رئيس جمعية علم النفس الاجتماعي في إيران: الحرب خلّفت أثرا نفسيا عميقا.. وردّ الفعل الحكومي لا يزال غائبا

أجرت وكالة “خبر أونلاين” الإيرانية، السبت 19 يوليو/تموز 2025، حوارا مع مجيد صفاري‌نيا، رئيس جمعية علم النفس الاجتماعي في إيران، تناول فيه الأبعاد النفسية والاجتماعية التي خلّفتها الحرب الأخيرة على المجتمع الإيراني، وسبل معالجتها. 

وفي ما يلي نص الحوار:

كيف تقيّمون حال الصحة النفسية في المجتمع الإيراني اليوم، بعد انتهاء الحرب وتجربتها فعليا؟

عادة ما تظهر الآثار النفسية للحروب والأزمات بتأخير يتراوح بين شهر وشهرين، ومع أن حجم الدمار في الحرب الأخيرة لم يكن واسعا، إلا أن مجرد وقوع هذا الحدث أثار القلق والذهول في المجتمع.

 القلق الناجم عن الحرب له أعراض متعددة، من بينها أعراض جسدية كآلام في الجسم وتفعيل الجهاز العصبي السمبثاوي، ما يؤدي إلى ظهور ردود فعل جسدية ناجمة عن التوتر، كما أن هذا القلق يمكن أن يؤثر على الجوانب الإدراكية؛ مثل مشاكل التركيز، وزيادة حالة الترقب، والحساسية تجاه المحيط، وهي أمور لوحظت بشكل واضح.

من جهة أخرى، فإن التأثيرات العاطفية الناتجة عن الحرب ملفتة جدا؛ فقد يُصاب بعض الأفراد بالخدر العاطفي، أو يصبحون أكثر حساسية وقلقا تجاه المنبهات البيئية.

 بعبارة أخرى، فإن الحالات النفسية الناتجة عن القلق بسبب الحرب قد تضع الأفراد في حالة من الترقب الدائم لوقوع كوارث، أو تجعلهم يتفاعلون بشدة مع الأخبار والأحداث المحيطة بهم.

 هذه الأعراض ظهرت بشكل أكبر بين الفئات التي كانت في تماس مباشر مع الحرب، كالمناطق الصناعية أو مدن مثل طهران وتبريز، التي كانت أكثر عرضة للخطر خلال تلك الأيام الاثني عشر.

في المقابل، هناك من يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، وهو أمر قد يخلّف تبعات طويلة الأمد على الصحة النفسية للمجتمع.

 في هذه الحرب غير العادلة، استشهد عدد من قواتنا العسكرية، لكن إلى جانبهم، تضرر عدد كبير من المدنيين واستُشهدوا أيضا، ما يعني أن شريحة واسعة من المجتمع تعيش حالة من الحداد والحزن على أحبائها، وهؤلاء، من دون شك، بحاجة إلى مساعدات نفسية وإغاثية.

ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الحكومة في مثل هذه الظروف لدعم الصحة النفسية، سواء لدى من خاضوا تجربة الحرب مباشرة أو من تابعوا أحداثها؟ 

دور الحكومة في هذه الظروف متعدد الأبعاد، ويمكن تقسيمه إلى قسمين رئيسيين، القسم الأول يتعلق بالخدمات التي يجب أن تقدّمها المؤسسات والهيئات الحكومية للمواطنين. 

ويجب أن تكون هذه الخدمات مصحوبة باحترام الناس، وتقديرهم، والاستماع إلى أصواتهم، مؤسسات مثل وزارة الصحة، والتأمين الاجتماعي، ووزارة العمل، ومؤسسة الرعاية الاجتماعية، يجب أن تبذل أقصى ما بوسعها لتوفير الدعم الاجتماعي اللازم.

الناس الذين يعيشون في أطراف المدن أو في المناطق المحرومة، يحتاجون إلى دعم أكبر في مثل هذه الظروف، خاصة مع موجة الغلاء غير المبرر والمشاكل الاقتصادية التي تزامنت مع الحرب، يجب على المؤسسات الحكومية أن تمارس رقابة جدية على هذه القضايا.

أما الجزء الآخر من مسؤولية الحكومة، فهو متعلق بصنع القرار على المستوى الاستراتيجي، للأسف، خلال الأربعين عاما الماضية، تسببت الكثير من القرارات الكبرى في كوارث مكلفة وتراجيدية للشعب. 

وهناك أمثلة كثيرة على ذلك؛ مثل المشكلات المتعلقة بتوزيع البنزين، حادثة إسقاط الطائرة الأوكرانية، التي لو تم اتخاذ القرارات بشأنها بالحكمة وبمشاورة المتخصصين، لكان من الممكن تفادي مثل هذه التراجيديات.

لذلك، فإن أهم خطوة يمكن أن يتخذها الحُكم في هذه المرحلة هي تجنّب الاستقطاب والسعي إلى خلق صوت موحّد ومنسجم في البلاد، هذا الانسجام والتوحد يمكن أن يمنعا نشوب المزيد من الصراعات والتوترات. 

عندما تتحرك جميع التيارات، والمجموعات، والمؤسسات، في اتجاه التضامن بدلا من تأجيج الخلافات، يمكن حينها المساهمة في تحسين الصحة النفسية للمجتمع واستعادة الأمل.

 وفي هذا السياق، لا بد من إبعاد الأشخاص الذين يكتفون بطرح خطابات متطرفة وحربية تزيد الطين بلة عن الساحة العامة، سواء كانوا من اليمين أو اليسار، فإذا لم تكن لهم أدوار بنّاءة، وكانوا فقط يفاقمون الأوضاع، فعليهم أن يصمتوا.

منذ إعلان وقف إطلاق النار، هل بدأ تطبيق المسار الذي رسمتموه؟

لا شكّ في أن الحكومة لا تسعى إلى خلق مآسٍ جديدة، ونيّتها هي خدمة الشعب، لكن المشكلة تكمن في أن بعض القرارات يُشرك فيها أشخاص أو خبراء قد لا يمتلكون الخبرة أو المعرفة الكافية كما ينبغي. 

يُطلق أحيانا على هؤلاء “العلماء غير الناضجين”، أي أولئك الذين يفتقرون إلى القدرة على تحليل تعقيدات الأوضاع، وهذه المسألة قد تؤدي إلى اتخاذ قرارات غير ناضجة وخطيرة، لها تأثيرات نفسية واجتماعية مدمّرة على المجتمع.

من ناحية أخرى، هناك من يعانون من ضعف إدراكي أو قصور في تحليل القضايا، وعندما يتحول هؤلاء إلى ناطقين رسميين، أو يُمنحون منابر إعلامية لطرح خطابات الحرب، فإنهم قد يتسببون في تصعيد التوترات وخلق أزمات جديدة، والمفارقة أن هذه الخطابات في جوهرها تصب في مصلحة العدو، لذا، من الضروري أن تنتهج الحكومة سياسة تصبّ في تعزيز التماسك.

الصوت الواحد للدولة يجب أن يُعبّر عن الإرادة الحقيقية واحتياجات الناس؛ فالشعب لا يريد الحرب والعنف والتوتر، بل يسعى إلى العيش في أمان وسلام.

 إن الإصغاء إلى صوت الناس، والتفاعل المستمر مع المجتمع، وتجنّب التصعيد والصراع، هي المبادئ الأساسية التي يجب أن تلتزم بها الحكومة.

 تحدّثتم في كلامكم عن التضامن؛ فهل يمكن القول إن مجتمعنا اليوم، بعد الحرب، يعيش حالة من التضامن؟

أحد الظواهر التي تنشأ في الأزمات مثل الحروب تُعرف في علم النفس الاجتماعي باسم “أثر التضامن”، حيث تؤدي هذه الظاهرة إلى تقارب الناس من بعضهم البعض، وتزيد من تعاطفهم وتعاونهم. 

ومن واجب الحكومة أن تعزّز هذا الأثر، وتكرّمه، وتحوّله من خلال إجراءات فعّالة إلى تماسك اجتماعي حقيقي.

وإذا لم تتمكن الحكومة من تحويل “أثر التضامن” هذا إلى تماسك اجتماعي خلال مرحلة التغيّر الراهنة، ما الوضع الذي يمكن توقّعه؟

إذا لم تستطع الحكومة الحفاظ على هذا التضامن، أو لم يتعامل بشكل سليم مع ردود الفعل النفسية للمجتمع في مواجهة الأزمة، فقد يتحوّل التضامن إلى انقسام واستياء.

 وهذا الأمر يُعد بالغ الحساسية خصوصا في ظل الأوضاع المعقّدة والمهدِّدة التي نمر بها حاليا؛ لأنه من غير الممكن التنبؤ بردّة فعل المجتمع في حال حدوث هجمات محتملة مستقبلا.

الولايات المتحدة و”إسرائيل” ترحّبان بوجود الانقسامات والخلافات الداخلية في إيران، وتسعيان إلى تأجيج هذه الانقسامات من أجل إضعاف المجتمع وزعزعة روحه المعنوية ونشر الفوضى. 

في المقابل، يجب على الحُكم، من خلال إدارة ذكية، أن يحافظ على الوحدة الوطنية والتعاطف الشعبي، وأن يعمل على تعزيزها للحيلولة دون نشوء أي أزمة نفسية أو اجتماعية.

 يبدو أن الناس متعطشون لرد فعل قوي من جانب الحكومة، شيء يشبه “انفجار الأمل” يعيد الحيوية للمجتمع ويرفع المعنويات، لكن هذا الرد لم يتحقق بعد. كيف تقيّمون هذا الانتظار؟ ولماذا تأخّر برأيكم؟

هذا صحيح، الردّ السريع والانفجاري الذي يتوقّعه الناس لم يتشكّل بعد، في الوقت الراهن، لدى الناس مطالب واضحة يجب الاستجابة لها. 

يتوقع المواطنون أن تصغي الحكومة إلى مطالبهم وأن يُظهر اهتماما فعليا بها، وقبل كل شيء، يتوقعون أن يُعزَّز لديهم الشعور بالعدالة والمساواة داخل المجتمع، يريد الناس أن يشعروا بأن جميع المواطنين، بغض النظر عن مواقعهم أو ظروفهم، يتمتعون بحقوق وخدمات متساوية.

فعلى سبيل المثال، من الخطوات العاجلة التي يمكن للحكومة أن تتخذها، الإفراج عن أولئك الذين يقبعون في السجون؛ بعض هؤلاء كانوا قد توقّعوا أصلا مثل هذه الأيام، وقد يكون الوقت مناسبا اليوم للقيام بمثل هذه المبادرات التي تنطوي على انفراجات حقيقية.

“أثر التضامن” الذي أشرتم إليه نشأ حول فكرة الوطن؛ فما الردّ المناسب من الحكومة تجاه هذه الفكرة؟

هذه المسألة ترتبط نوعا ما بالتضامن الوطني، والجانب الإيجابي هو أن الحكومة قد انتبهت بدورها إلى هذه النقطة، وتدرك جيدا أن الوطن هو القاسم المشترك بين الإيرانيين، وأن له أهمية بالغة.

الوطن بالنسبة لنا، نحن الإيرانيين، ليس مجرّد رقعة جغرافية؛ بل هو مفهوم متجذّر بعمق في اللاوعي الجمعي، إنّه مملوء بالأساطير والحكايات والقصائد التي تناقلتها الأجيال على مرّ الزمن: من الشاهنامه إلى حافظ وسعدي، ومن الشخصيات التاريخية مثل كوروش وداريوش. 

جميع هؤلاء يشكّلون جزءا من هذه الهوية الجمعية، وهذه الأساطير والقصائد، التي يرتبط الكثير منها بمفاهيم دينية ووطنية أيضا، تسهم، بشكل لاشعوري، في ترسيخ الشعور بالانتماء والتضامن الجماعي في داخلنا.

وعندما يُهدَّد هذا الشعور المشترك – مثلما يحدث عند التلويح بخطر التقسيم أو الإضعاف – فإنه ينشط بقوة، ويقرّب الناس من بعضهم البعض أكثر من أي وقت مضى. 

نحن اليوم أمام لحظة مفصلية في التاريخ؛ ويجب أن ننتقل من مرحلة “أثر التضامن”، التي تظهر عادة في الأزمات، إلى مرحلة “الانسجام الاجتماعي” الأكثر رسوخا واستمرارية. 

هذا الانتقال بالغ الأهمية، ويجب التأكيد عليه باستمرار وتذكير المجتمع به مرارا، حتى يكون عاملا مساعدا في تجاوز الظروف المعقدة والأزمات.