاصيل في الاجتماعات المقبلة، مع السعي لتقديم المشروع إلى البرلمان في أقرب وقت ممكن لإقراره نهائيا.

وفقا لوكالة مهر للأنباء، تهدف هذه الخطوة إلى تسهيل الحسابات المالية، وتقليل الأعباء الناتجة عن استخدام أرقام ضخمة في المعاملات اليومية، وتعزيز الثقة بالعملة الوطنية ومع ذلك، أثارت الخطة جدلا واسعا بين الخبراء الاقتصاديين، الذين يرون أنها قد تكون مجرد إجراء شكلي في ظل التحديات الاقتصادية المعقدة التي تواجهها إيران، بما في ذلك التضخم المزمن، العقوبات الدولية، وانخفاض قيمة الريال.

من أين جاءت فكرة إزالة أربعة أصفار من العملة الوطنية؟

البنك المركزي وضع خطة لإزالة أربعة أصفار من الريال، في منتصف السبعينيات، بينما كان طهماسب مظاهري يتولى منصب الأمين العام وحسين عادلي يرأس البنك المركزي، طرح الأخير فكرة جريئة لإزالة صفر من العملة الوطنية، لكن هذا الاقتراح قوبل بالرفض من المحافظ العام، ليُطوى في أدراج الأرشيف. 

وبعد عقد من الزمن، أعاد غلام رضا مصباحي مقدم، عضو مجلس الرقابة على مجلس النقد والائتمان، إحياء الفكرة، مقدما اقتراحه إلى أحمدي نجاد خلال الجمعية العامة للبنك المركزي. 

في تلك اللحظة، أصدر رئيس الحكومة التاسعة (محمود أحمدي نجاد) أمرا بدراسة الخطة مجددا، لكن، كما حدث سابقا، ظلت الفكرة حبيسة الدراسات، ولم تُترجم إلى واقع حتى تغيرت قيادة البنك المركزي، حيث خلف مظاهري شيباني في منصبه، وهي الآن قيد مراجعة مجلس الوزراء. 

التضخم المتسارع وهبوط قيمة الريال تسببا في مشاكل كبيرة: كثرة الأوراق النقدية، تعقيد الحسابات اليومية، وتلاشي العملات المعدنية من التداول حتى الدينار الإيراني، وحدة منسية، اختفى تماما! الريال الرسمي أُهمل لصالح التومان غير الرسمي في الحديث اليومي، مما زاد الطين بلة.

أضف إلى ذلك تكاليف طباعة النقود الباهظة، وتدهور قيمة الأوراق النقدية، وضعف كفاءة أجهزة الصراف الآلي، في 2005، كان مؤشر أسعار المستهلك 0.056، بينما وصل في 2018 إلى 153.6، أي تضاعف 2700 مرة! بينما أكبر ورقة نقدية (50.000 تومان) زادت 50 مرة فقط، هذا الفارق جعل المعاملات الكبيرة بالريال شبه مستحيلة، مما دفع لتبني هذه الخطة بجدية.

تخيّل أن العملة الإيرانية ستأخذ شكلا جديدا! بدلا من الحساب بالتومان الحالي، كل 10.000 ريال (أي 1000 تومان الآن) ستصبح تومانا جديدا واحدا. 

يعني هذا أن الدولار الأمريكي سيُساوي تقريبا 13 تومان جديد، لكن الريال لن يختفي تماما! سيبقى الريال الجديد كعملة صغيرة، لكن هذه المرة كل 100 ريال جديد ستساوي تومانا واحدا، أو بمعنى آخر، كل ريال جديد يعادل حوالي 13 سنتا أمريكيا. 

لنبسّط الأمر أكثر بمثال أوضح: ورقة نقدية خضراء بـ10000 تومان تصبح 10 تومان جديدة، وورقة بنية بـ100 تومان تصبح ريالا واحدا جديدا، مع إزالة أربعة أصفار من العملة الوطنية، يصبح التومان العملة الرسمية بدلا من الريال في كل القوانين والوثائق والعقود، جميع الأرقام في الالتزامات والحسابات ستُحسب بالتومان.

خلال هذا التغيير، ستُحدد طرق إجراء العمليات المحاسبية والمالية والضريبية، وتعديل البيانات والدفاتر، وتقريب الأرقام، وفق لائحة تُعدّها وزارة الاقتصاد والبنك المركزي خلال ستة أشهر من إقرار القانون.

تحديات التضخم والعقوبات

يعاني الاقتصاد الإيراني من أزمات هيكلية عميقة، حيث يتراوح معدل التضخم السنوي بين 30% و50%، ووصل سعر الصرف إلى أكثر من 930 ألف ريال مقابل الدولار، ومع عجز موازنة تجاوز الـ 5000 تريليون ريال في العام الماضي، يرى الخبراء أن إزالة الأصفار لن تكون سوى تغيير “شكلي” لا يعالج الجذور الحقيقية للأزمة.

وحذر وحيد شقاقي، خبير الاقتصاد الكلي، في تصريحات لموقع “خبر أونلاين”، من أن “تطبيق هذه السياسة في ظل غياب أفق واضح للسيطرة على التضخم قد يؤدي إلى تفاقم التوقعات التضخمية، ويفرض أعباء إضافية على السوق”، وأشار إلى أن الاختلالات الهيكلية، مثل الاعتماد المفرط على عائدات النفط، والعقوبات الاقتصادية، ونمو السيولة بنسبة تبلغ الـ 30% سنويا، تجعل هذا الإجراء غير فعال في الوقت الحالي.

من جهته، وصف محمد تقي فياضي، الخبير الاقتصادي، القرار بأنه “تبرير غير مجدٍ”، مؤكدا أن الدراسات العلمية لا تدعم فكرة أن إزالة الأصفار تساهم في كبح التضخم، وقال: “هذه السياسة قد تنجح فقط عندما يكون التضخم في خانة الآحاد، وليس في ظل معدلات تضخم تصل إلى 50%”.

وأضاف أن التكاليف الإضافية لتطبيق هذه السياسة، مثل طباعة أوراق نقدية جديدة وتحديث الأنظمة المصرفية، قد تزيد من العبء الاقتصادي.

دروس من الماضي

استشهد الخبراء بتجارب دول أخرى لتوضيح المخاطر والفرص المرتبطة بإزالة الأصفار، في عام 2008، حاولت زيمبابوي إزالة 10 أصفار من عملتها وسط تضخم وصل إلى 230 مليون في المائة.

لكن الخطوة فشلت فشلا ذريعا بسبب غياب إصلاحات هيكلية، مما أدى إلى انهيار الاقتصاد. 

وفي العام التالي، اضطرت زيمبابوي إلى إزالة 12 صفرا إضافيا دون جدوى.

ولكن ما هي النتيجة؟ 

لم يقتصر الأمر على أن إزالة الأصفار التي لم تكبح عجلة التضخم، ولكن بسبب نقص إجراء الإصلاحات الهيكلية، استمرت قيمة العملة الوطنية في الانخفاض وانهار اقتصاد البلاد أكثر. 

هذه التجربة المريرة لها درس مهم لإيران اليوم: إزالة الأصفار من العملة الوطنية، دون تغييرات جوهرية في هيكل الاقتصاد، ليست سوى مسرحية لا يمكنها حل المشاكل العميقة الجذور، على النقيض.

نجحت تركيا في عام 2005 في إزالة ستة أصفار من الليرة، لكن ذلك جاء بعد تنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة، شملت ضبط السيولة، تحسين السياسات النقدية، وتعزيز الإنتاج المحلي، وأشار طهماسب مظاهري، محافظ البنك المركزي السابق، إلى أن إزالة أربعة أصفار قد لا تكون كافية، مقترحا إزالة ستة أصفار على الأقل لتحقيق تأثير ملموس، وقال: “الإصلاح النقدي يتطلب استقرارا اقتصاديا مسبقا، وإلا فإن التغيير سيظل شكليا”.

أسعار السلع بعد إزالة أربعة أصفار من العملة الوطنية

إذا طُبق قرار الحكومة بحذف أربعة أصفار من العملة الوطنية، ستُحسب أسعار السلع والخدمات بالعملة الجديدة، حيث يصبح سعر الخبز والبنزين تومانا واحدا، وكيلو اللحم الأحمر 100 تومان.

وعلى صعيد الأجور، سيحصل العمال على حد أدنى 1500 تومان، بينما يرتفع الحد الأدنى لرواتب الموظفين إلى 1700 تومان، في خطوة تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي بلمسة جديدة!

ووفقا لموقع “فرارو“، سيتم احتساب الأسعار بالعملة الجديدة بعد الموافقة النهائية.

الجدول السابق يحسب السعر الحالي الافتراضي لبعض السلع والخدمات الأساسية بإزالة أربعة أصفار من العملة الوطنية.

تكاليف باهظة ومخاطر تقريب الأسعار

يتطلب تنفيذ هذه السياسة تكاليف ضخمة، تشمل طباعة أوراق نقدية وعملات معدنية جديدة، تحديث الأنظمة المصرفية، وتعديل برامج المحاسبة. 

في تركيا، مثلا كلفت هذه العملية مليارات الدولارات، وفي إيران، حيث الموارد المالية محدودة بسبب العقوبات وعجز الموازنة، قد يكون الإنفاق على هذا التغيير عبئا إضافيا على الاقتصاد.

كما حذر أحمد حاتمي، خبير مصرفي من يزد، من ظاهرة “تقريب الأسعار”، حيث يميل التجار إلى رفع الأسعار لتبسيط المعاملات. على سبيل المثال، قد يرتفع سعر منتج من 9800 ريال (0.98 تومان) إلى 1 تومان جديد، مما يزيد من الضغط التضخمي على الأسر، وأضاف حاتمي: “هذه الخطة قد تشتت انتباه الناس عن القضايا الاقتصادية الأساسية، مثل إصلاح النظام المصرفي وضبط السيولة”.

التومان الجديد.. كيف سيغير الواقع اليومي؟

وفقا لمشروع القانون، سيصبح التومان الجديد العملة الرسمية، حيث يعادل كل تومان جديد 10 آلاف ريال حالي، وكل ريال جديد يعادل 100 قيران، على سبيل المثال، إذا كان سعر رغيف خبز 10 آلاف ريال حاليا، فسيصبح سعره 1 تومان جديد، وسيصبح سعر كيلوغرام اللحم 100 تومان، كما سيتم تعديل الحد الأدنى للأجور ليصبح 1500 تومان للعمال و1700 تومان للموظفين.

ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن هذا التغيير لن يؤثر على القوة الشرائية أو معدلات التضخم، لأن القيمة الحقيقية للعملة تعتمد على عوامل مثل الإنتاج، السيولة، والعرض والطلب. 

وأشار البنك المركزي إلى أن فترة الانتقال من الريال إلى التومان ستستغرق حوالي 24 شهرا، تشمل جمع الأوراق النقدية القديمة واستبدالها بالعملة الجديدة.

بين التفاؤل والتشكيك 

بينما يرى البعض أن اعتماد التومان كعملة رسمية قد يعزز الثقة النفسية بالعملة الوطنية ويحسن صورتها دوليا، يعتبر آخرون، مثل ألبرت بغزيان، أستاذ جامعة طهران، أنها “مهدئ نفسي مؤقت” لا يعالج المشاكل الهيكلية، وقال: “هذا مثل تعبيد رصيف قبل إتمام بناء المشروع الأساسي. بدون إصلاحات جوهرية، لن يكون لهذا الإجراء تأثير دائم.”

من جهته، دعا كامران نيدري، الخبير الاقتصادي، إلى إعطاء الأولوية لقضايا أكثر إلحاحا، مثل إصلاح النظام المصرفي، مكافحة الفساد، وتحسين كفاءة السياسات الاقتصادية، وأضاف: “إزالة الأصفار مجرد إجراء محاسبي بسيط، بينما المشكلة الحقيقية هي انخفاض قيمة الريال بسبب العقوبات وسوء الإدارة.”

يتطلب تنفيذ هذه السياسة إعدادا دقيقا، بما في ذلك تعديل الأنظمة المحاسبية، الضريبية، والإحصائية، وإصدار لوائح تنظيمية خلال ستة أشهر من إقرار القانون، كما يتطلب الأمر رقابة صارمة لمنع التجار من استغلال التغيير لرفع الأسعار، وأكد البنك المركزي أن إزالة الأصفار لن تؤثر على الودائع المصرفية أو القوة الشرائية، لكنها ستغير وحدة قياس العملة فقط.

إصلاحات بديلة.. الطريق إلى الاستقرار

بدلا من التركيز على إزالة الأصفار، يدعو الخبراء إلى إصلاحات هيكلية تشمل تقليل الاعتماد على عائدات النفط، تحسين إدارة الموازنة، تعزيز الإنتاج المحلي، وزيادة استقلالية البنك المركزي. 

كما أشاروا إلى أهمية الدبلوماسية الاقتصادية لتخفيف العقوبات، التي تُعدّ أحد أكبر العوامل المؤثرة على الاقتصاد.

إزالة الأصفار تُولّد وهم التضخم

إزالة الأصفار من العملة قد تخلق وهما تضخميا، بحسب كامل طيبي، الباحث في معهد البحوث النقدية والمصرفية. 

في حديث لـ”فرارو”، أوضح أن الحكومات تلجأ لهذا الإجراء لضبط السيولة ودعم العملة الوطنية، كما حدث في تركيا حيث كلف العشاء مليون ليرة، أو في ألمانيا حين أصبحت الأوراق النقدية زخرفة جدران لفقدانها القيمة. 

وفي فنزويلا، يحمل الناس حقائب نقود لشراء حاجياتهم. لكنه حذر من تطبيق هذا الحل في إيران الآن، معتبرا أنه قد يؤدي إلى تضخم جديد، وضرب مثالا بتحويل أجرة تاكسي من 10.000 ريال إلى تومان واحد فقط، قد يرفع الأسعار بنسبة 50% مما يعمق الأزمة. 

وأكد أن استقرار الاقتصاد يتطلب حلولا بديلة لتعزيز الريال وتقليص السيولة.

تعتمد القيمة الحقيقية للنقود وفقا للخبير الاقتصادي حسين صلاح فارزي، على عدة عوامل مثل التضخم والعرض والطلب وكفاءة الاقتصاد، وليس على عدد الأصفار على الأوراق النقدية. 

يواجه الاقتصاد الإيراني اليوم مشاكل عميقة: تضخم سنوي يتذبذب بين 30 و50%، وعجز في الميزانية تجاوز 5000 تريليون ريال خلال العام الماضي 2024، وقيمة الريال التي انخفضت إلى أكثر من 930 ألف ريال مقابل الدولار، إن إزالة الأصفار لا يمكن أن تغير هذه الحقائق. 

الأمر أشبه بمحاولة علاج داء بتغيير الملابس، تكمن جذور التضخم في إيران في مشاكل هيكلية: عجز في الموازنة الحكومية يُموّل بشكل رئيسي بالاقتراض من البنك المركزي، ونمو في السيولة يتزايد بنحو 30% سنويا، واعتماد مفرط على عائدات النفط، وضغط العقوبات الاقتصادية. 

كل هذه العوامل تُحرّك التضخم كمحرك، وإزالة الأصفار لا تُؤثّر على إيقافه.

كم من الوقت سيستغرق إزالة 4 أصفار من العملة الوطنية؟ 

يكمن التحدي الأساسي في عملية تغيير العملة الوطنية في إيران في سحب الأوراق النقدية القديمة بكمياتها الهائلة من الأسواق، وفي الوقت ذاته، ضخ الأوراق النقدية الجديدة المطبوعة حديثا بالعملة المستحدثة. 

يتوقع البنك المركزي أن تمتد فترة التحول من الريال إلى التومان لنحو 24 شهرا، حيث ستُجمع خلالها الأوراق النقدية والعملات المعدنية القديمة وتُستبدل تدريجيا بعملة التومان الجديدة.

في الختام، تقف إيران أمام مفترق طرق اقتصادي، إزالة الأصفار قد تبدو خطوة جريئة، لكن دون إصلاحات جذرية، قد تتحول إلى “مسرحية باهظة التكلفة” لا تحقق سوى ارتباك مؤقت. 

التجارب العالمية، مثل زيمبابوي وتركيا، تُظهر أن نجاح هذه السياسة يعتمد على الاستقرار الاقتصادي المسبق. 

هل ستتمكن إيران من تجاوز التحديات وتحويل هذا القرار إلى نقطة انطلاق نحو الإصلاح؟ الإجابة تعتمد على الإرادة السياسية والقدرة على مواجهة الجذور الحقيقية للأزمة الاقتصادية.