إجماع وطني وإدانات واسعة في أعقاب وفاة “حكيم الدبلوماسية الإيرانية” كمال خرازي

كتب: الترجمان

خيمت أجواء من الغضب والاعتزاز على الساحة الإيرانية عقب الإعلان عن وفاة الدكتور كمال خرازي، رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، الذي ارتقى متأثرا بجراحه نتيجة هجوم استهدف منزله السكني. 

وقد ووري جثمانه الثرى ظهر أمس الجمعة 10 أبريل/نيسان 2026 في القطعة رقم 42 بمقبرة “جنة الزهراء” المعروفة، وذلك عقب مراسم تشييع مهيبة انطلقت من مرقد الإمام الخميني، ليوارى الثرى وسط إجماع وطني على مكانته الاستثنائية كأحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية الإيرانية

وأجمعت التصريحات الصادرة عن كبار قادة الدولة، والوزراء، والأكاديميين، على أن هذا الاستهداف لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل هو محاولة لاغتيال “العقل والحكمة” واستهداف مباشر لصوت الحوار والعقلانية في المنطقة.

Image

القيادة العليا: شهادة خرازي وثيقة عار للمعتدين

أكد المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي في رسالة رسمية أن خبر استشهاد هذا الأستاذ البارز في مجالات العلم والثقافة، والشخصية الخبيرة في السياسة الخارجية، يمثل “وثيقة فخر” للمجتمع الجامعي والمسؤولين في نظام الجمهورية الإسلامية.

وشدد في تصريحه على أن العملية تمثل في المقابل وثيقة عار تعكس رذالة المستكبرين الأمريكيين والإسرائيليين، وأعداء الحضارة الإيرانية. كما أشار إلى مسيرة الشهيد الحافلة التي بدأت من العمل الثقافي والإعلامي وصولا إلى قيادة وزارة الخارجية، مبرزا دوره الريادي في العلوم المعرفية الحديثة.

الرئاسة والحكومة: فقدان وجه دبلوماسي أثّر في موازين القوى

وصف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الراحل كمال خرازي بأنه كان وجها بارزا ومتعهدا ومؤثرا، مشيدا بسنوات خدمته التي اتسمت بالروح المسؤولية والتدبير والحرص على مصلحة البلاد. 

وأوضح بزشكيان في تصريحه أن الشهيد قضى عمره الشريف في تبيين المواقف الراسخة للجمهورية الإسلامية في المحافل الدولية، خاصة خلال فترة عمله سفيرا في الأمم المتحدة ووزيرا للخارجية، مشيرا إلى أنه استمر بذات النهج في مجمع تشخيص مصلحة النظام ورئاسة المجلس الاستراتيجي.

ومن جهتها، صرحت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، بأن الراحل خرازي أثبت بوضوح أن رجال الدبلوماسية يقفون جنبا إلى جنب مع رجال الميدان في الدفاع عن عزة ومنافع الوطن، مؤكدة أن نهجه سيبقى ملهما لمسار إيران العزيز.

Image

ردود أفعال رفاق الدرب والوزراء السابقين

أكد محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الأسبق، أن استهداف شخصيات بقامة كمال خرازي وعلي لاريجاني وعائلاتهم، بالتزامن مع استمرار جرائم الإبادة في لبنان، لا يضيف فقط ورقة جديدة لسجل جرائم الحرب التي يرتكبها المعتدون، بل هو دليل قاطع على عدائهم الصريح للسلام ومنادي الحوار. 

ووصف الشهيد بأنه كان نموذجا بارزاً للإنسانية والزهد والالتزام الأخلاقي، معزيا نجليه مهدي وعلي، وشقيقه محسن خرازي، وكافة زملائه في وزارة الخارجية والمجتمع العلمي.

من جانبه، شدد سعيد جليلي، ممثل القيادة في المجلس الأعلى للأمن القومي، على أن شهادة زميله القديم وزوجته تمثل وثيقة أخرى في السجل الأسود للإرهاب الأمريكي-الإسرائيلي فيما وصفه بـ  اغتيال العقل والعلم. 

وأوضح جليلي أن استهداف رئيس معهد بحوث العلوم المعرفية ورئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية في منزله السكني يثبت للعالم أن منطق مدعي الحضارة الغربية ليس الحوار بل هو الإرهاب، داعيا كافة عقلاء العالم إلى الوقوف في وجه هذا التوحش الذي يحظى بصمت أو دعم بعض المراكز البحثية الغربية.

واستعرض علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى للشؤون الدولية ووزير الخارجية الأسبق، تاريخا طويلاً من الرفقة بدأ منذ سنوات النضال قبل الثورة، مؤكدا أن الراحل كان يتحلى بروحه الثورية وعزمه الراسخ في كافة الميادين. 

وأشار ولايتي إلى أنه كان شاهدا عن قرب على جهود خرازي المخلصة وتدبيره، خاصة خلال رئاسته لبعثة إيران في الأمم المتحدة وتوليه حقيبة وزارة الخارجية، وصولا إلى دوره في المجلس الاستراتيجي، مؤكدا أن استشهاده في “حرب رمضان” ولحاقه بزوجته الشهيدة يمثل نهاية مشرفة لمسيرة حافلة من الجهاد الخالص.

وفي رسالة مؤثرة، وصف حسن روحاني، رئيس الجمهورية الأسبق، كمال خرازي بأنه كان عالما متعهدا ومديرا جادا وحليما، مشيرا إلى أن معرفته به تمتد لخمسين عاما من التعاون الوثيق، خاصة خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية وفترات عمله الدبلوماسي. 

وأكد روحاني أن خرازي كان منبعا للخير والبركات للإسلام وإيران في كل مسؤولية تولاها، مشددا على أن إخلاصه وتدينه وأخلاقه الحسنة كانت من أبرز سماته التي جعلته يحظى بمكانة رفيعة في قلوب رفاقه والمجتمع الأكاديمي.

بدوره، أشار محمود واعظي، رئيس مكتب رئيس الجمهورية الأسبق، إلى الاحتلال الإسرائيلي الشيطاني يستخدم كل أدواته لاغتيال الشخصيات المؤثرة والمؤمنة بالسلام، مؤكدا أن اغتيال كمال خرازي وعلي لاريجاني جاء تحديدا بسبب دورهما الفاعل في تعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي.

 كما لفت محمد علي أبطحي إلى أن هذا الحادث يثبت أن العدو يضمر كراهية شديدة لرجال الحوار والمذاكرة بقدر كراهيته لرجال الميدان، واصفا الشهيد بالسياسي المعتدل والعاقل الذي كان دائماً يسعى لتقريب وجهات النظر.

وعلى صعيد متصل، أوضح مهرداد بذرباش، الناشط السياسي، جوانب من رؤية الشهيد الاستراتيجية، مشيرا إلى اجتماع سابق ضمهما في المجلس الاستراتيجي، حيث كان خرازي يؤمن بأن تطوير “الممرات الدولية” هو أحد أهم منابع إنتاج القوة لإيران. 

ووصفه بأنه كان دبلوماسيا متواضعا ومؤدبا ومبصرا، يركز جُل اهتمامه على تطوير القوة الوطنية والأمنية للبلاد، وهو ما جعله هدفا لمن يريد إضعاف شجرة العقلانية والحكمة في إيران.

وعبر عبد الرضا رحماني فضلي، سفير إيران في الصين، عن أن الراحل خرازي كان أسوة في التواضع والخلوص، مؤكداً أن العدو واهم إن ظن أن اغتيال هؤلاء الرجال سيضعف شجرة العقلانية في إيران. كما أشاد پرویز اسماعیلي بصفات الشهيد التي جمعت بين توكله على الله، وحب الوطن، والالتزام بالأخلاق والإنصاف، معتبرا أنه استطاع أن يصل بالدبلوماسية والمقاومة إلى حد الكمال.

Image

المؤسسة التشريعية والقضائية: اغتيال يعكس “خوف العدو من المنطق”

اعتبر رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، أن اغتيال هذا “الجندي الذي لا يكل” في ساحة الدبلوماسية والعلم، هو عرض عار وخزي العدو الإسرائيلي والاستكبار العالمي في مواجهة الميدان والسياسة. وأكد قاليباف أن الشهيد كان آية في الأخلاق والتقوى في كافة مناصبه الإدارية.

وفي سياق متصل، أكد رئيس السلطة القضائية، محسني إجئي، أن الشهيد وزوجته قد سُجلا في قائمة شهداء “الحرب المفروضة الثالثة”. وشدد إيجئي على أن خرازي، طوال تصديه للجهاز الدبلوماسي، لم يسمح أبداً بخروج حركة السياسة الخارجية الكلية عن مسارها الأصولي، وظل ملتزماً بصراط مستقيم تبعية الإمام.

وزارة الخارجية: عداء إسرائيلي متأصل ضد السلام والحوار

أصدرت وزارة الخارجية بيانا شديد اللهجة أدانت فيه الجناية الشنيعة التي أدت لاستشهاد الراحل كمال خرازي وزوجته الفدائية “منصورة رئيس قاسم”، يكشف عن عداء جذري للكيان الإسرائيلي مع السلام والدبلوماسية.

 كما صرح وزير الخارجية، عباس عراقجي، بأن فقدان خرازي ليس فقدان فرد، بل هو انطفاء لجزء من الحكمة والتجربة والصوت المتين للدبلوماسية الإيرانية. ووصف عراقجي الشهيد بأنه كان رمزا للوقار والمنطق القوي في مواجهة العالم، مؤكدا أن إرثه سيظل مصباحاً يضيء طريق المستقبل.

الأبعاد الأكاديمية والمواقف العسكرية

لم يغفل المسؤولون الجانب العلمي للراحل، حيث أكد وزير العلوم، حسين سيمائي، أن إطلاق النار على رجال العلم والدبلوماسي يظهر العداء للعلم لدى الكيان الإسرائيلي، مستعرضاً مسيرة الشهيد الأكاديمية من مدرسة علوي إلى جامعة هيوستن الأمريكية وصولاً لجامعة طهران.

من جهته، أكد القائد العام للحرس الثوري أن جهاد وأعمال هذا “الدبلوماسي الصادق” ستظل منشورا لامعا ومنارة لمن يكمل الطريق، معتبرا الراحل من الوجوه الممتازة والمعتبرة للنظام الإسلامي في السياسة الخارجية. 

كما أشار محمد مخبر، مستشار المرشد الأعلى، إلى أن اغتيال هذا الدبلوماسي القديم يثبت خوف الأعداء من “الصوت القوي” والمستقل للشعب الإيراني في الساحة الدولية.

كلمات مفتاحية: